
فريق عبدالرحمن دوسكي - دهوك
استهداف مكتب مسرور بارزاني اعتداءً على أمن العراق
لم يعد استهداف أربيل بطائرات مسيّرة حدثاً أمنياً عابراً يمكن أن يمرّ في صمت، ولا يمكن النظر إلى استهداف مكتب رئيس حكومة إقليم كوردستان، السيد مسرور بارزاني، ومنزل رئيس جهاز الأمن والاستخبارات في الإقليم، على أنه مجرد حادث عسكري محدود. انه بكل المقاييس السياسية والأمنية، تطور خطير يستوجب وقفة عراقية مسؤولة، وموقفاً وطنياً واضحاً، لأن أربيل مدينة عراقية، وإقليم كوردستان جزء من الدولة العراقية، وأمن الإقليم لا ينفصل عن أمن العراق وسيادته.وبحسب ما أعلنته السلطات الأمنية في إقليم كوردستان، فقد استهدفت طائرتان مسيّرتان مفخختان مكتب رئيس الحكومة ومقر إقامة مسؤول أمني بارز، وقالت السلطات إنهما أُطلقتا من الجانب الإيراني. ولم تسفر العملية، لحسن الحظ، عن خسائر بشرية. لكن السؤال الأكبر ليس فقط: أين سقطت المسيّرات؟ بل: لماذا استُهدفت أربيل، ولماذا استُهدف مكتب رئيس حكومة الإقليم تحديداً؟ ان استهداف شخصية سياسية بحجم رئيس حكومة إقليم كوردستان، واستهداف موقع يرتبط مباشرة بإدارة الإقليم وأمنه، يحمل رسالة سياسية تتجاوز الأهداف الميدانية. فالرسالة الأخطر هي محاولة فرض منطق القوة على قرار سياسي عراقي، وإيصال الصراع الإقليمي إلى داخل الأراضي العراقية. وهنا ينبغي أن تكون بغداد واضحة.فالعراق
الذي يريد أن يحافظ على سيادته واستقلال قراره السياسي لا يستطيع أن يتعامل مع الاعتداء على أراضيه بمنطق الصمت أو الانتظار. سيادة العراق ليست قابلة للتجزئة، وأمن بغداد والبصرة والموصل وأربيل ودهوك والسليمانية واحد، مهما اختلفت التوجهات السياسية بين أبنائه. لقد
أثبتت الأحداث المتكررة أن تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية لا يخدم العراق ولا شعبه. وكلما سمحنا بتجاوز الخطوط الحمراء، أصبح التجاوز التالي أكثر سهولة وخطورة. ان إقليم كوردستان ليس ساحة مفتوحة لأي طرف إقليمي، كما أن العراق ليس ملعباً للصراعات بين الدول. ومن هنا فإن الحكومة الاتحادية مطالبة بأن تتعامل مع هذا الاعتداء باعتباره مساساً بالسيادة العراقية، وأن تفتح تحقيقاً رسمياً شفافاً، وأن تستخدم الوسائل الدبلوماسية والقانونية المتاحة لمعرفة ملابسات الهجوم ومحاسبة من يقف وراءه. وفي الوقت نفسه، فإن على حكومة إقليم كوردستان أن تبقى يقظة، وأن تعزز الإجراءات الأمنية والدفاعية لحماية المواطنين والمؤسسات، مع الحفاظ على أعلى درجات المسؤولية وعدم الانجرار إلى ردود أفعال قد توسع دائرة التصعيد. اما
مسرور بارزاني، فإن استهداف مكتبه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره استهدافاً لشخص فقط؛ بل استهدافاً لمؤسسة حكومية ولرمز من رموز الإدارة السياسية في الإقليم. والرسالة التي يجب أن تصل إلى الجميع هي أن الاختلاف السياسي لا يمنح أحداً الحق في استخدام السلاح ضد الآخرين، وأن الخلافات الإقليمية لا يجوز أن تتحول إلى صواريخ ومسيّرات فوق المدن العراقية. لقد كان من اللافت أن الهجوم لم يسفر عن ضحايا، وهو أمر يدعو إلى الحمد والشكر، لكنه في الوقت نفسه يجب ألا يقلل من خطورة العملية. فغياب الضحايا لا يعني غياب الخطر. المسيرة التي تسقط اليوم من دون قتلى قد تكون غداً أكثر دقة، وقد تصيب منزلاً أو مدرسة أو سوقاً أو مؤسسة مدنية. ولهذا فإن التعامل مع مثل هذه الهجمات بعد وقوع الكارثة ليس سياسة، بل الوقاية والتحقيق والردع هي السياسة الصحيحة. ان أربيل التي استطاعت خلال السنوات الماضية أن تتحول إلى مركز سياسي واقتصادي وأمني مهم في العراق، تستحق أن تعيش في بيئة مستقرة وآمنة. وأمنها ليس مصلحة كوردية فقط؛ بل مصلحة عراقية وإقليمية ودولية، لأن استقرار إقليم كوردستان يمثل جزءاً مهماً من استقرار العراق. ومن الخطأ أن يعتقد أي طرف أن الضغط العسكري يمكن أن يفرض إرادته على شعب أو حكومة أو قيادة سياسية. التاريخ السياسي للعراق وإقليم كوردستان أثبت أن لغة التهديد لا تصنع الاستقرار، وأن القوة عندما تُستخدم خارج إطار الدولة والقانون لا تنتج إلا مزيداً من الأزمات. وفي هذه اللحظة الحساسة، يحتاج العراق إلى موقف موحد: لا للاعتداء على الأراضي العراقية، لا لاستخدام العراق ساحة للصراعات الخارجية، ولا لتجاوز سيادة الدولة العراقية. كما يحتاج العراق إلى خطاب سياسي هادئ ومسؤول، بعيد عن التحريض والتخوين، لأن المطلوب ليس فتح جبهة جديدة، وإنما حماية البلاد من اتساع دائرة الصراع. ان استهداف مكتب مسرور بارزاني يجب أن يكون جرس إنذار لبغداد وأربيل معاً. فالخلافات
الداخلية يمكن حلها بالحوار، والخلافات السياسية يمكن معالجتها داخل المؤسسات الدستورية، والمصالح المختلفة يمكن تنظيمها عبر القانون، أما المسيّرات والصواريخ فلا يمكن أن تكون وسيلة لبناء مستقبل العراق. وفي النهاية، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن يسمعها الجميع هي: اربيل ليست ساحة مفتوحة، وكوردستان ليست خارج العراق، والعراق ليس أرضاً مستباحة لصراعات الآخرين. ان حماية سيادة العراق تبدأ من حماية كل شبر من أرضه، وحماية مؤسساته، واحترام دستوره، ومنع أي جهة، داخلية كانت أم خارجية، من تحويل مدنه إلى أهداف عسكرية. واذا كان الاعتداء الأخير قد أراد إيصال رسالة بالقوة، فإن الرد الأقوى يجب أن يكون رسالة دولة: العراق يحترم جيرانه، لكنه يحترم سيادته أولاً، ويحمي شعبه ومؤسساته، ولا يقبل أن يكون ساحة لحروب الآخرين.

635 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع