
أحمد العبداللّه
بعثيون في العراق..(دعوجيون) في إيران!!
كثيرًا ما انشغل تفكيري في سنين سابقة, بالسؤال التالي؛ لماذا وقع هذا العدد الكبير من المقاتلين العراقيين أسرى بيد الإيرانيين, والذي قارب الثمانين ألف أسير, وهو ما يشكّل ضعف أسرى إيران لدى العراق!!. والسؤال الآخر؛ لماذا تفقد الوحدات والتشكيلات العسكرية العراقية إرادة القتال حال محاصرتها من قبل القوات الإيرانية, وتنهار مقاومتها سريعًا وتستسلم لهم خلال ساعات أو أيام قلائل!!. ولكني لم أجد إجابة شافية.
إذ كان الخطاب السياسي والإعلامي العراقي في عهد صدّام حسين يقوم بالتعتيم على تلك الوقائع الخطيرة, أو يقدّم روايات مضلّلة أو غير حقيقية تنسجم مع الخطاب الدعائي السائد من إن؛(الشعب العراقي كلّه متوحّد خلف راية القائد صدّام حسين)!!. حتى جاء كتاب هشام النورسي ليكشف المستور ويصدع بالحقيقة المرّة التي غيّبتها دهرًا أجهزة النظام السابق.
***
خلال وجوده في طهران اطلع هشام النورسي على شهادات العديد من الأسرى عن وجود تنسيق مسبق مع الإيرانيين من قبل ضباط وجنود شيعة منتمين لحزب البعث, ولكنهم في السرّ كانوا من أعضاء(حزب الدعوة), وأكثرهم من الضباط الذين يشغلون مناصب آمري وحدات مقاتلة, وبعضهم يشغل مناصب أمنية وحزبية رفيعة. فيقومون بالتنسيق مع الإيرانيين بتسليم وحداتهم بكامل أفرادها وسلاحها وآلياتها لهم, دون أن يسمحوا لمقاتليهم أن يُطلقوا طلقة واحدة على عدوّهم, بذريعة أنهم محاصرون ولا توجد فرصة لمواصلة القتال ولا بد من الاستسلام!!.
ويضيف النورسي؛ كان ذوو الأسرى الخونة في العراق يتقاضون كافة حقوقهم ورواتبهم الشهرية كأسرى حرب, في الوقت الذي كان أبناؤهم غاطسين بوحل الخيانة ويقضون أوقاتهم بالتسكّع بشوارع طهران, يمارسون عهرهم ومفاسدهم بضيافة حزب الدعوة وفيلق بدر لحين(تأهيلهم الخياني), وكانوا لا يدخلون في الأقفاص إلا قليلا.
ويجزم النورسي؛ إن أهاليهم كانوا على علم بخيانة أبنائهم لأنهم خرجوا من رحمهم الخبيث. وكان لهم الأولوية بكتابة الرسائل لأهاليهم في العراق وتسلّم أجوبتها, وقد اطلع عليها باقي الأسرى الذين يعرفونهم بالاسم والرتبة العسكرية.
ويفصح هشام النورسي عن مخاوفه من هؤلاء المنافقين عند عودته للعراق مستقبلا, فيقول؛ خشيتي من هاجس آخر, من أن أقع مجددا هناك في بغداد بيد نفر من أولئك الخونة الذين يدّعون الولاء للوطن(تقيّة), ولكن في قرارة أنفسهم يوالون إيران ويتعاطفون معها, لاعتقادهم انها تعبّر عما يختلج نفوسهم المريضة من ولاء مذهبي.
ثم يضيف؛(لقد كان ذلك من أكثر المآسي التي اطلعت عليها خلال تواجدي في قفص الأسرى في إيران, حتى أني كنت أخشى على العراق منهم. لأنهم كالسرطان الذي ينخر بالجسد من دون أي أعراض جانبية توحي بالخطر, حتى يتمكن من سائر الجسد ثم ليجهز عليه بلا رحمة بضربة قاضية جبانة. وهؤلاء كثيرون ومنتشرون في كل مفاصل الدولة العراقية)!!.
ويشخّص هشام النورسي بشكل دقيق داء النفاق الذي استشرى في المجتمع العراقي بتشجيع من السلطة, فيقول؛(الأجهزة الأمنية للسلطة لم تكن تتعرض لأي مواطن عراقي لا يتقاطع سياسيا معهم, باعتباره مؤيدا لحزب البعث الحاكم ويقوم بالتصفيق والهتاف وإلقاء الأشعار المؤيدة بمناسبة أو بدونها. وهؤلاء هم من أوصل العراق للهاوية التي هو عليها الآن, لأن الرئيس كان يستحسن ويصدّق أصحاب تلك الهتافات الجوفاء التي كانت تتعهد له أن تفديه بالروح والدم, واستند عليها وأخذ يناطح الدول العظمى متكلا على هتافات أولئك المنافقين).
ويضيف؛ وعندما حانت ساعة الحقيقة انفضوا من حوله, وظل وحيدا مكشوفا حتى وقع بيد الأمريكان الذين سلّموه لأعدائه من حثالات إيران فأعدموه بعد محاكمة بائسة, لتطهره من ذنوبه التي اقترفها وأخطائه التي أوقعنا فيها, ويغادرنا ليصبح بذمّة التاريخ الذي سيحكم عليه بالسلب أو الإيجاب.
***
وبعد رجوع النورسي للعراق وتسليم نفسه للاستخبارات العسكرية واحتجازه والتحقيق معه, يسأله المحقق في مديرية الاستخبارات الجوية؛(لنفترض إنك كنت فعلا في إيران, فهل تصديت للشتائم التي يطلقها الفرس على رئيسنا القائد صدّام حسين؟), فكان جوابه؛ وهل ستتصدى أنت لهم لو كنت مكاني في تلك المحنة العسيرة؟!.. على الأقل إني لم أكن أكيل الشتائم تجاه وطني وجيشي وقادته, كما كان يفعل أولئك الخونة من ذوي الرتب والدرجات الحزبية والمناصب الأمنية الرفيعة التي كانوا يشغلونها قبل الأسر, وكل التفاصيل كتبتها في إفادتي ولك ان تطلع عليها. ولما فشل المحقق في مجاراته, استخدم معه سلاح العاجز, وقال له؛(يبدو إنك لا تعرف مع من تتكلم)!!.
ويستمر هشام النورسي, فيقول؛ بعد رجوعي للخدمة العسكرية لم أهنأ بالطمأنينة لأن جبهة أخرى مبطنة بنوايا مشبوهة ناصبتني العداء من المنافقين ذوي الوجهين. فهم في الظاهر بعثيون مخلصون ومواظبون على كتابة التقارير الحزبية ضد الآخرين, بينما الوجه الاخر مخفي ولا أحد يستطيع تشخيصهم سواي بحكم خبرتي السابقة, إذ رأيت مثل هذه الوجوه في إيران. وقد ظهروا على حقيقتهم لاحقا عندما جاء المحتل الأمريكي وارتموا تحت(بسطاله)متنكّرين لكل عنوان وطني كانوا يتبجحون به سابقا.
ويضيف؛ تلك الجبهة المنافقة لم تدّخر وسيلة لمحاربتي والكيد لي بكل الوسائل الدنيئة للإيقاع بي, لأني كنت انتهز أي فرصة لفضح خسّة ونذالة الفرس. وهم كانوا مجموعة من العاملين تحت أمرتي, ويسندهم آمر القسم الفني الذي كنت أديره, المدعو(النقيب قاسم بادي هاون), وجميعهم من سكنة محافظات كربلاء والنجف والحلة, حتى تمكنوا بعد عدة محاولات خبيثة من الإيقاع بي, عندما حاسبت أحدهم بسبب إهماله في واجبه, فردَّ عليَّ باستهتار؛ إن النقيب قاسم قد منحة إجازة, فثارت ثائرتي وشتمت النقيب قاسم ومن أعطاه تلك الرتبة, فأوصلوا الخبر سريعا إليه, والذي بدوره اتجه من فوره لآمر الوحدة يشكوني إليه, بأني؛(شتمت السيد الرئيس). وقد شهدت ضدي كل تلك الزمرة الطائفية, ولم يستطع آمر الوحدة أن يفعل شيئا رغم تعاطفه معي وتقديره لعملي. فقام بتشكيل مجلس تحقيقي وأودعني السجن, لأن النقيب قاسم رفض سحب شكواه. وهذه التهمة بالطبع تقود إلى الإعدام في محكمة الثورة.
ويختم النورسي شهادته قائلا؛ في هذه الأثناء جاء أخي(لؤي)من الجبهة بإجازته الدورية, وعند سماعه بالخبر حضر لوحدتي بسلاحه الشخصي ولباسه العسكري وهو يحمل على صدره نوط الشجاعة لاستبساله في إحدى المعارك. ودخل مباشرة لغرفة نقيب قاسم ولم يذهب لآمر الوحدة, ووجّه له تهديدا صريحا بأنه لن يهنأ في حياته إذا حصل لي مكروه, ثم تركه دون أن يجادله أو يستعطفه. فما كان من ذلك النقيب الطائفي الذي وضع إيران نصب عينيه وأراد الانتقام مني من خلال تقديمي قربانا لها باعتبارها الوطن الأمّ والحاضنة لمذهبه الذي جعله يعلو على كل المسمّيات الوطنية, إلّا أن يذهب لآمر الوحدة ويسحب شكواه ضدي نتيجة هلعه وجبنه. وبعد(الانتفاضة الشغبانية)في سنة 1991 اختفى بعض أفراد تلك الزمرة الطائفية بسبب مشاركتهم فيها بمناطق سكناهم!!.
***
وفي الختام أقول؛ إن من يستغرب من تداعي حكم صدّام حسين وانهياره بهذه السرعة في 2003, فلأن المرتكزات التي استند عليها كانت واهية ونخرها(السوس), فالكثير من أذرعه وأدواته السياسية والحزبية والعسكرية والأمنية والإعلامية, كانوا يقولون شيئًا ويضمرون عكسه, يعِدون ولا يوفون بعهودهم, يُقسمون ولا يبرّون بقسمهم, موافقون ولكنهم منافقون, يتحدثون عن المصلحة العامة ولكن همّهم مصلحتهم الخاصة, أول من يستفيدون وآخر من يضحّون, يقولون ما لا يفعلون, ويفعلون ما لا يقولون, صدقهم قليل وكذبهم كثير, يتحدثون عن النضال وينهزمون عند النزال, يحضرون في المكرمات ويتوارون في المُلمّات, يتجمعون عند توزيع النفيس ولكنهم يتسرّبون عندما يحمى الوطيس. فإذا كان الحال هكذا, فلا بدَّ أن يكون المآل هكذا. ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
ولا يوجد أبلغ من قوله تعالى في وصف أولئك المنافقين والتحذير منهم؛﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

614 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع