عندما يصبح الزمن عدوا للنظام الايراني

سعاد عزيز

عندما يصبح الزمن عدوا للنظام الايراني

لم يعد النظام الإيراني يملك ترف الانتظار. فالزمن الذي استخدمه طوال عقود كسلاح للمماطلة والمراوغة وامتصاص الأزمات، بدأ يتحول إلى سلاح في الاتجاه المعاكس. وما كان طهران تراهن عليه باعتباره قدرة على الصمود إلى أن تتغير الظروف الدولية، بات اليوم أشبه بحبل يضيق حول عنقها: اقتصاد ينهار، شارع يغلي، ضغط دولي وإقليمي يتصاعد، ومقاومة منظمة تتحرك على الأرض.

إنها معادلة مختلفة عما عرفه النظام في أزماته السابقة. فطهران لا تواجه اليوم ضغطا واحدا يمكن احتواؤه بالمناورة، وإنما ضغوطا متزامنة تتقاطع في نقطة واحدة: إضعاف قدرة النظام على شراء الوقت.
وتأتي العقوبات الأميركية الجديدة لتضيف طبقة أخرى إلى هذا الخناق. فقد وسعت واشنطن نطاق الضغط على الاقتصاد الإيراني واستهدفت شبكات وكيانات مرتبطة بالتجارة والتمويل والطاقة، فيما تستمر الضغوط المرتبطة بأزمة مضيق هرمز والحرب وتداعياتها الإقليمية. وبذلك لم يعد الاقتصاد الإيراني يواجه أزمة داخلية فحسب، بل يعمل في بيئة دولية وإقليمية شديدة العدائية.
لكن السؤال الأخطر بالنسبة إلى طهران ليس كم ستخسر من الأموال، بل من سيدفع فاتورة الخسارة؟
الجواب واضح: المواطن الإيراني.
فحين تتراجع العملة، وترتفع الأسعار، وتتآكل القدرة الشرائية، وتتفاقم أزمات الوقود والمياه والكهرباء والخدمات، لا تعود الأزمة الاقتصادية مجرد أرقام في تقارير المؤسسات المالية. إنها تتحول إلى غضب يومي، وإلى شعور متزايد بأن النظام يطلب من المجتمع دفع ثمن سياساته الداخلية والخارجية معا.
ومن هنا تأتي قنبلة البنزين.
فالسلطات تدرك أن رفع سعر الوقود ليس قرارا اقتصاديا عاديا. فقد أظهرت تجربة نوفمبر 2019 أن البنزين قادر على تحويل السخط المتراكم إلى انتفاضة واسعة. واليوم، مع ظهور طوابير طويلة أمام محطات الوقود ونقص الإمدادات، تبدو الحكومة عالقة بين حاجتها إلى إصلاح منظومة الدعم وخوفها من إشعال الشارع.
لكن الجديد أن الشارع لم يعد وحده.
فبالتزامن مع أزمة الوقود وتصاعد الغضب الاجتماعي، أعلنت وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق، عن تنفيذ عشرات العمليات في مدن إيرانية مختلفة، بينها حملة قالت إنها شملت ستين عملية ضد مراكز وأهداف مرتبطة بأجهزة القمع والدعاية التابعة للنظام. وهذه الأرقام، تكشف على الأقل عن محاولة واضحة لإبقاء العمل المنظم داخل البلاد حاضرا في قلب المشهد.
وهنا تظهر نقطة التحول.
فالنظام لم يعد يواجه احتجاجا عفويا يمكن تفريقه بالقوة ثم العودة إلى الحياة الطبيعية. إنه يواجه، نشاطا منظما يسعى إلى استثمار الأزمات الاقتصادية وتحويلها إلى تحد سياسي وأمني مستمر.
كلما اشتد الحصار احتاج النظام إلى المال؛ وكلما احتاج إلى المال اضطر إلى تحميل المجتمع كلفة أكبر؛ وكلما ارتفعت الكلفة اتسعت دائرة الغضب؛ وكلما اتسعت دائرة الغضب احتاج النظام إلى مزيد من القمع؛ وكلما توسع القمع، اتسعت مساحة المقاومة.
هذه هي الحلقة التي بدأت تخنق النظام.
والأخطر بالنسبة إلى طهران أن الضغوط لم تعد منفصلة: الخارج يضغط بالعقوبات، والإقليم يفرض أثمانا أمنية وسياسية متزايدة، والاقتصاد ينهك الداخل، فيما تتحرك المقاومة على الأرض، ويظل الشارع مستعدا للانفجار عند أول شرارة.
إنها، بكل المقاييس، سابقة شديدة الخطورة بالنسبة للنظام: ضغط دولي وإقليمي وشعبي متزامن، يتغذى كل واحد منه على الآخر.
ولهذا فإن معركة البنزين ليست معركة على سعر لتر الوقود. إنها معركة على قدرة النظام على التحكم في اتجاه الأزمة.
فإذا رفع السعر، خاطر بإشعال الشارع. وإذا تراجع، ازداد عجزه المالي. وإذا شدد القمع، وسع قاعدة الغاضبين. وإذا ركز على الخارج، ترك الداخل أكثر هشاشة.
لم يعد أمام النظام خيار مريح.
لقد راهن طويلا على أن الزمن يعمل لصالحه. أما اليوم، فقد يكون الزمن نفسه هو العدو الأخطر: كل يوم يمر لا يشتري له فرصة جديدة، بل يراكم أزمة جديدة.
وعندما تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع الغضب الشعبي، والضغط الدولي والإقليمي مع تصاعد عمليات المقاومة، فإن السؤال لم يعد: هل يستطيع النظام شراء المزيد من الوقت؟
بل: كم بقي له من الوقت قبل أن يتحول تراكم الأزمات إلى انفجار سياسي لا يستطيع إخماده؟

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

648 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع