
الدكتور مليح صالح شكر/ نيويورك
إبراهيم صالح شكر في عنه - تأريخ الإدارة الحكومية في العراق
كانت الإجراءات الرسمية الحكومية في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين تعتمد مبدأ أن يتولى القائمقام الأقدم مهام متصرف اللواء في حالة شغور المنصب بإجازة المتصرف الاصيل او غيابه او بانتظار متصرف جديد بعد نقل المتصرف.
كان ابراهيم صالح شكر قائمقام قضاء الفلوجة لفترة ثلاث سنوات 1937 - 1939 هو القائمقام الاقدم في لواء الدليم وكان ناجحا في إدارة القضاء، وحظي بدعم الملك غازي.
في يوم ما في تلك الايام اسندت للوالد مهام متصرف اللواء بالوكالة ويسمى وكيل المتصرف.
#####
حملتنا الاقدار نحن ابناء ابراهيم صالح شكر إلى قضاء عنه حينما اقتضت الضرورة ان تذهب جدتنا مع بناتها خالاتي المعلمات في عنه ، وطبعاً إصطحبتنا معها وهي الله يرحمها كانت المعيل لنا ونحن اطفال.
وفي عام 1960 كنا في الدراسة المتوسطة بثانوية عنه غربي المدينة وفي اوقات نهاية الدوام المدرسي ننطلق بدراجاتنا الهوائية الى الجامع الكبير في محلة الحوش لنسلم على الإمام الحاج شريف الذي يجلس على كرسي خيزران وسط الساحة في مقدمة المسجد ونستمع لارشاداته.
يجلس الحاج شريف وخلفه مدخل المسجد وفي الجانب الايسر من المدخل حب الماء.
والحب بكسر الحاء وسكون الباء هو إناء فخاري كبير فوهته المفتوحة في الأعلى لحفظ الماء وفيه حنفية ويغطي بغطاء خشبي لحماية الماء من عبث الحشرات والطيور، وتنشر الشبكة العنكبوتية صور كثيرة له.
وفي احدى المرات سألني الحاج شريف عن أهلي وقلت له إسمي الكامل وفوجئ ثم قال أنه يعرف إبراهيم صالح شكر عندما جاء الى عنه بصفته متصرف لواء الدليم لتفقد الأعمال الحكومية وأشترك مع عدد من وجهاء المدينة في الذهاب الي السراي للترحيب به والسلام عليه.

الحاج شريف
وأضاف الحاج شريف ان الوالد قضى يومين في عنه وقضى ليلته في ديوان فازع في محلة حكون على مقربة من السراي.
وللحاج شريف عدة أبناء وبنات من زواجين وهم عزيز وحكيم وحمدي وعبد الرحيم، وآسيا وحمدية وبهيجة ووجيهة. وكان الدكتور حكيم هو الطبيب الوحيد في مستوصف عنه لعدة سنوات .
ويبدو ان الوالد كان يعرف أحدٍ أبناء الحاج شريف قبل عدة سنوات من زيارته الى عنه وتعرفه على الحاج شريف.، ففي عام 1931 إنضم المحامي الشاب عزيز شريف الى هيئة الدفاع عن ابراهيم صالح شكر في الدعوى القضائية التي رفعها وزير الداخلية في حكومة نوري السعيد الاولى، مزاحم الأمين الباجه جي واتهمته بالقذف في المقال الذي كتبه الوالد ( حفنة تراب على قبر الباجه جي مزاحم الامين) في 10 تشرين الاول 1931 ، وكانت هيئة الدفاع تضم 53 محامياً يتقدمهم المحامي علي محمود الشيخ علي ، وضمت أيضاً المحامين إسماعيل الغانم ورافائيل بطي وتوفيق الفكيكي وسعد صالح
وللحاج شريف جزيرة غير ماهولة وسط الفرات مقابل محلة حگون تغطيها أشجار برية غير مثمرة وتزرع ببعض الخضراوات في الموسم الصيفي. وتنبت في أرضها نباتات صغيرة لها جذور عقد سوداء يستخدمها النساء مع العلك والرجال بالقضم تحت الضرس لتطييب رائحة الفم.
ويسمون هذه النبتة السعد بكسر حرفي السين والعين وسكون الدال!
########
وفازع العاني هو أحد وجهاء محلة حگون يسكن في بيت مبني على ضفة النهر مباشرةً ولديه ديوان يستضيف فيه الضيوف والغرباء المارين بالمدينة.
ولفازع ثلاثة ابناء هم كامل وتحسين وبدري، وكان تحسين من جيلي نراجع دروسنا ونلعب سوية، وقد التقيت بوالده فازع وسألته عن ما سمعته من الحاج شريف ، فأكد أبا كامل لي صحتها وأخذني الى الديوان قأئلا ان الوالد نام على فراشالدكة اليمني ونام الشرطي السائق على فراش الدكة اليسرى. وخصص مأمور مركز الشرطة شرطيا امام باب الديوان لحراسة سيارة الحكومة من عبث أطفال المحلة.. وكانت صينية الاكل تأتي من البيت مغطاة بقطعة قماش لحمايته من الحشرات
والديوان هو غرفة كبيرة عالية السقف مستطيلة الشكل لها باب واحد هو المدخل وباب داخلي يؤدي الى المرافق الصحية والمغسلة من ماء برميل فيه حنفية مع صابونة وبشكير!
وقد ألتقيت ضابط الشرطة كامل فازع في أحد الايام من عام 1964 التي أحتجت فيها لمساعدته. فقد ذهبت آلى مأمور شرطة السراي ببغداد ورحب بي وأجلسني الى جانب مكتبه وطلب لي شايا!
وعرضت على كامل فازع مشكلتي مع شرطي أمن سري لا يكف عن إزعاجي في العيواضية حتى أنني انتقلت الى بيت خالاتي في نفس المنطقة لكي ابتعد عن ازعاجه.
وفعلأ تدخل ضابط الشرطة كامل فازع ولاحظت ابتعاد ذلك الشرطي عن منطقة عمله وتمكنت من العودة الى البيت.
وتجمع فازع وجيرانه مجيد الجاسم علاقة صداقة وثيقة وكانا يتسامران سوية في الديوان مع جيرانهم الأخر المعلم محمد صادق العيسى دون إن تراهم في القهوة بالسراي.
وكان فازع ومجيد الجاسم يقضيان نهارهم في رعاية مزارعهم والبستانين بينما كنت ارى محمد صادق العيسى يعتني بمزارعه في أوقات الجمعة العطلة الاسبوعية ،
####
وللعانيين ميزة فريدة في التعامل مع الضيوف والغرباء الذين يمرون بالمدينة ، فهي تخلو من الفنادق او الخانات التي يأوي إليها المسافر ولذلك فهم يستضيفون الضيوف والغرباء في دواوينهم وينامون ويأكلون دون مقابل مادي ، وهذه ميزة كرم عانية بآمتياز
وبيت فازع على ضفة النهر مباشرةً وهو جزئين ، الأيمن لمعيشة العائلة والجزءالايسر للضيوف ويرتبط الجزئين بسقف مقوس ( عگادة) دون خشب وحديد لحمل السقف
وكانت طريقة بناء البيت على ضفة النهر من الصخور والكلس وهي الطريقة آلتي بنيت بعد كل بيوت عنه على الشاطي وجدران النواعير والسواقي داخل مياه النهر وكذلك بني الجامع الكبير في محلة الحوش الي مر ذكره في الحديث عن الحاج شريف
########
ولما غادر ورثة فازع الى بغداد والمدن الاخرى للالتحاق بوظائفهم أستأجر البيت منهم أحد العانيين وكان من أصدقائي الأعزاء عطا الله عباس عيسى المعروف بكنية عطاوي
ولم تكن الايجارات مرتفعة وتراوحت انذال بين اربعة وسنة دنانير وعطاوي كان معلماً يستطيع تدبير هذا المبلغ فسكن بيت فازع بعد زواجه ولم يكن قد أنجب إبنه الاول ،
جئت عنه ذات يوم لإنجاز معاملة نفوس لاحد أولادي ولما أتممت المعاملة مبكرا رحت أسأل عن عطاوي وقال لي أحد الاشخاص انه في نادي المعلمين ، وهو مبنى جديد بني مع محلات اخرى في يمين شارع السراي.
دخلت النادي ورأيت عطاوي يلعب الدومنة مع اصدقائه فلما رأني قفز من كرسيه مرحبا بي فعرفني على اصدقاءه المعلمين ،وأكلنا الكباب في النادي وشربنا اللبن الشنينة والشاي ثم اقترح ان أقضي القيلولة عنده في الديوان حتى تنخفض حرارة الشمس ، وهو ما حصل.
وعطاوي رجل مثير للإعجاب فهو مصاب منذ الولادة بعرج دائم في قدمه اليمنى حتى ان ساقه اليمنى هي أقصر من الساق اليسرى!
بل كان يركض ويسوق سيارته بمهارة بالرغم من انه يجب ان يستخدم قدمه اليمنى للضغط على دواستي البنزين والبريك ، وكان يسافر الى بغداد شهريًا للتسوق من الشورجة سلع لدكانه الذي الذي أفتتحه في زاوية من بيته في عنه الجديده
ولعطاوي اخوة منهم طعمة ونعمة ورفيق ولطيفة.
وانتقل عطاوي الى رحمة الله بوباء كورونا هو وصديق عاني اخر نادر أحمد حقي، وصديق ثالث في بغداد هو الدكتور سمير خيري الساقي الذي كآن قبل الاحتلال رءيسا لتحرير مجلة كل العرب الباريسية التي كان العراق يمولها ويصدرها إسبوعيا.
#####
ومجيد الجاسم هو والد الضابط بهجت والمصرفي صفوت.
وبينما نرى بهجت وتحسين فازع ورياض محمد العيسى أقراني في المدرسة الابتدائية وهم في الصورة المنشورة مع هذا المقال لطلبة الصف الاول للمدرسة الابتدائية المركزية عام 1948 وفيها أطهر أنا مليح صالح شكر اول الجالسين من يمين الصورة ثم خالد هليل وبهجت مجيد الجاسم ومؤيد غيدان ومن الواقفين فاروق البندر ومولود ومكي.يعقوب وتحسين ورياض وفوزي، وآحد ابناء بيت القدسي ربما هو مرتضى القدسي ابن عم ضابط الشرطة مأمون القدسي ، ومعذرة لمن لا اتذكر إسمه مع ان صورته لاتزال ماثلة بوضوح في ذهني.

الصف الاول الابتدائي في مدرسة عنه المركزية عام 1948
والأستاذ خالص معلم الرياضة وهوالذي التقط الصورة ووزعها مجانًا على الجميع. قد إنتقل فيما بعد الى الفلوجة .
وكنت قد إستخدمت في القيلولة دكة الجانب الايمن بالضبط في المكان حيث نام فيه الوالد قبل اثنان وأربعين عاما، وقد رويت القصة للصديق عطاوي وترحمنا على الاموات.
وشربنا الشاي العصر في الديوان وذهبنا الى بيته المطل على ضفة النهر وكانت سيارتي مركونه في ساحة صغيرة امام البيت وودعته عائداً الى بغداد.

668 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع