مفارقات ترمب في القرن الأمريكي

نزار السامرائي

مفارقات ترمب في القرن الأمريكي

مارس الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أسلوبا غير مألوف في السياسة الأمريكية، ولا في عالم الدبلوماسية والعلاقات الدولية، يتميز بالتهريج الشعبوي أحيانا، والتناقض والغموض المتعمد في أحيان أخرى، حتى أن بعض المتابعين كانوا يطرحون أسئلة حائرة عما إذا كان القرار الأمريكي يصنع بهذه الطريقة الفجة؟ والبعض الأخر كانوا يتهمون كل من يفسر الأمور بهذا الاتجاه بأنه لا يعرف أن الدولة العميقة في الولايات المتحدة، لا يمكن أن تسمح لأي رئيس أن يخرج على قواعد اللعبة المفروضة على مؤسسات الدولة بما فيها مؤسسة الرئاسة، لكن الرئيس ترمب ربما شكل بداية التحول في تلك السياقات القديمة التي مضت عليها مئتان وخمسون عاما، جعلت من الرؤساء مجرد أدوات تلعب أدواراً صغيرة لا تكاد ترى في واجهة الأحداث.
دخل ترمب البيت الأبيض ليباشر رئاسته الأولى عام 2017، ليقلب كثيرا مما ساد مسرح الأحداث السياسية في البلاد، فسجل أعلى رقم للتغييرات في المواقع العليا البلاد، وكأنه يريد أن يقول للجميع بأن منصب الرئيس في الولايات المتحدة لا يختلف كثيرا عن إحدى شركاتي أستبدل موظفيها كيفما أشاء ومتى أرغب في ذلك، حتى أن وزير الخارجية السابق مايك بومبيو الذي خلف ريكس تيلرسون في منصبه، أجاب عن سؤال افتراضي، متى يعزلك الرئيس عن منصبك أجاب قائلا "في كل يوم عندما اتناول فطوري، افتح صفحة الرئيس على تويتر متوقعاً أن أقرأ قرار عزلي من منصبي"، نعم هكذا كانت الأمور السياسية تدار في الدورة الأولى لترمب في موقع الرئاسة.
وفي الدورة الثانية التي اكتسح فيها ترمب صناديق الاقتراع وحقق فوزا لامعا ًلنفسه وللحزب الجمهوري في غرفتي الكونغرس، توقع كثير من المراقبين، أنه سيُحدث تغييراً جوهريا على ما اعتمده من سياسات وبرامج وتصرفات علنية في رئاسته الأولى، بحكم التجربة المرة التي مر بها بعد خسارته لمنصبه، وربما أجرى حوارا داخليا مع نفسه أو مع أقرب مستشاريه، بحكم الدروس المستنبطة من خسارته السابقة في السباق الرئاسي ضد جوزيف بايدن، فلاحظ المراقبون أنه أصبح في رئاسته الثانية، أقل ميلاً لإحداث تغييرات في المواقع القيادية في البلاد وإن لم يتخلَ عنها نهائياً، ولكنه جاء في الدورة الثانية لرئاسته وهو أكثر عدوانية تجاه خصومه الداخليين، لا سيما أوباما وبايدن، وأكثر استعدادا للتصريح بما يفكر فيه بصوت عالٍ أمام الصحفيين والفضائيات، من مواقف ترتبط بالسياسية العليا للولايات المتحدة على أجهزة الإعلام، ولعل لقاءه مع نائبه فانس بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والذي خرجا فيه عن قواعد اللياقة وأبسط مقتضيات الضيافة، ما أعطى انطباعا أوليا عن منطق الوصاية الأبوية على أوربا بشكل خاص. لقد احتكر ترمب لنفسه كثيرا من مهمات وزرائه وكبار موظفي إدارته بمن فيهم الناطقون الرسميون باسم مختلف الوزارات حتى صارت وظيفة المتحدثين الرسميين باسم البيت الأبيض ووزارة الخارجية والحرب وكأنها قد خضعت لمبدأ الخصخصة من قبل ترمب، فلم يعد لأي منهم واجباً يؤديه أو موقفاً رسميا يعلن عنه، فالرئيس كان أسبق منهم في ذلك، وأنحصر واجبهم في تبرير المواقف المعلنة من قبل الرئيس أو إعطائها التفسيرات المخففة لا أكثر.
كان بعض الرؤساء الذين سبقوا ترمب على استعداد بقدر ما لتحمل جانب من المسؤولية الأخلاقية عن أي اخفاق في سياسة بلدهم، حتى لو كانت تلك الاعترافات لا تنفع شيئا في استرداد حقوق الدول المعتدى عليها كلاً أو جزءا، من دون أن يعني ذلك تحوله إلى قانون في تقاليد البلاد، لكن ترمب تميّز عمن سبقوه، بأنه على استعداد لإلقاء تبعات الفشل على كبار مسؤولي إدارته، وعلى شركاء مقربين من الولايات المتحدة، بل على صلة خاصة مع الرئيس نفسه، أما إذا صادفت خططه نجاحا، فإنه ليس على استعداد لمنح أقرب مستشاريه، أقلَ قدرٍ من وجاهة الدور في تحقيق جانب من الهدف، وينطبق هذا بدرجة أكبر على حلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها.
كما أن ترمب ابتدع أسلوباً في تصريحاته قلما اعتمده أي من الرؤساء الأمريكيين السابقين، وقد لا يلجأ إليه أي منهم في المستقبلين القريب أو البعيد، وهو الإسراف في إطلاق أوصاف التبجيل والإطراء التي ينفقها ترمب على من يشاء من دون موازين، حتى صارت علامة فارقة ينفق الرئيس الأمريكي من خزائنها بسخاء كبير جدا، بلا مراعاة لاحتمالات التبدل في المصالح أو العلاقات السياسية بين الدول وقادتها، والتي تخضع لمقاييس مضطربة كثيرا.
وفي الحرب الأخيرة مع إيران، كلما وجد ترمب في نفسه رغبة في وقف إطلاق النار، بلا سبب أو لعدم وجود خارطة للأهداف العسكرية والسياسية والاقتصادية الأكثر تأثيرا في حسم الحرب، أو لغياب خارطة طريق لنهاية الحرب، لأسباب عسكرية أو سياسية أو اقتصادية داخلية أو خارجية، كان الرئيس يفاجئ الجميع بمن فيهم أقرب مساعديه ومستشاريه، بقرارات وقف العمليات أو استئنافها، وعندما لم يستطع تقديم حجة مقنعة أو منطقية لأية خطوة يخطوها يشطح به الخيال بعيدا، فيزعم أن هذه الخطوة أو تلك، إنما جاءت استجابة من ترمب لرغبة من باكستان في منح وساطتها فسحة أخرى من الوقت، وقد يكون ترمب محقاً في ما ذهب إليه عن الوساطة الباكستانية المتخمة بكل عوامل الخديعة والغش والتحايل.
ولكن العالم وبعد أن شنت الولايات المتحدة آخر هجماتها الجوية على عشرات المواقع والبنى العسكرية التحتية فجر الثلاثين من تموز الفائت، وعندما ردت إيران بقصف مضاد شمل مواقع في الكويت والبحرين وعددا من ناقلات النفط والسفن التجارية في مضيق هرمز، استشاط ترمب غضبا وعدّ ذلك تحدياً له، لا سيما وأنه أعطى إيران أكثر مما كانت تحلم به من تنازلات، وذلك عندما تراجع بصورة لافتة عن كل شروطه السابقة، مثل تخصيب صفر، وإزالة البرنامج النووي برمته، وإعلان الاستسلام الكامل، فأعاد إلى الذاكرة ما سبق له وأن هدد إيران بتدمير منشآتها الاقتصادية وطرق مواصلاتها الحيوية، ليلتها سهر العالم واقفاً على رجليه منتظرا الضربة الأخيرة التي سترغم إيران على الركوع، على وفق ما صوره هو للرأي العام العالمي، ولما كان ترمب رافع شعارات عالية وأكثر الرؤساء استعداداً للانقلاب على نفسه، كان لا بد أن يبحث عن شماعة يعلّق عليها خيبته، فلم يجد ترمب غير اسم الأمير محمد بن سلمان، لينسب إليه طَلبَ وقف الهجوم "الكاسح" الذي هدد به للمرة الألف، ربما كان محمد بن سلمان من بين زعماء دول الخليج العربي الذين يعرفون حقيقة نوايا الشر التي تحملها إيران تجاه بلدانهم، وفكان طبيعيا أن يبذل ما بوسعه لتجنب الشر القادم من إيران، التي ظلت تعاني من عقدة مستحكمة اسمها الخليج العربي، فكانت تنظر إليها بعين منكسرة نتيجة ما قطعته تلك الدول من أشواط على طريق بناء الدولة الحديثة، مقارنة مع نفسها، فإنها تتحين الفرص لإزالة مظاهر التطور الاقتصادي والعمراني، بحجة استهداف مواقع تابعة للولايات المتحدة، في حين أن حاملات الطائرات والبوارج الأمريكية أقرب إليها من دول الخليج العربي، ولكن إيران لا تمتلك الشجاعة لفتح جبهة مع من تسميهم بالأعداء، وتقصف من تسميهم الأصدقاء.
من المؤكد أن جميع الأطراف التي تشعر أن أمنها القومي يمكن أن يتعرض لتهديد جدي فمن واجبها أن تبحث عن أية فرصة للسلام والاستقرار في منطقتها الإقليمية، وعلى الرغم من أن دول الخليج العربي تعيش وضعا ملتبسا بين طرح نفسها كقوة مؤثرة في المجتمع الدولي، ليس بحكم وجود النفط والغاز فيها فقط، بل تذهب أحيانا إلى الحديث عن تأثيراتها كقوة سياسية وعسكرية أيضا، وهذا من حقها أيضا، ولكنها عندما تلوح في الأفق مؤشرات على عاصفة خارجية، فإنها تتعامل معها بطريقة لا تعكس ما تقوله عن نفسها لا سيما في تعاملها مع بعضها أو في بيئتها القومية أو في منطقتها الإقليمية وبخاصة مع إيران، حينذاك يبدأ صوتها بالانخفاض تدريجيا على نحو لا ينسجم مع ما سبق طرحه من أفكار وادعاءات عن قوتها، نعم ليس من الحكمة اللجوء إلى استعراض القوة بلا سبب، ولكن ليس من الحكمة أبدا إشعار العدو بالضعف لحد استجداء الود بأي ثمن، خاصة إذا كان يحمل موروثا من الحقد والشر القديمين مثل إيران، وعلى الدول التي لا تستطيع مواجهة إيران أن تتنظر حتى تأتي الفرصة التي تضعف فيها من تلقاء نفسها أو بتأثير خارجي، ولا يحق لها أن تلقي إليه بحبل النجاة عندما تتأكد أنها على وشك الغرق.
أعود إلى ترمب الذي أراد عَصبَ رغبته بالخروج من مأزق الحرب مع إيران، برأس الأمير محمد بن سلمان، فأقول إذا كان لولي العهد السعودي هذا التأثير على قرارات الرئيس ترمب وفي رسم السياسة الأمريكية، فلماذا لم يستجب ترمب للطلبات المتكررة التي قدمها محمد بن سلمان بشأن قيام الدولة الفلسطينية التي تضم قطاع غزة والضفة الغربية على أن تكون عاصمتها القدس، كشرط للتطبيع مع إسرائيل؟ ولماذا يستجيب لدعواته عندما يتعلق الأمر بإيران وإيران وحدها؟ ألا يدل ذلك على أن ترمب يريد أن يلقي بحمل طهران الذي اتعب ظهره، ويواصل سياسة الانكار لدوره في فتح هذا النفق وسط جبل أصم لا يمكن أن يركن إلى منطق العقل والحكمة، ثم إن توجهات الرأي العام الإقليمي بما في ذلك الإيرانيون أنفسهم قد يفقدون الثقة بكل من يحاول انقاذ نظام القمع والإرهاب في طهران من مأزقه.
ترمب ورط نفسه في حرب مع بلد لا يمكن أن يفهم غير منطق القوة طريقا للنصر أو للهزيمة في معظم الأحيان، من دون أن يتعرف على الشخصية الإيرانية عن قرب، لأنه في البداية والنهاية تاجر يستعجل عقد الصفقات فرمته المقادير مع نساج لا يكترث للزمن بقدر ما يريد التباهي بحبكة ما صنعه، ولما كان ترمب خريج مدرسة غوغائية في تفسير الظواهر السياسية والاجتماعية التي تحيط به، ويحاول التملص من أية خسارة شخصية، لذا فهو يبحث عمن يحمل وزر هذه الخسارة، ومثل هذه الصفات تضعف من المركز القيادي لكل من يمارسها، فالأصل بالقائد الجامع لشروط القيادة أن يتحمل تبعات ما يتخذه من قرارات في حالتي النجاح والفشل.
ومع تمادي ترمب في تلك الرياضة اللفظية، التي تتخطى حدود الغزل السياسي، إلى تأدية أدوار هزلية في أفلام هابطة، فقد أوقعه هذا النمط من الغزل السياسي خارج السن المعهود، ولم ينجح في تغيير قناعات واحد من زعماء العالم، بل أن ترمب جلب على نفسه ردودا عكسية من قبل بعض زعماء العالم، نتيجة انصراف تلك العبارات إلى معاني معاكسة لما هو سائد في المجتمع الأمريكي من مغازي، بل ينصرف إلى تفسيرات غاضبة أو على الأقل تؤدي إلى سوء فهم للمقاصد السياسية أو الاجتماعية من وراء إطلاقها.
عندما يريد ترمب اتخاذ بعض القرارات المتعجلة والتي لم تستوف شروط البحث والدراسة اللازمة، ويُقدم عليها عن قناعة شخصية بها، أو نتيجة ضغوط الظرف السياسي أو الاقتصادي المحيط به أو الضاغط عليه، فإنه يختلق قصصا من خياله الجامح فيذهب في سياحات مع أفلام الخيال العلمي، فتارة يقول إن الإيرانيين بعثوا إليه برسائل يلحون على العودة إلى الحوار وأنهم وافقوا على شروطه التعجيزية التي تجعل أي بلد يوافق عليها كلاً أو جزءا، بلداً فاقداً لسيادته، وتارة أخرى ينسب أية خطوة يريد الإقدام عليها، وكأنها استجابة إلى نداءات عاجلة وردته من زعماء العالم، وكأنها استغاثات اللحظة الأخيرة قبل الانفجار الكبير، فكم هو عدد المرات التي تم فيه فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية الحرة، وكم من مرة دمر فيها الأسطول البحري الحربي الإيراني، وكم مرة دمر فيها الدفاعات الجوية ومصانع الطائرات المسيرة ومخازنها؟.
يصل فيها وصفه إلى حد أنه يجعل الاعتقاد ينصرف إلى أنهم من توسلوا إليه لتغيير قرار الحرب الذي اتخذه قبل ساعات، وأنه هو الرئيس الذي لا يتراجع عن موقف اتخذه لولا الضغوط التي تُمارس عليه من زعماء مقربين إليه شخصيا وإلى بلاده، باختصار شديد ترمب هو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي لا يعرف ماذا يريد، ولأنه كائن عبثي فقد وجد من يحركه بآلية عمياء، مستغلا الصلاحيات الأسطورية التي يتمتع بها أي رئيس أمريكي، فصار ترمب مثل طفل أهديت له لعبة لا يعرف قيمتها فاراد أن يختبر قابليتها على عدم الانكسار فألقى بها من النافذة ليتأكد من جلية الأمر فسقطت على رأس طفل آخر فصرعته وتحولت إلى شظايا صغيرة.
عندما كانت القضية الفلسطينية لا تنافس مكانتها في الوجدان السياسي العربي قضية أخرى، حتى أن احتلال إقليم الأحواز العربي البالغة مساحته 375 ألف كم مربع، لم يحض بأي رد فعل عربي متعاطف، على الرغم من أن الشاه رضا خان وهو أبو محمد رضا بهلوي اقتطع جزءا عزيزا من الأرض العربية، وعلى الرغم من أن الأحواز تعرضت للسحق القومي وللزحف الفارسي على أرضها، اقتبس النظام الإيراني الشاهنشاهي، من الحكم الصفوي سياسة الاضطهاد الديني والمذهبي، من احتمال هزيمة إيران وذلك خشية من توسع النفوذ التركي في المنطقة على حساب مصالح تريد التقاط خيوطها كلها وجمعها في السلة الباكستانية.
بكل تأكيد دول الخليج العربي لا تريد خروج إيران منتصرة من الحرب، لما يمثله ذلك من أخطار تهدد أمنها القومي واستقلالها وسيادتها، واستقرارها الداخلي وتعرضها إلى أفدح المخاطر
مع التطور الساحق للولايات المتحدة في الحرب وعلى الجبهات، تواصل إيران حماقتها المعهودة بما تسميه "بالصبر الاستراتيجي"، فأين يكمن الخلل؟ هل في الإدارة العسكرية للحرب أي دور القيادات العسكرية من مستوياتها العليا إلى القيادات الميدانية؟ أم يرتبط الأمر بالإدارة السياسية للمعركة، وانعدام الفهم الحقيقي لطبيعة تفكير الفرد الإيراني المجبول على العناد لمجرد العناد ويمارسه بلذة عالية، ويعتبر ذلك جزء من البناء السيكولوجي للشخصية الإيرانية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

587 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع