الگاردينيا.. تسع سنوات من الكتابة في ذاكرة العراق

 قاسم محمد داود

الگاردينيا.. تسع سنوات من الكتابة في ذاكرة العراق

يصعب على الكاتب أن يتحدث عن مجلة ارتبط بها سنوات طويلة كما لو كان يتحدث عن مجرد منبر للنشر. بعض المجلات تصبح مع الوقت جزءاً من تجربة الكاتب وذاكرته، وهذا ما تمثله لي الگاردينيا.
كان أول مقال كتبته فيها في نيسان 2017، وكان آخر ما نشرته فيها، حتى الآن، مقالاً عن محلة السنك في بغداد في السادس من آب 2026. وبين التاريخين أكثر من تسع سنوات من الكتابة، تناولت خلالها موضوعات مختلفة، كان يجمعها اهتمام واحد: العراق، تاريخه وذاكرته وثقافته وتفاصيل حياته.
لهذا فإن علاقتي بالكاردينيا لا تقوم فقط على عدد المقالات التي نشرتها فيها، وإنما على مساحة وجدتها مفتوحة أمامي للكتابة عن العراق كما أراه وأعرفه.
مجلة تشبه العراق
منذ تأسيسها قبل أكثر من عقد، اختارت الگاردينيا لنفسها هوية واضحة. فهي لا تتعامل مع الثقافة بوصفها أدباً وفناً فقط، وإنما تفتح صفحاتها لتاريخ العراق وتراثه وشخصياته ومدنه وأحيائه وعاداته وتقاليده، إلى جانب القضايا التي تمس العراقيين وحياتهم.
وهذا ينسجم مع رسالتها التي تؤكد الاعتزاز بأصالة العراق، والتعريف بتراثه وتاريخه، واستعادة ما قدمه الأجداد من قيم وفنون وتقاليد، وتشجيع المواهب الشابة دون تمييز.
في رأيي، تكمن أهمية هذه الرسالة في أنها تنظر إلى الماضي بوصفه جزءاً من هوية الحاضر. فمحلة قديمة في بغداد، أو سيرة شخصية عراقية، أو مهنة اندثرت، أو عادة اجتماعية، قد تبدو تفاصيل صغيرة اليوم، لكنها تصبح غداً وثائق مهمة عن مجتمع تغيرت ملامحه.
وهنا تكمن قيمة الكاردينيا: أنها تساهم في حفظ الذاكرة العراقية قبل أن تضيع تفاصيلها.
وراء الاستمرار إرادة
لا يمكن الحديث عن نجاح الگاردينيا من دون التوقف عند الجهد الذي بذلته رئاسة التحرير وهيئة التحرير والكتاب الذين واصلوا رفدها بنتاجهم طوال هذه السنوات.

إن استمرار مجلة ثقافية لأكثر من عقد، في زمن تتكاثر فيه المنصات وتتغير فيه عادات القراءة، ليس أمراً سهلاً. إنه دليل على وجود إرادة حقيقية للحفاظ على المشروع، وعلى إيمان بأن الثقافة ليست ترفاً، وأن توثيق تاريخ العراق وتراثه وحياته يستحق أن يبقى حاضراً.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى رئيس التحرير الأستاذ جلال جرمكا، الذي حمل مسؤولية المجلة طوال هذه السنوات، وحافظ مع هيئة التحرير على هويتها ومساحتها المفتوحة أمام كتاب من أجيال واهتمامات مختلفة. وهذا التنوع في الكتاب والموضوعات يمثل، في تقديري، أحد عناصر قوة الكاردينيا.
المركز السابع.. محطة نحو الأعلى
من الطبيعي أن أتوقف عند التقييم الأخير لموقع الكاردينيا بين المجلات الثقافية العامة المشابهة في العراق والوطن العربي، والذي وضعها في المركز السابع.
قد لا يكون الترتيب وحده مقياساً لقيمة أي تجربة ثقافية، فالثقافة لا تختصر بالأرقام، لكن الوصول إلى هذه المرتبة بعد أكثر من عقد من العمل والاستمرار نتيجة تستحق التقدير. والأهم أن يكون هذا المركز حافزاً للمضي إلى الأمام.
فالكاردينيا تملك اليوم رصيداً مهماً من التجربة والأرشيف والكتاب والموضوعات، ولديها هوية واضحة يمكن البناء عليها للوصول إلى حضور أوسع في المشهد الثقافي العربي. وأتمنى أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة تطور حقيقي، من خلال تعزيز الأرشفة، والاستفادة من الإمكانات الرقمية، وتوسيع دائرة الكتاب والباحثين، والانفتاح أكثر على المشهد الثقافي العربي، بحيث تصبح الكاردينيا واحدة من المنابر التي يعود إليها القارئ والباحث حين يريد التعرف إلى العراق وتاريخه وثقافته وذاكرته.
أما أنا والكاردينيا...
بعد أكثر من تسع سنوات من الكتابة فيها، يصعب عليّ أن أتعامل مع الكاردينيا باعتبارها مجرد موقع أنشر فيه مقالاتي.
كل مقال كتبته فيها يحمل تاريخاً وموضوعاً ومرحلة من حياتي ومن حياة العراق. وبعض ما كتبته عن بغداد وأحيائها وشوارعها لم يكن بالنسبة لي مجرد موضوع صحفي، بل محاولة لاستعادة شيء أخشى عليه من النسيان.

وحين كتبت أخيراً عن السنك، شعرت أنني أكتب عن مكان في بغداد، لكنني في الوقت نفسه أستعيد جزءاً من ذاكرة مدينة وبلد.
وربما لهذا السبب أشعر أن علاقتي بالگاردينيا أصبحت علاقة تتجاوز الكاتب بمنبر النشر. إنها علاقة كاتب بمساحة وجد فيها مكاناً للحديث عن العراق بالطريقة التي يؤمن بها. ومن نيسان 2017 إلى السادس من آب 2026، هناك سنوات من الكتابة، لكن هناك أيضاً ثقة متبادلة نشأت بين الكاتب والمجلة. ولهذا وجدت أن من الجميل أن أكتب اليوم عن الكاردينيا، بعدما كتبت فيها لسنوات عن العراق.
أهنئ الأستاذ جلال چرمگا، وهيئة التحرير، وجميع كتاب الگاردينيا وقرائها، بهذا الإنجاز، وأتمنى أن يكون المركز السابع محطة في طريق أطول نحو مواقع أكثر تقدماً وحضور أوسع ومكانة تليق بالكاردينيا وبالعراق الذي تحمل اسمه وذاكرته. فالكاردينيا بعد أكثر من عقد من العمل تستحق أن يكون طموحها أكبر. والعراق الذي تحاول أن تحفظ ذاكرته يستحق منبراً كبيراً.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

677 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع