سِفر الحروب - الجزء الاول

جابر رسول الجابري

سِفر الحروب - الجزء الاول

مقالة فلسفية سياسية بقلم الكاتب السياسي

المقدمة :

لم تكن الحرب العالمية الاولى هي اول حرب في عالم و تاريخ الانسانية بل سبقتها حروب كثيرة حدثت حتى قبل نشوء الممالك والإمبراطوريات عبر سفر وجود البشرية ، فهناك حروب ما قبل التاريخ وحروب ما بعده ،

لقد تم وصف الحرب العالمية الاولى عام ١٩١٤ م بالحرب العظمى (لكثرة الضحايا والدمار والخراب الذي حصل نتيجة الصراع بين الدول المتنازعة والمتسابقة على بسط النفوذ الاستعماري وحلفائها )

لكن ما أن حدثت حرب دولية اخرى لنفس الأسباب و الغاية وبين نفس الدول والتحالفات عام 1939م تم وصف الحرب العظمى بالأولى والجديدة بالثانية ،

الحروب ليست مجرد أحداث آنية تندلع فجأة ولا هي وليدة لحظة غضب عابرة بل تقف خلفها أسباب ويسبق حدوثها مسارات وخطط قد تطول تلك المسارات أو تقصر أو احيانا تنحرف فيؤدي المسار إلى السلام أو قد يعجل باشعال فتيل الحرب،

الموضوع :

١- دوافع وأسباب نشوء الحروب :

هل الحروب الدولية وسيلة لتحقيق غاية وتطلعات شعبية ؟

أم هي وسيلة لتحقيق غاية سياسية لتنفيذ رؤية الحاكم ؟

طبعا لم يذكر التاريخ ان شعباً أجبر حاكمه على غزو دولة اخرى او أجبر حاكمه ليشن حربا دولية مدمرة ،لكن مقابل ذلك وجدنا أن الكثير من الحكام اجبروا شعوبهم على خوض مغامراتهم و حروبهم وغزواتهم ( مثال على ذلك مغامرات هتلر في غزواته وحروبه , وأيضا مغامرات حكومات أمريكا في غزو فيتنام و كمبودية و أفغانستان وغزوهم للعراق وتدميره وتفكيك مؤسساته، أيضا مثال آخر ليس عنا ببعيد إلا وهي مغامرة صدام لغزو و احتلال الكويت بالرغم من تبنيه الفكر القومي ،كل تلك الحروب كانت وفق رؤية الحاكم ورؤية الطبقة السياسية الساندة له حيث لم يتم استشارة الشعب (بالقبول أو الرفض) لسبب بسيط جدا لأن الشعب حتما سيرفض الحرب و يميل إلى السلام لأن الشعب هو من سيتحمل تبعات الحرب وهو الذي سيدفع ثمنها أرواحاً ومالًا عند الخسارة أو الفوز ،

إذاً هل يمكن إعتبار الحروب هي إجراء لإزالة السبب ؟

فهل ذلك الإجراء سيحدث بسبب إيعاز فكري

مثلاً بسبب إصطدام تناقض فكري أو إختلاف في الرؤى أو الثقافة أو السياسة كما حدثت

مثلاً في صراعات الفكر الشيوعي السوفيتي الذي كان بطمح الى تغيير أنظمة حكم الدول في العالم الى أنظمة شيوعية مشابهة لحكمه فاصطدم بنظيره الفكر الرأسمالي الغربي الذي كان هو الآخر طامح أيضاً الى تغيير أنظمة الحكم في دول العالم إلى أنظمة رأسمالية ديمقراطية،

أم أن ذلك الإجراء حدث بسبب إيعاز خارجي ناتج عن الانتماء لعقيدة قومية او دينية تدفع بالإنسان إلى التطوع بالمشاركة بالحرب دفاعا عن وجود تلك العقيدة التي هو متبنيها كما حدث في الحرب العراقية الإيرانية عندما أراد نظام ولاية الفقيه الثوري ان يصدر طائفية ثورته الدينية لدول الجوار فارتطم أولاً بنظام ثوري آخر يتبنى عقيدة قومية في العراق ،

٢- تطور الحروب :

منذ الأزل دأب الإنسان على تطوير السلاح وكأنه خُلق لكي يُقاتل ويسفك الدماء ،

فبدأ باستخدام الحجر كسلاح (قصة رمية حجر قابيل في قتل أخيه هابيل )،

ثم راح لاستخدام عصا مربوط برأسها حجر مدبب (الرمح ) ، ثم اكتشف الحديد وصناعته فبدأ باستخدام السيوف والخناجر كسلاح هجومي قاتل و ابتكر الدروع والخوذ والتروس كسلاح دفاعي ،

ثم انطلقت قريحته في التفنن بصنع السلاح عندما اكتشف البارود فصنع البنادق والمدافع ثم اتجه لصناعة الطائرات والصواريخ ثم القنابل النووية المدمرة للحياة ،

لم يتوقف الإنسان عند هذا الحد في تطوير الأسلحة بل اكتشف ان سلاح الطائرة المسيّرة فعال اكثر ورخيص من الطائرات الحربية والصواريخ والقنابل ،

لكن المسيرة لم تتوقف فبعد استخدام الإنسان البرامجيات لادارة وتوجيه الأسلحه اكتشف ان الحرب السبرانية خير سلاح دفاعي تخريبي وهجومي مضاد ،

اما في حاضرة الزمان ابتدع السلاح الذي راحت تخافه الدول العظمى اكثر من امتلاك و وجود السلاح النووي ألا و هو الذكاء الاصطناعي الذي يروم الانسان إستخدامه في ادارة وتوجيه حروبه و أسلحته المستقبلية ،

من خلال دراسة مسيرة تطور الأسلحة نستنتج ان الانسان راح يطور العلم لاجل الحروب و القتل والدمار بدلا من صب جهوده لتطوير الحياة ونشر العدل و السلام .

٣- تغير أهداف الحروب:

بدأت الحروب بقتل ودحر الخصم المنافس ثم اكتفى بنهب ممتلكات الخصم

ثم راح يحتل الارض وإتجه إلى استعباد الشعوب الضعيفة و من ثم راح إلى صنع مستعمرات وتم نقل العبيد والأسرى ليعملوا في خدمة الحاكم القوي وطبقته السياسية ،

بعد تطور الحياة والعلم وانتشاره أهمل الإعتماد على السلاح في حسم المعركة وإتجه إلى السيطرة على الاقتصاد والطاقة بدلا تكديس العبيد والمستعمرات ، أول قرار اتخذه هو السيطرة والتحكم بالتكنولوجيا وصناعة الاجهزة (مثل تطويع البيجرات واكتساب المعلومات عبر اجهزة الموبايل ومن ثم تم صنع مهنة الإعلام وإبتكار مواقع التواصل الاجتماعي كوسائل استقدام المعلومات والتجسس و الغش و الخداع لاختراق صفوف العدو و معداته).

٤- الحرب الحديثة:

لم يكتفي الإنسان بما لديه من الأسلحة بل راح يُدير حروبه بالعقول أكثر من استخدامه للبنادق والمدافع فأصبحت العقوبات الاقتصادية وسيلة حصار ناجعة لقدرة العدو و اكثر فعالية من الهجوم بالصواريخ بهدف تركيع العدو ،

كذلك ولا ننسى الهجمات الإلكترونية وكما ذكرنا سابقا حروب الإعلام التي هي أشد تأثيراً من الجيوش لاستنزاف العدو ( اول تجربة حدثت في التاريخ لتدمير اقتصاد العدو ما حدث لمملكة بابل ثم ما جرى للعراق في تسعينات القرن الماضي فبات العراق العرمرم خاويا على عروشه وتحول سلاحه إلى مجرد خردة ،

اليوم نحن نعيش الحرب الأمريكية الإيرانية وعلى نفس النهج و الأسلوب حصار وهدم الإقتصاد حتى اللحظة التي فيها ستخور قوى الثور الإيراني فينبطح ارضا عند ذلك يبدأ النحر و سلخ الجلد وأكل كبده.

الخاتمة :

هل الحرب قدرٌ ملازم للبشرية كما لزم الشيطان طريق الانسانية ،

أم أنها نتيجة لفشل الإنسان في نهج سلوك الحق والعدالة ،

العجيب أن الحضارة البشرية كلما تطورت وتقدمت أصبحت وسائل الحرب أكثر فتكاً و تطوراً لكن بقيت نفس دوافعها الأساسية كما هي:

الخوف / الطمع

والغيرة و الحسد والحقد و السعي لبسط النفوذ،

قد تم تطبيع الطبيعة و الحياة و الحروب ولكن بقي الإنسان على طبيعته الأزلية،

وأخيرا يمكن ان نلخص أسفار الحروب البشرية وفق أهدافها وغاياتها :

* سفر البقاء :

حين كان الإنسان يقاتل من اجل أن يعيش.

* سفر الممالك و الإمبراطوريات :

حين أصبحت الأرض والثروة غاية الحروب.

*سفر العقائد :

عندما تحولت الأفكار إلى ساحات قتال بدلاً من السلام والأمان الذي تدعو اليه العقيدة ،

* سفر الصناعة :

حين صنعت الثورة الصناعية أسلحة غيرت الحروب و موازين القوى.

* سفر التكنولوجيا :

حين أصبحت المعلومة سلاحاً لا تقل خطورتها عن خطورة الصاروخ وتأثير القنبلة النووية.

* سفر المستقبل :

عندما سيقوم الذكاء الاصطناعي بتقييم قرار الحرب وإدارته والإشراف على المعارك وحسم نتائجها من قبل أن تبدأ بل و حتى قبل ان تخطر على بال الانسان أن يخطط لخوضها ،

فهل ستؤدي الحروب المستقبلية إلى كتابة خاتمة سفر الإنسان على الكرة الأرضية .

المملكة المتحدة

الحادي عشر من آب عام 2026

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

882 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع