
أحمد العبداللّه
هشام النورسي و(رحلة العذاب) في بلاد الفرس المجوس
في مقال سابق نوّهت إنه لي عودة لكتاب هشام النورسي؛(رحلتى من جبال كردستان إلى سجون العراق وإيران)*, والتي استمرت عدّة أشهر في أقفاص الأسرى العراقيين في طهران, والتي يصفها بـ(عاصمة الشعوذة والدجل). ويستحضر النورسي المثل القائل؛(إن لم تتألم, لن تتعلم), وهو يروي محطات من تلك الرحلة الأليمة, ولا يكتفي بسرد الأحداث التي مرّ بها, بل يغور في عمق الشخصية الفارسية بالتحليل والمقارنة. وهنا تكمن أهمية الكتاب.
ويحلّل النورسي الشخصية الفارسية بشكل دقيق, فيقول؛ إن الفرس بمجملهم يعيشون درجة عالية من مرض انفصام الشخصية المركب, ما بين ولائهم لقوميتهم الفارسية وبين تظاهرهم بالولاء للدين الإسلامي, الذي أدخلوا عليه الضلالات والبدع بما ينسجم مع نفوسهم المريضة. وإن الملالي اعتمدوا على مجاميع ربّوها من أبناء المتعة الذين يجهلون آباءهم, وجعلوا منهم يدهم الضاربة على رؤوس الإيرانيين المعارضين, فينتقمون من المجتمع الذي نبذهم. وهؤلاء بعد أن أصبحوا من(عليّة القوم)وتبوّأوا مناصب رفيعة في الحكومة والحرس الثوري, صاروا يحقدون على كل من لديه جاه وحسب ونسب من أشراف المجتمع.
ويذكر هشام النورسي؛ كنت خلال التحقيق أكلّم المحقق الفارسي بالكردية وبثقة عالية وعيني بعينه, وهو غير مستحبّ أو مقبول من الفرس, فهم يأمرون من يكلمهم أن يطأطئ رأسه لهم, وهو أمر لم أفعله قط مع أي فارسي. وقد كان أحد الأسئلة خلال التحقيق معي؛ هل أنت مسلم أم سُنّي؟. وعندما أجبت؛ أني مسلم, ضحك العميل الدعوجي التافه مستهزئًا, والذي كان يتولى الترجمة, وقال: ألم تفهم إن السؤال معناه؛ هل أنت شيعي أم سُني؟, فأجبت؛ أنا الاثنان معا.. فقالوا: يبدو إنك لم تقرأ التاريخ الإسلامي جيدا, فكونك مسلم, يعني إنك من أتباع آل البيت, وكونك سُنّي فذلك يعني إنك من أتباع(صنمي قريش). ثم فسّروا له إن المقصود بـ(صنمي قريش)؛أبو بكر وعمر(رضي الله عنهما)!!.
ويرصد هشام النورسي جانبا من معاناة الأسرى العراقيين الوطنيين في أقفاص الأسر, فيقول: كان الإيرانيون يمنعون الأسرى من الاستحمام, كي يتفشى بينهم مرض الجرب المؤذي وحشرة القمل المزعجة. ويقومون أحيانا بإضافة كمية عالية من الملح للطعام بقصد خبيث كي لا نهنأ به. وكان الحراس يتلذّذون بإهانة الأسرى وإذلالهم خلال توزيع الطعام.. وأحيانا يقومون بسكب قدر الطعام على الأرض ويطلبون من الأسرى تنظيف الأرضية.. وكان رئيس الحرس المدعو(إيرج)يمارس خباثاته وألاعيبه خلال توزيع مرق الفاصوليا, فيعطي مجموعة مرقا دون حبوب والأخرى حبوبا دون مرق!!.
وفي مفارقة قلما تحدث بزمن الحرب بين بلدين, فقد تسنّى للنورسي بعد عودته للعراق أن يزور أقفاص الأسرى الإيرانيين برفقة إبن خالته الذي كان ضابطا مسؤولا عن احد تلك الأقفاص بالقرب من مدينة تكريت. ويصف مشاعره في تلك اللحظات, فيقول؛ خلال الطريق من بغداد إلى تكريت, كنت أفكر بالحال الذي سأجد عليه الأسرى الإيرانيين, وقد رسمت لهم في ذهني صورة في غاية الإذلال, إن لم تكن أسوا من الحال الذي كان فيه أسرانا في إيران.
ويستمر النورسي؛ لكن عندما وصلت اكتشفت إن وضعهم كان مختلفا تماما عن كل التوقعات التي تخيلتها مع نفسي عن حالهم, فقد وجدتهم يسكنون قاعات كبيرة ونظيفة, هي كانت بالأصل قاعات منام للجنود العراقيين الذين تحركت وحداتهم لجبهات القتال. وكانت تحيط بتلك القاعات المفتوحة أبوابها ليل نهار مساحة شاسعة من الأرض المفتوحة تصلح لأن تكون ملعبا لكرة القدم. وكان معسكرهم محاطا بثلاثة خطوط من الأسلاك الشائكة المحكمة الحماية.
ويضيف؛ عند دخولي لقاعاتهم ومقارنتي بين أحوال الأسرى في الجانبين خلصت لنتيجة مفادها؛إنه لا مجال للمقارنة بينهم وبين أسرانا الذين كانوا يتحسرون على ضوء الشمس وهم قابعين في زنازينهم المظلمة الرطبة الضيقة تحت حراب الحراس الإيرانيين. وباعتقادي إنه لو قُدّر لهم أن يكونوا محتجزين في سجون بلدهم لما كانوا سيحظون بمثل تلك الخدمات المتنوعة التي اطلعت عليها شخصيا. مع يقيني أن أي أسير في العالم وبغض النظر عن ظروف احتجازه يبقى ذليلا ويشعر بالحنين للوطن, فذلك شعور فطري لكل من رضع من ثدي أمه حليبا طاهرا.
في مقالات قادمة, إن شاء الله, سأتناول محطات أخرى من رحلة هشام النورسي, والتي أسماها(رحلة العذاب).
....................................................
* صدّام حسين؛(حصانة البعثي بقدر حصانة عمر بن الخطاب)!!..
https://www.algardenia.com/maqalat/72151-2026-06-21-20-13-27.html

824 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع