ما نعرفه عن "معسكر أشرف" الذي قُتل فيه ٥ إيرانيين بالقصف على العراق

العربي الجديد:أعادت الضربات الأميركية السعودية على "معسكر أشرف" في محافظة ديالى العراقية، قرب الحدود مع إيران، تسليط الضوء على الموقع الضخم بوصفه شاهداً على مسار التحول الهائل في النفوذ داخل العراق خلال العقدين الأخيرين، خصوصا بعد الإعلان عن مقتل خمسة عسكريين إيرانيين في المكان.

المعسكر الذي شيده العراق عام 1986، ليكون مقراً رئيسياً لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية المناهضة للنظام الإيراني، بعد قبول الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين استقبال زعيمها مسعود رجوي والمئات من أفراد المعارضة الإيرانية للعمل في العراق، يقع على بعد 35 كيلومتراً شمال مدينة بعقوبة، العاصمة المحلية لمحافظة ديالى، شرقي بغداد، على مساحة ضخمة تُقدر بأكثر من 36 كيلومتراً. وشكل الموقع مركز سكن وتدريب ضخماً، يضم منازل ووحدات سكنية عمودية وقاعات وخدمات ومرافق مختلفة، بما فيها مركز تسوق ومطاعم، لأعضاء المنظمة آنذاك، التي سُمح لها لاحقا لها بالعمل العسكري ضد إيران انطلاقا من الأراضي العراقية إبان حكم صدام حسين.

واليوم تختصر قصة "معسكر أشرف" تحول النفوذ داخل العراق خلال أربعة عقود من قاعدة لمقاتلين إيرانيين يحاربون النظام الإيراني، إلى موقع رئيسي في العراق لتدريب وتسليح الفصائل الحليفة لإيران تحت إشراف ضباط الحرس الثوري الإيراني.

وارتفع عدد القتلى الإيرانيين الذين قضوا داخل المعسكر إلى خمسة أشخاص، جميعهم ضباط في قوات الحرس الثوري الإيراني، جراء ضربة أصابت مبنيين، ونتجت عنها انفجارات ثانوية لذخائر استمرت عدة ساعات، وفقا لمسؤول عسكري عراقي رفيع تحدث لـ"العربي الجديد".

وتنسب تسمية "معسكر أشرف" إلى أشرف رجوي، القيادية في منظمة مجاهدي خلق، وزوجة مسعود رجوي الأولى، التي قُتلت خلال مواجهة مع الأمن الإيراني في طهران عام 1982، لكن لاحقا تم تغيير اسمه ليصبح "معسكر أبو منتظر المحمداوي"، وهو قيادي بارز في منظمة "بدر"، التي تأسست في إيران ويتزعمها هادي العامري، وقُتل عام 2016 بهجوم انتحاري لتنظيم "داعش" قرب صلاح الدين، شمالي العراق. والمحمداوي كان أحد الكوادر المتقدمة في إيران ضمن المجلس الأعلى بزعامة محمد باقر الحكيم آنذاك.

وقال المصدر ذاته إن المعسكر وبسبب ضخامة مساحته، يحوي مخازن ومستودعات لطائرات مسيرة ثابتة الجناح بعضها من طراز شاهد 101 الشائعة لدى الفصائل في العراق، كاشفا عن وجود أربعة جرحى إيرانيين آخرين جراء الهجوم نقلوا إلى أحد المستشفيات، أحدهم إصابته بليغة. ووفقا لوسائل إعلام إيرانية، فإن القتلى الإيرانيين الذين قضوا في القصف الجوي الذي نفذته مقاتلات سعودية وأميركية نقلوا إلى إيران وينتمون إلى قوات الحرس الثوري.

وتفيد معلومات حصل عليها "العربي الجديد" عبر ضابط في قيادة عمليات ديالى العسكرية، بأن المعسكر يخضع لسلطة كاملة لمنظمة "بدر"، ولا يمكن لقوات الجيش أو الشرطة دخوله مثل باقي المعسكرات والمواقع، وهو ما يجعل موجوداته ونوعية السلاح والأنشطة الموجودة فيه مخفية عن الحكومة ومعتم عليها تماما.

استدارة التاريخ 180 درجة
خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تعرض المعسكر إلى قصف أميركي مكثف، قبل التوصل لاتفاق بين القوات الأميركية وأعضاء منظمة مجاهدي خلق بعد أيام من سقوط بغداد، يقضي بتسليم المنظمة سلاحها بالكامل بما فيه الخفيف والمتوسط، وحظر أي أنشطة لها خارج المعسكر، وتدوين أسماء الموجودين بالمعسكر، والبالغ عددهم أكثر من 3400 عنصر من أفراد المنظمة وأسرهم، مقابل وضع المعسكر والساكنين فيه تحت الحماية الأميركية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، وأطلق عليه لاحقا اسم (FOB Grizzly)، وتعني قاعدة غريزلي للعمليات المتقدمة.

في العام 2009 ومع بدء التحضيرات الأميركية لمغادرة العراق، سلمت الولايات المتحدة المعسكر إلى حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، والذي بدوره أعلن في العام نفسه أن منظمة "مجاهدي خلق" تشكل تهديدا أمنيا على العراق، ويجب إخراجها.

توالت عمليات اقتحام قوات خاصة مرتبطة بمكتب المالكي للمعسكر، كان أعنفها في نهاية عام 2009 وعام 2011، أسفرت عن مقتل وإصابة ما لا يقل عن 300 من أعضاء المنظمة، التي اتهمت القوات المقتحمة باستعمال الرصاص الحي والقنابل لتفريق المحتجين من أعضاء المنظمة على اقتحام المعسكر.

في العام 2012، نجح المالكي في إقناع بعثة الأمم المتحدة بنقل أفراد المنظمة إلى موقع آخر قرب بغداد، يقع بجوار المطار الدولي، غربي العاصمة، وبإخلاء المعسكر. وقبل تنفيذ الاتفاق هاجمت قوة عراقية حكومية معسكر أشرف مرة أخرى، واستعملت الرصاص الحي، ما أدى إلى مقتل 52 عنصرا من المنظمة، وفقدان آخرين. وطالبت الأمم المتحدة بالتحقيق، لكن حكومة المالكي لم تقدم أي تفسيرات للهجوم الذي كان دافعا لتسريع نقل أعضاء المنظمة إلى معسكر آخر أطلق عليه اسم "ليبرتي" يقع غرب بغداد.

ولاحقا، بدأت عملية نقل تدريجية برعاية الأمم المتحدة لأعضاء المنظمة إلى دول أوروبية مختلفة، أبرزها ألبانيا، لتطوى صفحة وجودهم بالكامل من العراق عام 2016.

وفي العام 2015 تحول المكان إلى موقع متقدم للفصائل المسلحة، ومن بينها منظمة بدر، وكتائب حزب الله، وأصبح مقرا لتدريب الفصائل المنخرطة في الحرب ضد تنظيم "داعش"، لوجود منشآت عسكرية جاهزة ومحصنة وواسعة، وثكنات وساحات تدريب وملاجئ تحت الأرض وطرق داخلية، بعيدا عن التجمعات السكانية، إلى جانب قربه من الحدود الإيرانية، حيث كان السلاح وأفراد الحرس الثوري المساندين للفصائل المسلحة يصلون بسهولة إليه.

وبشكل تدريجي تحول المعسكر إلى أحد معاقل الفصائل الموالية لإيران، وخضع لإدارة مستقلة عن الحكومات العراقية المتعاقبة. وفي العام 2021 ظهرت أول طائرتين مسيرتين من طراز شاهد 1 ومهاجر 6 الإيرانيتين في استعراض نُظم في المعسكر بمناسبة ذكرى تأسيس "الحشد الشعبي". ويخضع الموقع فعليا لسيطرة كل من منظمة بدر وكتائب حزب الله، وأخيرا منظمة سيد الشهداء، التي بات لها حضور ضمن مهام تدريب وتعزيز قدراتها في مجال الطائرات المسيرة.

وتعرض الموقع لضربات جوية متعددة في مراحل مختلفة، بينها ضربة في يوليو/تموز 2019 نُسبت على نطاق واسع إلى إسرائيل، ضمن سلسلة ضربات استهدفت مخازن أسلحة تابعة لفصائل عراقية، ثم لضربة عام 2020 عقب التصعيد الأمني بين واشنطن والفصائل إثر اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، والقيادي في الحشد أبو مهدي المهندس.

واعتبر الخبير بالشأن السياسي والأمني العراقي أحمد الحمداني أن المعسكر أحد أهم مراكز النفوذ الإيراني والفصائلي في العراق، وقال لـ"العربي الجديد" إن "الاتهامات السابقة بشأن أنشطة المعسكر، ومنها استخدامه محطة ضمن طريق نقل السلاح والمعدات القادمة من إيران باتجاه العراق ثم سورية ولبنان، واقعية"، مضيفا أن "قصة المعسكر تختصر تحولاً سياسياً وأمنياً واجتماعياً كاملاً في العراق، من دولة ند لإيران، إلى دولة المساحات الخلفية المساندة لها بعد الغزو الأميركي للعراق".

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

533 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع