
عقدان على رحيل روائي المدينة
العرب/القاهرة – بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، لا يبدو حضور صاحب نوبل في الأدب العربي محصوراً في ذكرى سنوية أو مناسبة احتفالية؛ فالرجل الذي جعل من القاهرة شخصية روائية كاملة، وحوّل أزقتها ومقاهيها وبيوتها وشخصياتها اليومية إلى مادة للأدب، ما يزال حاضراً في أسئلة الرواية العربية وفي الذاكرة الثقافية المصرية.
وفي هذا السياق، أطلق صندوق التنمية الثقافية التابع لوزارة الثقافة المصرية «عام نجيب محفوظ»، بالتزامن مع مرور عقدين على رحيل الأديب الذي حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1988، ببرنامج يمتد على مدار العام ويضم أنشطة وفعاليات في متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ بتكية محمد أبو الدهب الأثرية في منطقة الدرب الأحمر، إلى جانب المراكز الأخرى التابعة للصندوق، وبالشراكة مع مؤسسات ثقافية وتعليمية.
احتفاء بنجيب محفوظ
ويأتي اختيار متحف نجيب محفوظ فضاءً رئيسياً للاحتفاء بالكاتب دالاً في حد ذاته؛ فالمكان يقع في قلب القاهرة التاريخية التي ظلت حاضرة في أعمال محفوظ، لا بوصفها خلفية جغرافية للأحداث، وإنما باعتبارها عالماً تتقاطع فيه الطبقات الاجتماعية والذاكرة الشعبية والتحولات السياسية وأسئلة الإنسان اليومية.
وقال رئيس صندوق التنمية الثقافية حمدي السطوحي، خلال مؤتمر صحفي، إن برنامج «عام نجيب محفوظ» يتوزع على أربعة محاور رئيسية، تبدأ بالأنشطة الشهرية التي تتضمن ندوات وجلسات قراءة وورشاً إبداعية في فنون السرد والكتابة والسينما والعمارة.
أما محور الأنشطة الموسمية فيشمل تنظيم الموسم الثاني من «موسم نجيب محفوظ للقراءة»، فيما يتضمن محور الافتتاحات والشراكات إطلاق «جماعة أصدقاء متحف نجيب محفوظ» في أكتوبر المقبل. ويضم محور المعارض التوثيقية معرضاً للكاريكاتير بعنوان «نجيب محفوظ في عيون العالم»، وآخر بعنوان «وثائق نوبل» يعرض خطابات وبرقيات ووثائق مرتبطة بحصول الأديب المصري على الجائزة عام 1988.
ولا تكتسب هذه الفعاليات أهميتها من استعادة سيرة محفوظ فحسب، بل من كونها تتيح قراءة جديدة لمشروعه الأدبي من زوايا متعددة. فمحفوظ لم يكن مجرد روائي غزير الإنتاج، وإنما صاحب مشروع امتد عبر عقود، انتقل فيه من الرواية التاريخية إلى الواقعية الاجتماعية، ثم إلى تجارب سردية أكثر تكثيفاً ورمزية، وظل في مختلف مراحله مشغولاً بالإنسان المصري وتحولاته وأسئلته الوجودية.
وعقب المؤتمر الصحفي، افتتح معرض «نجيب محفوظ من محاولة الاغتيال حتى الرحيل.. قراءة في الصحف المصرية»، الذي أعده وأشرف عليه الكاتب الصحفي طارق الطاهر. ويضم المعرض مجموعة من المطبوعات الصحفية المصرية التي تابعت ووثقت الحالة الصحية لمحفوظ منذ تعرضه لمحاولة اغتيال في أكتوبر 1994 حتى وفاته في أغسطس 2006.
وتحمل الصحافة هنا قيمة تتجاوز التوثيق الزمني؛ إذ تكشف هذه المواد كيف تحول الكاتب، في حياته وبعد رحيله، إلى جزء من الذاكرة العامة للمصريين، وكيف رافقت الصحافة مراحل مرضه ومحاولة اغتياله ورحيله، وسجلت في الوقت نفسه علاقة الجمهور بأديب لم يعد شأنه أدبياً خالصاً، بل أصبح أحد رموز الثقافة المصرية الحديثة.
الرواية ذاكرة للمدينة
ومن متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ امتدت فعاليات إحياء الذكرى العشرين لرحيله إلى ساحة الأوبرا، حيث أقام ملتقى الهناجر الثقافي أمسية بعنوان «نجيب محفوظ.. ذاكرة الوطن التي لا تغيب»، بمشاركة الأديب يوسف القعيد، والناقد السينمائي طارق الشناوي، والفنان التشكيلي أحمد الجنايني، وأستاذ الأدب والنقد بجامعة القاهرة حسين حمودة، والناقد المسرحي أسامة أبو طالب.
وتكتسب شهادة يوسف القعيد أهمية خاصة بحكم علاقته بمحفوظ ومرافقته له لسنوات، وحضوره جلساته الأدبية. وقال إن نجيب محفوظ كان «صاحب مشروع متكامل»، معتبراً إياه مؤسس الرواية العربية الحديثة وأحد كبار أساتذتها وروادها، ومؤكداً أن قيمة تجربته لا تختزل في حصوله على نوبل، حتى وإن كانت الجائزة اعترافاً عالمياً مستحقاً بمكانته.
ووصف القعيد محفوظ بأنه كان إنساناً بسيطاً وودوداً، مؤكداً أنه لم يسمعه يقول كلمة «أكره»، وأنه كان يحب الحياة بكل ما فيها.
ولعل هذا الجانب الإنساني أحد مفاتيح قراءة عالم محفوظ؛ إذ استطاع أن يمنح الشخصيات العادية، التي قد تبدو هامشية في الحياة اليومية، حضوراً روائياً عميقاً. فالبواب والموظف والفتاة الحالمة والشيخ والتاجر والطالب والموظف الصغير، جميعهم وجدوا مكاناً في عالمه، وتحولت حياتهم اليومية إلى مرآة تكشف تحولات المجتمع المصري وصراعاته وأحلامه.
ومن هنا تبدو القاهرة في أعمال محفوظ أكثر من مدينة؛ إنها فضاء سردي وذاكرة اجتماعية. في الحارة والبيت والمقهى والشارع، تتجاور السياسة والدين والحب والفقر والطموح والخوف، ويتحول المكان إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها.
ولذلك ظل محفوظ قادراً على تجاوز زمنه. فالرواية التي كتبها عن القاهرة في عقود القرن العشرين لا تزال تجد طريقها إلى أجيال جديدة من القراء، لأن ما يهم فيها ليس تفاصيل اللحظة وحدها، وإنما الأسئلة الإنسانية التي تتجاوزها: السلطة، الحرية، العدالة، الحب، الإيمان، الموت، والبحث عن معنى للحياة.
وفي إطار إحياء الذكرى العشرين لرحيله، نظمت الهيئة المصرية العامة للكتاب يوماً ثقافياً للاحتفاء بالأديب الراحل في مكتبة مدينة الشروق شرق القاهرة، فيما يستضيف المجلس الأعلى للثقافة مؤتمراً بعنوان «نجيب محفوظ.. عشرون عاماً على رحيل الأستاذ».
وبين المعارض والندوات وجلسات القراءة والوثائق، تبدو الذكرى مناسبة لإعادة اكتشاف محفوظ لا باعتباره اسماً محفوظاً في تاريخ الأدب العربي فحسب، وإنما ككاتب ما تزال رواياته قادرة على إنتاج أسئلة جديدة. فبعد عشرين عاماً من غيابه، لم تغلق القاهرة صفحة روائيها الكبير؛ بل تواصل قراءة نفسها في مرآة أعماله.

1082 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع