الفرق بين الطموح والطمع والقناعة حين يكون الطموح دافعًا للنجاح، والقناعة توازنًا للحياة

 سعد عبد المجيد ابراهيم

الفرق بين الطموح والطمع والقناعة حين يكون الطموح دافعًا للنجاح، والقناعة توازنًا للحياة

لم أعد كما كنت سابقًا كثير الحركة والتواصل مع المجتمع، ولا ألتقي بأناس جدد كما كنت أفعل. وهذا من بركات العمر والتقاعد. ومع ذلك، تتاح لي أحيانًا فرص للقاء أشخاص لم ألتقِ بهم من قبل، وأجد في كل لقاء جديد فرصة للتعلّم، وأعتبر أن التعرف إلى إنسان لم يسبق لي أن التقيته مكسبٌ كبير.

ذات مرة التقيت شخصًا وسيمًا وأنيقًا، يبدو من مظهره وحديثه أنه يمتلك قدرًا من المعرفة والثقافة. وبعد حديث قصير معه، اكتشفت أنه لا يملك طموحًا يُذكر، وكان يصف حالته بأنها قناعة، ويحمد الله ويشكره على ما أعطاه. وربما كان يرى أنه لا يحتاج إلى مزيد من السعي والتعب، وإن عرفت لاحقًا أنه، رغم أناقته، «الرجل على گد حاله».

وفي المقابل، أعرف نموذجًا آخر لديه من الطموح المشروع ما يفوق المعتاد؛ يعمل ليل نهار من أجل تحقيق النجاح الذي ينشده لنفسه ولعائلته. وهنا تأملت في هذا التناقض بين الناس، وفي المسافة التي تفصل القناعة عن الخمول، والطموح عن الطمع والمبالغة فيه.

ولست هنا أقارن بين شخصين بعينهما، وإنما بين مفاهيم قد تختلط علينا؛ فالقناعة ليست استسلامًا للواقع، والطموح ليس أن يتحول الإنسان إلى أسير للعمل والانشغال، فينسى عائلته وحياته الخاصة. فكما أن الخمول قد يقود إلى الفقر والتراجع، فإن الطموح حين يتجاوز حدّه قد يسلب الإنسان راحته وحياته، ويجعله يركض وراء النجاح حتى يفقد متعة ما حققه.

في زحام الحياة، تختلط المفاهيم؛ فيتشابك الطموح بالطمع، وتلتبس القناعة بالخمول. لكن الفرق بينها يكمن في نظرتنا إلى ما نريد، وطريقة سعينا إليه، وقدرتنا على التوقف عند الحد الذي يحفظ لنا توازننا ورضانا.

الطموح هو رغبة واعية في تحقيق الأفضل، ودافع يدفع الإنسان إلى تطوير نفسه وتجاوز واقعه بالعمل والمثابرة واستثمار قدراته. ويقوم الطموح الحقيقي على امتلاك هدف واضح والسعي إليه بجدية وإصرار. وهو ليس مجرد رغبة في التفوق على الآخرين.

لكن الطموح، مثل أي قوة، يحتاج إلى حدود. فحين يتجاوز الحد المعقول، ويتحول الهدف إلى هاجس، قد ينقلب من دافع للنجاح إلى سبب للفشل. فالإنسان الذي يحمّل نفسه أكثر مما تحتمل، أو يطارد أهدافًا تفوق قدراته ووقته وإمكاناته، قد يستنزف صحته وطاقته، ويخسر في الطريق ما لا يعوضه نجاح مادي أو مهني. وليس كل طموح كبير طموحًا ناجحًا؛ فقد يكون الطموح المفرط أقرب إلى الوهم منه إلى الإنجاز.

ومن هنا ينبغي التمييز بين الطموح والطمع. فالطموح يسعى إلى الأفضل من خلال العمل والاستحقاق، أما الطمع فيدفع صاحبه إلى المزيد دون اكتفاء، وقد يجعله مستعدًا لتجاوز الحدود أو حقوق الآخرين من أجل الحصول على ما يريد. الشخص الطموح يريد أن يحقق المزيد، بينما يريد الطمّاع المزيد مهما كان الثمن.

أما القناعة، فلا تعني أن يتخلى الإنسان عن طموحه أو يستسلم لواقعه، وإنما تعني أن يرضى بما تحقق بعد بذل جهده، وأن يعرف قيمة ما يملك دون أن يعيش أسيرًا لما ينقصه. فالقناعة تمنح الإنسان راحة الحاضر، بينما يمنحه الطموح دافعًا لبناء المستقبل.

ولهذا، فالقناعة والطموح ليسا متناقضين، بل متكاملان. الطموح ينظر إلى الغد، والقناعة تحمي الحاضر. يمكن للإنسان أن يطمح إلى وظيفة أفضل، أو علم أوسع، أو مشروع أكبر، وفي الوقت نفسه يكون راضيًا عن حياته وما حققه حتى الآن. فالقناعة لا توقف السعي، لكنها تمنع السعي من ان يتحول إلى قلق دائم.

والطموح الواعي والمتوازن هو الذي يضع أهدافًا تتناسب مع القدرات والإمكانات، ويعرف متى يواصل ومتى يراجع حساباته، ويوازن بين العمل والراحة، وبين النجاح المهني، والصحة، والأسرة، والعلاقات. ولا يمكن اعتبار وصول الانسان الى القمة نجاحا اذا اكتشف أنه خسر في الطريق صحته أو أسرته أو راحته.

لذلك، فإن الحكمة ليست في أن يكون الإنسان طموحًا فقط، ولا في أن يكون قنوعًا فقط، وإنما في أن يعرف كيف يطمح، والى ماذا يطمح، وإلى أي حد يطمح، ومتى يكتفي. فالقناعة تضبط الطموح، والطموح يحرّك الإنسان نحو مستقبل أفضل، أما الطمع فيفسد كليهما حين يجعل «المزيد» غاية لا تنتهي.

وينعكس الطموح العقلاني على الأسرة والمجتمع؛ فكل طبيب، أو معلم، أو مهندس، أو باحث، أو مبدع بدأ بطموح، ثم حوّل طموحه إلى عمل نافع. وهكذا تتراكم الطموحات الفردية لتصنع تقدم المجتمعات.

الطموح هو أن تسعى إلى الأفضل، والقناعة أن تقدر ما لديك، والطمع عندما لا تكتفي بما لديك. وبين هذه الثلاثة تتحدد علاقتنا بالنجاح والحياة؛ فخير الطموح ما دفعنا إلى الأمام دون أن يفقدنا أنفسنا، وخير القناعة ما منحنا الرضا دون أن يحرمنا من التقدم.

وختامًا، كما قال الإمام الشافعي:

بِقَدرِ الكَدِّ تُكتَسَبُ المَعالي ...... ومَن طَلَبَ العُلا سَهِرَ اللَيالي

ومَن رَامَ العُلا مِن غَيرِ كَدٍّ ... أَضاعَ العُمرَ في طَلَبِ المُحالِ

فليكن طموحنا مقرونًا بالجد، وقناعتنا مقرونة بالرضا، ولنحذر من طمع يضيع العمر في مستحيل. اعاذنا الله واياكم من الطمع، ووقانا شر الحرمان.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

648 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع