أطباء العراق العاطلون يعملون بوظائف هامشية!!

العربي الجديد:يضطر آلاف الأطباء الجدد في العراق للعمل لدى شركات توصيل الطعام، ومهن أخرى لا تناسب تخصصهم لتأمين دخل يومي، في حين تكشف المؤشرات الرسمية اتساع الفجوة بين أعداد خريجي الكليات الطبية وفرص التعيين المتاحة، مع تحميل سياسات التوسّع في التعليم الأهلي المسؤولية عن الأزمة.

وبحسب القوانين العراقية لا يحقّ للمتخرجين الجدد من كليات الطب فتح عيادات خاصة إلّا بعد خدمة لسنوات عدة في المستشفيات الحكومية، بينما لم توفر الحكومات المتعاقبة فرص تعيين لهم بسبب الطاقة الاستيعابية، الأمر الذي جعل الآلاف منهم يعانون البطالة.
وأعاد مجلس الخدمة العامة أخيراً تسليط الضوء على الأزمة، عندما كشف أرقاماً وصفها مختصون بـ"الصادمة"، مبيناً أن نحو 10 آلاف طبيب من الخريجين الجدد عاطلون، وأن 98 ألف طبيب أسنان وصيدلي ما زالوا من دون تعيينات، كما أن 92 ألف خريج من الكوادر الطبية غير معيّنين.
وفي محاولة لاحتواء توسع الأزمة، وجهت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بإيقاف استحداث كليات طب في الجامعات الأهلية، مؤكدة أن القرار يأتي لإعادة تقييم مسار التعليم الأهلي، وترصين العلمية التعليمية.
ويرى مختصون أن قرار الوزارة، رغم أهميته، جاء متأخراً، بعد أن أدى التوسع في الكليات الأهلية إلى تخريج أعداد تفوق قدرة مؤسسات الدولة على الاستيعاب، خصوصاً في الاختصاصات الطبية التي تتطلب تعييناً حكومياً أو فرص تدريب منظّم، بينما يخشى آخرون أن يكون القرار مؤقتاً، أو ألّا يُطبّق.
ويحمّل أكاديميون ونقابيون المسؤولية لسياسات القبول التي سمحت بفتح كليات وأقسام طبية جديدة في الكليات الأهلية، مع تخفيض معدلات القبول فيها، وعدم وضع سقوف واضحة لأعداد الطلبة، الأمر الذي حول التعليم الطبي إلى سوق هدفها تحقيق الأرباح أكثر من اعتمادها على المعايير العلمية واحتياجات القطاع الصحي.
لكن الوجه الأكثر قتامة يظهر في حياة آلاف الأطباء الذين اضطروا إلى تغيير مسارهم المهني، وبدأوا بممارسة أعمال بسيطة لكسب قوت يومهم بسبب عدم استيعابهم في المؤسسات الصحية. من بين هؤلاء الطبيب الشاب عبد الله أحمد، وهو متخرج قبل عامين، وقد اضطر إلى العمل في إحدى شركات توصيل الطلبات داخل العاصمة بغداد، بعد أن استنفد كل محاولات الحصول على فرصة عمل في اختصاصه.
يقول أحمد لـ"العربي الجديد": "أنفقت عائلتي مبالغ كبيرة طوال سنوات الدراسة، وكنّا نعتقد أن التخرج من كلية الطب يعني وظيفة مستقرة، لكنّني اليوم أقضي ساعات طويلة على الدراجة النارية لتأمين إيجار المنزل ومصاريفي اليومية، إذ لم يعد لدي خيار آخر".

بدورها، اضطرت الطبيبة الشابة داليا حسن، إلى العمل بالتدريس في المعاهد الأهلية، وتقول لـ"العربي الجديد": "أدرس مادة الأحياء لطلاب المرحلة الثانوية بمعهد أهلي بعد أن فقدت الأمل في التعيين الحكومي".
ويؤكد أكاديميون أن المشكلة لا تتعلق بالخريجين، بل بغياب التخطيط. يقول الأستاذ في كلية الطب، سامي العزي، إن "فتح عشرات الكليات الطبية من دون دراسة لحاجة السوق خلق فائضاً من الخريجين، بينما بقيت التعيينات الحكومية محدودة للغاية". ويضيف لـ"العربي الجديد": "الكثير من الأطباء الشباب اتجهوا إلى العمل في المطاعم ومحال بيع المواد الغذائية، أو في شركات التوصيل، فيما اضطر آخرون إلى ترك المهنة مؤقتاً والبحث عن أي وظيفة توفر لهم دخلاً يومياً، في حين بقي كثيرون بلا مصدر رزق".
من جانبه، يقول عضو نقابة الأطباء العراقيين، علاء العبيدي، إنّ أزمة بطالة الأطباء الشبان لم تعد قضية تشغيل فحسب، بل أصبحت تهدد مستقبل المهنة وجودة الخدمات الصحية. ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "السياسات التعليمية خلال السنوات الماضية لم تراعِ الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الصحية، والتوسع في الكليات الأهلية جرى بوتيرة أسرع بكثير من قدرة الدولة على توفير فرص التدريب والتعيين. ينبغي العمل على مراجعة شاملة لسياسات القبول بالكليات، وربط أعداد الطلبة بحاجة السوق الفعلية، إلى جانب دعم القطاع الصحي الخاص لاستيعاب مزيد من الخريجين".

وتتقاطع هذه التطورات مع ما حذرت منه نقابة الأطباء العراقيين في فترات سابقة، من أن الزيادة المتواصلة في أعداد الكليات والأقسام الطبية ستؤدي إلى تخريج آلاف الأطباء سنوياً من دون وجود خطة وطنية لاستيعابهم، وهو ما بدأت آثاره تظهر بوضوح في سوق العمل.
وشهدت الفترات الأخيرة تظاهرات واعتصامات نظمها خريجو المهن الطبية والصحية في بغداد وعدد من المحافظات للمطالبة بحقهم في التعيين. وتضع هذه الأزمة الحكومة أمام معادلة معقدة، بين الحاجة إلى ضبط الإنفاق العام من جهة، وضمان عدم انهيار الثقة بالمسار التعليمي والمهني للشباب من جهة أخرى، بينما يرى مراقبون أن أيّ حل مرحلي عبر التعيينات الاستثنائية لن يكون كافياً ما لم يترافق مع إصلاح هيكلي في سياسات الترخيص ومعايير القبول، وإشراك القطاع الخاص بانتظام في استيعاب الخريجين، إضافة الى تطوير البنى التحتية الصحية بما يواكب الزيادة السكانية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1086 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع