الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - قصة قصيرة (شمس و قمر) الجزء الثاني

قصة قصيرة (شمس و قمر) الجزء الثاني

                                         

                      بقلم أحمد فخري

رابط الجزء الأول:

https://algardenia.com/maqalat/39740-2019-04-15-09-19-03.html


قصة قصيرة شمس وقمر الجزء الثاني

باليوم التالي استيقظ قمر مبكراً ونظر حوله فوجد نفسه بغرفة العناية المركزة. سحب احدى الخيوط الحمراء بجانب سريره فجائته الممرضة وهي تبتسم قائلة،

- صباح الخير يا حضرة العميد.
- صباح الخير سيدتي، ولكني لست عميداً، انا ملازم وحسب.
- انا لا افهم برتبكم العسكرية بالجيش.
- انا لست بالجيش انا بالشرطة.
- لقد حيرتني معك يا حلو. ارجوك لا تتكلم. اريد ان اقيس ضغطك.
- تفضلي.
مد لها يده فقاست ضغطه وقالت له،
- السيستولس 122 والدياستولس 78.
- وهل هذا خطير؟
- كلا يا حلو، هذا يعني ان ضغطك طبيعي وبامكانك ان تتزوجني. هاهاها، نبضك جيد وباقي المقاييس كلها جيدة وحرارتك جيدة ونتيجة فحص الدم ايضاً لا تشير الى وجود اي التهابات. سيأمر الطبيب بنقلك الى غرفة خاصة فيما بعد.
- هل استطيع ان اتمشى قليلاً الآن؟
- كلا يا حلو. انتضر حتى ننقلك الى غرفتك.
خرجت الممرضة وبقي قمر بالعناية المركزة.
في مكان آخر بالمشفى نفسه دخلت ممرضة الى غرفة الغسيل وقالت لاورفيليا،
- ساوقف الجهاز بعد قليل. كيف تشعرين؟
- اشعر باني تحسنت كثيراً.
- لقد جن جنون والدك عليك وهو قلق يا ابنتي.
- هل بامكاني ان اراه الآن؟
- بعد ان نوقف لك جهاز الدياليسز تماماً.
بعد ربع ساعة جائت نفس الممرضة واغلقت جهاز الدياليسز ثم اطلقت صراح اورفيليا. خرجت اورفيليا على الفور كي تبحث عن والدها فلم تجده لذلك قررت ان تهبط بالمصعد الى الردهة الرئيسية بالمستشفى وتبحث عنه هناك. انفتح باب المصعد الفارغ فدخلت به وقبل ان يغلق بابه دفع احد العاملين سريراً يرقد به قمر الى المصعد. ثم انغلق الباب. بدأ المصعد بالهبوط. نظرت اورفيليا الى قمر الراقد امامها فالتفت هو ايضاً ونظر اليها فالتقت عيناهما. ابتسمت بوجهه وقالت لنفسها، "وجه هذا الرجل جميل جداً. اكاد اعرفه. وكأنني شفته سابقاً، ولكن اين؟"
وقف المصعد باحدى الطوابق فخرج العامل بسرير قمر وانغلق الباب حيث واصل المصعد بالهبوط اخذاً معه اورفيليا. وعندما وصلت الى الطابق الارضي انفتح باب المصعد فرأت والدها يقف امام المصعد. فتح ذراعيه نحوها واخذها بالاحضان وهو يقول،
- اورفيليا حبيبتي، انت بخير؟ لقد جننت عليك يا وردتي الجميلة.
- انا اسفة يا ابتي. اسفة جداً.
- لماذا يا نور عين ابوك؟ لماذا كل هذا الاسف؟
- لقد خربت عليك الاستمتاع بالاركيسترا التي كنت تتوق لسماعها.
- طز وستين طز بالاوركيسترا. سلامتك عندي بالدنيا كلها يا نور عيني. طمنيني يا حبيبتي هل اكملتي غسل الكلية.
- اجل يا ابي قاموا بتثبيت الانابيب بيدي ثم بتركيب الديليسز عليها اليوم. يجب علي ان احضر للمستشفى بعد غد كذلك.
- بامكاني ان اشتري لك جهازاً نضعه بالبيت واستأجر لك ممرضات خاصات يأتون لاعطائك الدياليسز.
- ولماذا كل هذا العناء يا ابي. انا ساحضر للمستشفى مع العم وليم السائق. سيكون تغييراً ممتعاً بالنسبة لي.
- لكن المسألة قد تطول حتى نجد لك متبرع.
- هذا لا يهم يا ابتي. انا قابلة بمصيري. وسوف لن يؤثر ذلك على دروسي بالجامعة. لاني ساجلب معي الكتب واطالع اثناء عملية الغسيل.
رجعت اورفيليا الى غرفتها بالمستشفى وغيرت ملابسها ثم خرجت مع والدها متوجهين الى البيت.
بقي قمر في غرفة خاصة وتوالت عليه اكاليل الزهور والهدايا من كل حدب وصوب وفي اليوم التالي زار العماد سركيس الجمّيل الملازم قمر وقال له،
- كيف حالك يا بطل الابطال؟
- انا بخير سيدي.
- لقد رفعت رأسنا وحميت ضيفنا ونحن مدانون لك بالكثير يا ولدي.
- سيدي انا لم افعل سوى واجبي.
- انت خاطرت بحياتك وقمت بعمل بطولي انقذت فيه المسؤول الفرنسي وحاصرت المتطرفين وكنت السبب في القضاء عليهم. لقد امر السيد وزير الداخلية بترفيعك الى ملازم اول. ستكون اصغر ملازم اول بتاريخ الشرطة اللبنانية.
- هل هذا صحيح؟ انا جداً سعيد بذلك الخبر سيدي.
بهذه الاثناء دخلت سيدة قروية الى الغرفة. نظر اليها العماد سركيس باستغراب وسأل قمر،
- من هذه السيدة؟ اهي والدتك؟
- انها بمقام والدتي سيدي فهي التي ربتني. اسمها ام صادق.
- انا جداً سعيد بلقائك يا ام صادق. انت ربيت بطلاً من الطراز الاول.
- انه ابني حبيبي وهو كل شيء عندي بهذه الدنيا. كدت اصاب بالجنون عنما سمعت انه مصاب بطلق ناري.
- لا، لا اطمأني سيدتي (عمر الشقي بقي). ابنك اقوى من ان تؤذيه طلقة. لقد ترفع اليوم من ملازم الى ملازم اول.
لم تتمالك ام صادق نفسها فصارت تزغرد باعلى صوتها.
- مهلاً يا امي، نحن في مستشفى. ارجوكِ توقفي عن الزغردة.
- دعني افرح بك يا ولدي فانا لم افرح بك مثل هذا اليوم.
بقي العماد سركيس فترة نصف ساعة اخرى وتناول كل المأكولات والحلويات التي غصبته عليها ام صادق ثم غادر المستشفى، وبعده بساعة غادرت ام صادق عائدة الى القرية بعد ان اكد لها قمر انه بخير وليس هناك داعي لبقائها الى جانبه.
بعد يومين دخلت اورفيليا المصعد كي تتوجه الى قسم امراض وغسيل الكلى بالطابق السابع بالمستشفى فالتقت بقمر وجهاً لوجه هذه المرة. قال لها،
- السلام عليكم.
- هــــــــاي، اتعرفني؟
- اجل اعرفك جيداً. الست ابنة المليونير سامر؟
- ربما تقصد سامي، وكيف عرفت ذلك؟
- لقد تحدثنا سوية. انا وانت.
- انا لا اصدقك. انت تكذب. انا لم احدثك من قبل ابداً.
- بل انت التي نسيت.
- ومتى التقينا اذاً؟
- اتذكرين قبل بضعة ايام عندما اوقفت سيارتكم مفرزة شرطة؟
- اجل، اجل اتذكر ذلك الآن. انا اعتذر.
- لماذا تعتذرين؟
- لاني نعتك بالكذب.
- هذا لا يهم... قمر
- ماذا؟
- قمر
- ماذا به؟ عن اي قمر تتحدث؟
- انا اسمي قمر
- آه انا اسفة مرة اخرى. وانا اسمي اورفيليا.
- اورفيليا انه اسم جميل. لكنه ليس اسماً عربياً صحيح؟
- انه اسم يوناني ويعني المساعدة. وهناك وردة سميت بالاورفيليا. ابي هو الذي اطلق علي هذا الاسم.
- وماذا عن امك يا اورفيليا؟
- انها متوفاة وانتَ، ماذا تعمل هنا؟
- اتعالج اثر رصاصة دخلت كتفي من ارهابي.
- وهل قمت بقتله؟
- اجل، بالطبع. تعالي زوريني عندما يكون لديك الوقت فانا في غرفة 10 بالطابق الـ 12.
- حسناً سازورك هناك اليوم بعد ان اكمل علاجي.
بقي قمر ينتظر بغرفته لاكثر من ساعة ونصف وهو ينتظر لكن اورفيليا لم تأتي لزيارته. فشك ان يكون ذلك الموعد غير صحيحاً وانها لم تكن تنوي زيارته لذا قرر ان ينسى الموضوع ويهبط الى الطابق الارضي كي يتناول فنجاناً من القهوة العربية في مقهى المستشفى.
دخلت اورفيليا المصعد وصعد بها الى الطابق 12 وهي تنوي زيارة قمر والتعرف عليه بعد ان انهت علاجها، انفتح باب المصعد وخرجت منه ثم صارت تتتبع ارقام الغرف فعثرت على الغرفة رقم 10. طرقت الباب ودخلت ثم قامت بالنظر حولها فوجدتها ملئى بالورود وعلى كل اكليل كتبت فيه بطاقات تهنئة على سلامته وكلمات التشجيع والثناء على شجاعته وبطولته في مقارعة الارهاب. علمت وقتها انه كان يقول الحقيقة وانه لم يكن يبالغ بما قاله. وبما انه غير موجود في الغرفة لذا قررت ان تعود الى بيتها. دخلت المصعد ثانية ونزلت الى الطابق الارضي. وعندما انفتح باب المصعد في الطابق الارضي دخلت رائحة البن الى انفها فاهتزت مشاعرها وقالت، "دعني اشرب فنجان قهوة قبل ان اعود الى البيت"
حالما دخلت المقهى وجدت قمر جالساً يتناول القهوة وحده فقالت له،
- تدعوني كي ازورك بالغرفة، وتجلس هنا لتناول القهوة وحدك؟
- انتضرتك لاكثر من ساعة ولم تأتي فقلت عوضي على الله، لقد اعطتني زمبا. دعني اشرب فنجان قهوة كي اغسل احزاني.
ضحك الاثنين معاً وجلست اورفيليا على الطاولة فسألها قمر،
- قهوة طبعاً؟
- لا شمبانيا.
- شمبانيا؟
- انا امزح معك يا قمر، قهوة عربية طبعاً.
- حسناً كيف تحبينها.
- بدون سكر لو سمحت.
- انا كذلك احبها بدون سكر. ساحضرها وارجع فوراً. انتظريني هنا، لا تهربي
- انا بانتظارك.
- مليت.
- واو، انت لست مقاتل مجروح فحسب. انت تحب ام كلثوم!
- انا لا احب ام كلثوم، بل اعشقها. استمع لها بكل احاسيسي واتلذذ بكلمات اغانيها. وعندما اسمعها كل مرة وكأني اسمعها للمرة الاولى.
- احضر لي قهوتي ثم حدثني عن الطرب فيما بعد.
ضحك قمر لتلميحاتها وذكائها وسرعة بديهيتها ثم ذهب كي يحضر لها القهوة. بعد دقائق رجع الى الطاولة التي تجلس فيها اورفيليا فوجدها تتحدث مع رجل مسن. وحالما وضع فنجان القهوة قالت له،
- يا قمر دعني اعرفك على العم وليم. هو عمي وحبيبي ويسوق سيارتي ويعتني بي ويحميني من كل سوء.
- تشرفت بمعرفتك يا عم وليم.
- وانا كذلك يا سيد قمر.
نظر وليم الى اورفيليا وقال لها،
- سانتظرك بالمكان المعهود يا اورفا.
- حسناً يا عمي.
رجع وليم الى سيارته وهو يضرب اخماساً باسداس. يا ترى من هو هذا الشاب المسمى قمر؟ ان فيه شبه كبير من اورفيليا. هل يمكن ان يكون؟... لا مستحيل... وهل هناك شخص واحد بكل لبنان اسمه قمر؟ ربما هناك آلآف او مئات الآلاف ممن يسمون اولادهم قمر. ولكن... لو كان هو قمر بعينه فهذا يعني انه اخاها. انه اخو اورفيليا. انا اعرف القصة كاملة. فقد ذهبت الى تلك القرية اللعينة بذلك اليوم المشؤوم عندما ماتت امهما قبل 20 عاماً. ولو كان هو الطفل قمر، فما هي تلك الصدفة العجيبة التي جمعتهما سوية بنفس الوقت وبنفس المستشفى؟ يجب ان اخبر السيد سامي بالامر، ربما سيزعل لو علم بشأن قمر من غيري. وما الضرر في ذلك؟ انها تتحدث معه وحسب. وهل هناك ضير بان تتحدث مع اخاها؟
وبينما هو جالس في السيارة لمح ام صادق وهي تدخل المستشفى. هنا علم بدون اي شك ان قمر هو اخو اورفيليا. بعد مرور نصف ساعة جائت اورفيليا وركبت السيارة ثم قالت،
- آسفة يا عمي وليم. لقد تأخرت عليك حبيبي.
- كلا يا ابنتي انا جالس هنا اسمع لوديع الصافي وقد سحرتني اغنية الله يرضى عليك يا ابني.
- اجل، اجل انت تحبها كثيراً. لقد اسمعتني اياها اكثر من مليون مرة. هاهاهاها
- من اين تعرفتي على هذا الشاب؟
- آه، أتقصد قمر؟ انه شاب لطيف جداً وهو ضابط بالشرطة، لقد اصيب بطلق ناري اثناء مجابهته للارهابيين. تخيل هو الذي اوقفنا بمفرزته عندما كنا ذاهبون الى بيروت ميوزك هول. اليست تلك صدفة عجيبة ان القاه هنا بنفس المستشفى؟
- اجل، اجل، صدفة عجيبة.
وقال بسره "صدفة عجيبة حقاً، يلتقي الاخ باخته بعد 20 عاماً ، إذا كان هو اخاها وهي اخته! ربما لا يكونان اخوة، من يعرف؟"
حالما عادا الى المنزل، سأل وليم الخادمة عن السيد سامي فاخبرته بانه في مكتبه فسار نحو المكتب وطرق الباب.
- ادخل يا وليم. ها خبرني هل قامت اورفيليا بالغسيل اليوم؟
- اجل سيدي لكني اريد ان اخبرك عن شيء مهم جداً.
- هل يتعلق بسلامة اورفيليا؟
- كلا، ليس بسلامتها.
- إذاً فيما بعد يا وليم ارجوك، انا جداً مشغول الآن.
- حسناً يا سيد سامي، ساتحدث معك فيما بعد.
خرج وليم من مكتب سامي دون ان يخبره عن شكوكه نحو علاقة قمر باورفيليا. وبعد قليل دخلت اورفيليا مكتب والدها وقالت،
- كيف حالك يا ابتي؟
- انا بخير يا اجمل واحلى اورفا. كيف كان يومك؟
- ممتاز يا ابتي وقد قابلت شخصاً مثيراً.
- اريدك ان تخبريني عنه بالتفصيل الممل ولكن ليس الآن، لدي بعض الاشغال علي انهائها ثم سنتحدث باسهاب قبل تناول الغداء.
جلس سامي على طاولة الطعام وجلست اورفيليا بجانبه فسألها،
- ناوليني السلطة لو سمحت.
- هل اخبرك عن الشاب الآن يا بابا؟
- بالتأكيد. خبريني عن كل شيء دار بينكما. هل احببتيه؟ هل احبك؟
- كلا يا ابي، انا بالكاد تعرفت عليه اليوم. هو انسان محترم جداً. تخيل، هو الذي اوقفنا بمفرزته عندما كنا ذاهبون الى بيروت ميوزك هول بتلك الليلة. ثم فتح لنا الطريق كي نواصل السير.
- اجل، اجل تذكرته. وقتها كان دمه ثقيلاً جداً لانه اخرنا عن السمفونية.
- وماذا تريده ان يفعل؟ كانت لديه اوامر وكان يؤدي واجبه، هو لم يوقفنا كي يستمتع بوقته.
- إذاً انت تدافعين عنه يا ملعونة. هل أعجِبنا به لهذا الحد؟
- يوه بابا. سوف لن احدثك عن اي شخص اقابله بالمستقبل.
- كلا حبيبتي، انا امازحك وحسب. هل بامكاني التعرف عليه؟
- لا ليس بعد. فانالا زلت لا اعرفه بشكل جيد. واذا ما توطدت العلاقة بيننا فسوف اعرفك به. اتفقنا؟
- اتفقنا. ناوليني الخبز لو سمحت.
باليوم التالي استيقظ سامي مبكراً وخرج مع سائقه وليم باتجاه وزارة التجارة. في الطريق قال وليم،
- استاذ سامي بالامس اردت ان احدثك عن امر مهم.
- ليس الآن يا وليم. لدي اجتماع مع الوزير بعد ربع ساعة وقد اعددت له الكثير من الامور التي يجب شرحها. ارجوك لا تقلقني وتقطع سلسلة افكاري.
- حسناً يا استاذ. سنتحدث فيما بعد إذاً.
- اكيد وليم اكيد.
بعد يومين نزلت اورفيليا الى الطابق السفلي من البيت وهي ترتدي فستاناً مورداً جميلاً وتضع لفّافاً من الحرير لونه وردي حول عنقها. تفوح منها رائحة زكية تلهب العقول. كانت تبدو كالملاك. نظرت اليها احدى الخادمات وقالت،
- كم انت جميلة يا اورفيليا؟ عيني عليك باردة يا عزيزتي. يبدو ان لديك موعداً مهماً.
- بل لدي جلسة علاج على جهاز الداياليسز. ساذهب بعد قليل الى المستشفى.
- وهل يتطلب الداياليسز كل هذه الاناقة وهذا الجمال وتلك العطور الرائعة؟
- اوه جنان، لقد اخجلتيني. ارجوك اسكتي فانا بالكاد اقنعت نفسي كي ارتدي هذه الملابس.
- تريديني ان اصدقك يا اورفيليا؟
- لا عليك، انت مشاغبة يا جنان، لقد قاطعتك، سوف لن احدثك من الآن فصاعداً.
- هاهاها
نظرت اورفيليا حولها بحثاً عن وليم وقالت،
- اين هو وليم؟ يجب ان يأخذني للمستشفى الآن. لا اريد ان اتأخر على موعدي.
جاء وليم مسرعاً وهو يمضغ الطعام وقال لها،
- اسف اورفا ارجو ان لا نكون قد تأخرنا.
- لا عليك يا عم وليم، دعنا ننطلق الآن.
وصلت اورفيليا المستشفى وقالت لوليم،
- انتظرني هنا بالمراب يا وليم؟ وعندما انتهي من الغسيل سوف اءتي هنا كي ترجعني للبيت؟
- كما تشائين عزيزتي. سانتضرك هنا بالمراب.
دخلت اورفيليا المستشفى وتوجهت مباشرة الى قسم غسيل الكلى. سألت الاستعلامات فقالوا لها ان هناك مريض يغسل قبلها لذا عليها الانتضار 45 دقيقة. فاخبرتهم بانها ستغيب ثم تعود بعد 45 دقيقة. خرجت من قسم الكلى ودخلت المصعد. وعندما وصلت الى غرفة قمر طرقت الباب فسمعت قمر يقول، "ادخل"
- صباح الخير يا حضرة الضابط.
- مودموزيل اروفيليا، كم انا سعيد بقدومك. خصوصاً وان اليوم هو آخر يوم لي بالمستشفى. اخبرني الطبيب ان بامكاني المغادرة اليوم لان علاجي قد انتهى. وكنت اتمنى ان اراك قبل ان اغادر لاني كنت طامعاً بان اراك ثانية، اذا كان ذلك يرضيك طبعاً.
- بالتأكيد. انا جداً سعيدة لانك تفكر هكذا. بالواقع انا كنت اتأمل ان اراك اليوم كذلك.
- انت تبدين جميلة يا اورفيليا. جمالك رائع. وما هذه الملابس الجميلة؟ اقسم انك تبدين كالملاك.
- ما دمت تعتقد ان جمالي رائع اليوم فلماذا لا تستدعيني لوجبة غداء الآن؟ انا احس بالجوع. وحتى الملائكة تحتاج الى الطعام احياناً.
- بالتأكيد ولكن، اليس لديك جلسة غسيل اليوم؟
- اجل ولكن هذا لا يهم. بامكاني ان احضر بعد يومين. معدتي اهم من كليتي حالياً.
- إذاً دعنا نخرج الآن فإن سيارتي بالمراب.
- كلا يا قمر، احضر سيارتك الى باب المستشفى وسانتظرك هنا.
- لماذا؟
- لان سائق السيارة وليم بالمراب ولا اريده ان يراكَ.
- حسناً كما تشائين.
جلب قمر سيارته واخذ اورفيليا من باب المستشفى وقادها الى مطعم راقي في شارع الحمرا. هناك جلس الاثنان معاً وجاء النادل بقائمة الطعام.
بعد مرور 3 ساعات نظر السائق وليم الى ساعته فعلم ان اورفيليا قد تأخرت اكثر من المعتاد فدب القلق الى قلبه لذا قرر ان يدخل المستشفى كي يستفسر عنها. وعندما استدل على قسم غسيل الكلى سأل عنها فاخبروه بانها جائت مبكرة وقالت انها ستعود فيما بعد لكنها لم تأتي. فقام بالاتصال مباشرة بمديره وقال،
- سيد سامي هناك مشكلة كبيرة. لقد اختفت اورفيليا.
- ماذا تقصد انها اختفت يا وليم؟ الم تحضرها بنفسك الى المستشفى؟
- اجل لكنها طلبت مني ان انتظرها في المراب حتى تنتهي من جلسة الغسيل، ولكنهم اخبروني للتو انها لم ترجع.
- هذا مستحيل، فهي ستكون بخطر كبير إذا لم تغسل لجلسة واحدة فقط، سيحدث لها فشل كلوي. الطبيب اخبرني ان حالتها متقدمة وسيقع لها تسمم بالدم وستموت على الفور.
- ماذا تريدني ان افعل يا سيد سامي؟
- تعال الى هنا يا وليم. اريد ان اذهب معك كي نبحث عنها باقسام الشرطة.
- حسناً يا بيگ.
في المطعم، طلب قمر وجبة دسمة له ولاورفيليا وعاد النادل كي يحضر الطلب. استأذنت اورفيليا من قمر كي تذهب الى الحمام. وبينما هي تسير كانت الآلآم تقطعها فقد ابتدأت تشعر بازمة جديدة تغلي بداخلها كالبركان. "ارجوكِ يا كليتي لا تفعلي بي ذلك. دعيني استمتع بصحبة هذا الشاب الجميل. فانا لم اصدق ان اراه اليوم واود ان احدثه بكل ما يدور ببالي. لماذا تحرميني من تلك اللحظات يا كليتي اللعينة؟ هل سابقى محرومة من الحب طوال حياتي؟"
فتحت اورفيليا باب حمام السيدات ودخلت. كانت هناك سيدة تعدل من مكياجها وتضع المساحيق على خدها. قامت اورفيليا برش الماء البارد على وجهها، الا انها عندما انزلت يدها الى الاسفل خرت على الارض مغشياً عليها. نظرت اليها السيدة وحاولت ان تسعفها الا ان اورفيليا لم تستجب فخرجت مسرعة من الحمام ونادت احدى النادلات لتخبرها عن حالة اورفيليا. دخلت النادلة الى الحمام وحاولت انعاش اورفيليا دون جدوى. خرجت ثانية واخبرت زميلها فقال لها بانه يعرف اين كانت تجلس، ذهب الى قمر وانبأه بالمشكلة. هرع قمر الى الحمام وحمل اورفيليا وخرج الى سيارته ثم قادها الى المستشفى. بالطريق كان يقول لها، "ارجوك يا اورفيليا، لا تموتي فانا احبك كثيراً ارجوك انت املي وانت كل شيء بحياتي. انتظري قليلاً نحن في طريقنا الى المستشفى. سوف يغسلون لك كليتك وستصبحين على احسن ما يرام. اعدك بذلك"
دخل قمر الى مبنى المستشفى حاملاً اورفيليا بيده وهو يصرخ باعلى صوته، "النجدة، النجدة، النجدة اسعفوها ارجوكم"
هرع فريق طبي نحوهما واخذوا اورفيليا على سرير متحرك ثم انطلقوا بها الى قسم الطوارئ. وعندما وصلوا الى باب الغرفة منعوا قمر من الدخول وطلبوا منه البقاء خارجاً. بالرغم من محاولاته الحثيثة لكنه لم يتمكن من اقناعهم كي يسمحوا له بالدخول. مكثت اورفيليا ساعتان بداخل قسم الطوارئ حتى خرج الطبيب وسأل قمر،
- هل انت قريبها؟
- كلا. انا صديق وحسب.
- اين هي عائلتها؟ لماذا لم يأتوا الى هنا؟
- هم لا يعلمون بحالتها.
- حالة اورفيليا جداً حرجة. وقد لا تستطيع التعافي هذه المرة.
- وماذا تقصد بهذه المرة يا دكتور؟
- اورفيليا مسجلة لدينا بهذه المستشفى وقد سبق ان اتت الى هنا بازمات كبيرة الا انها الآن قد تعدت مرحلة الازمات اليوم وهي بحالة خطر كبيرة جداً.
- ولماذا لا تغسلو لها الكلية الآن.
- الغسيل ما عاد لينفعها الآن.
- هل هذا يعني انها ستموت؟
- اجل، الا اذا...
- الا اذا ماذا يا دكتور؟ ارجوك اخبرني.
- الا اذا وجدنا لها متبرع واجرينا لها عملية نقل كلية.
- ولماذا لا تعملون ذلك؟ ما المانع؟
- ليس هناك كلية جاهزة. اورفيليا مسجلة على قائمة المتلقين للكلى. لكننا لا نملك الكلية الملائمة لها.
- خذوا مني كليتي يا دكتور. انا مستعد للتبرع بكليتي لها.
- وهل انت قريب لها؟
- كلا.
- إذاً احتمال تطابقك معها قد يكون ضعيفاً.
- هل يمكنكم ان تفحصوني؟
- اجل، اجل، فوراً ولكن لا تضع الكثير من الامال في نجاح التطابق.
- افعلها يا دكتور ارجوك، افعلها الآن.
أدخل قمر الى المختبر وابتدأت الفحوصات تجري عليه. وبعد نصف ساعة خرج من المختبر وسأل الطبيب،
- ماذا وجدتم يا دكتور؟
- يجب علينا انتظار نتائج الفحوصات كي نعرف إن كنت مطابقاً لها او لا. فاحياناً قد تأخذ اسبوع على الاقل.
- لكن اورفيليا بخطر. ماذا لو...
- اترك الامر بيد الله يا قمر.
خرج قمر من المستشفى ومن هاتفه الخلوي طلب مركز الشرطة كي يتحدث مع احد اعوانه،
- يا وليد، فتش لي عن رقم هاتف السيد سامي هاكوبيان المليونير اريده على الفور.
- دقيقة واحدة سيدي.
بعد اقل من دقيقة ردد وليد رقم هاتف السيد سامي هاكوبيان المليونيرالى قمر. اتصل قمر بالهاتف فاجابته احدى الخادمات وقالت،
- منزل السيد سامي هاكوبيان تفضلوا
- اريد التحدث مع السيد سامي هاكوبيان لو سمحت.
اعطت الهاتف الى صاحب البيت،
- انا سامي هاكوبيان، من معي؟
- انا الملازم قمر سيدي. اريد ان اخبرك عن مودموزيل اورفيليا.
- ارجوك اخبرني، هل هي بخير؟ اين هي؟ نحن قلقون جداً. فتشنا بكل مكان ولم نعثر عليها.
- هي في المستشفى الآن سيدي، اصابتها ازمة قوية ونقلتها على الفور الى نفس المستشفى التي تتعالج فيها بالغسيل.
- ساحضر فوراً، انا في الطريق.
خرج سامي مسرعاً الى الخارج وركب السيارة مع السائق وليم متجهين الى المستشفى. وحالما وصلا هناك دخلا الى قسم الكلى فوجدا الطبيب واقفاً مع قمر، تعرف سامي على قمر فوراً بعد ان وصفته له اورفيليا بالتفصيل.
- اين ابنتي يا دكتور؟
- انها في الـ ICU يا سيد سامي.
- وماذا فعلتم لحد الآن يا دكتور؟
- الامر لا يبشر بخير يا سيد سامي. انا آسف.
- لماذا؟ لماذا لا تغسلوا لها كليتها بجهاز الداياليسز؟
- الداياليسز لم يعد ينفعها الآن وهي بهذه الحالة المتطورة.
- وما العمل هل ستموت إذاً؟
- نعم، الا اذا وجدنا لها متبرع فوراً.
- ولماذا لا نجد لها متبرع ساعطيه مليون، مليونين، مئة مليون دولار بل كل ثروتي. ارجوك انقذها يا دكتور اتوسل اليك.
انهار سامي وصار يبكي وسقط على الارض. انحنى الطبيب نحوه وقال له،
- يا سيد سامي، الامر ليس بهذه البساطة. نحن نبحث لها عن كلية مطابقة منذ زمن طويل ولم نعثر عليها. الموضوع يتطلب المزيد من الوقت.
- لكننا لا نملك الوقت.
هنا قال قمر،
قمر: لقد تطوعت كي اتبرع لها بكلية من عندي. الآن هم في طور فحص كليتي لكي يعرفوا مدى التطابق.
وليم: ستكون مطابقة.
سامي: وكيف عرفت ذلك يا وليم؟
وليم: لدي شعور وحسب. اتمنى من الله ان تكون شكوكي بمحلها.
الدكتور: ليس هناك شيء يمكن عمله الآن. نحن بانتظار نتائج التحليلات والتي ستستغرق اسبوعاً على الاقل.
سامي: وهل بامكاننا نقل ابنتي الى البيت الآن؟
الدكتور: كلا يا سيد سامي. دعها تبقى تحت رقابتنا ورعايتنا حتى نتأكد من التطابق. علماً ان فصيلة الدم متطابقة مع قمر لكن ذلك لا يكفي.
سامي: وما هي فصيلة دمهما؟
الدكتور: انها AB سالب.
عاد الاستاذ سامي الى البيت مع السائق وليم وفي الطريق،
- يا سيد سامي لا تقلق. إن الله سيكون معها وسيشفيها، اطمئن.
- ساذهب الى الكنيسة غداً واصلي لها يا وليم.
- هل تأذن لي بالحديث الآن فانا اريد ان احدثك بامر مهم جداً.
- كلا يا وليم، ليس الآن لاني جداً قلق على اورفيليا.
- بل يجب ان تسمعني لانه يتعلق باورفيليا وهو امر مهم للغاية.
- إذاً تكلم يا وليم، ما الامر؟
- انا اعتقد ان الضابط قمر هو اخو اورفيليا التوأم. بالحقيقة انا متأكد من انه اخوها.
- ما هذه التخاريف يا وليم؟ كيف توصلت الى هذه المعلومة؟ هل هي من باب العاطفة نحو اورفيليا؟
- كلا سيدي. اسمع مني يا بيگ، اليوم عندما كنت انتضر اورفيليا كي تخرج من المستشفى قبل ان يحصل لها الحادث شاهدت ام صادق وهي تدخل من الباب الرئيسي.
- ومن هي ام صادق يا وليم. لقد حيرتني.
- انها جارة المرحومة احلام والدة الطفلين شمس وقمر. هي التي ربت قمر بعد ان قام خال الاولاد بذبح امهما احلام قبل 20 سنة. والسبب هو ان جد الاولاد اعتبر قمر لقيطاً ورفض تربيته لذلك اخذت ام صادق قمر وربته عندها ببيتها. انا عرفت كل هذه المعلومات عندما ارسلتني انت الى قريتهم كي اجلب احلام، اتذكر؟.
- ومع ذلك فانت لا تملك اي دليل قاطع. انها مجرد شكوك. فتلك السيدة قد تكون دخلت الى المستشفى بالصدفة، لا لكي تزور الضابط قمر وقد لا تمت له باي صلة.
- طيب بيگ وما عن تطابق فصيلة الدم؟
- هذا امر ممكن حصوله، ولكن باقي المتطلبات الاخرى للتطابق سوف يبت بها المختبر خلال اسبوع او اقل.
- يا بيگ انا اقول لك اني متأكد 100%
- حسناً دعنا نذهب الى القرية غداً ونقابل السيدة ام صادق.
- ينصر دينك يا بيگ. سنذهب غداً صباحاً. فقد لا نجدها الآن هناك.
باليوم التالي وصلت سيارة السيد سامي هاكوبيان قرية انصار يقودها السائق وليم ويجلس السيد سامي على المقعد الخلفي. وقفت السيارة امام بيت متهالك فقال وليم،
- هذا هو بيت ام صادق. ساناديها لك سيدي.
- كلا يا وليم. سانزل انا بنفسي، ابقى بمكانك لا تتحرك.
نزل سامي الى باب بيت ام صادق وطرق الباب فنادت من وراء الباب،
- من الطارق؟
- هل انت مدام ام صادق؟
فتحت ام صادق الباب وهي تضحك على كلمة (مدام) وقالت،
- اجل انا ام صادق. من انت؟
- انا سامي هاكوبيان انا الذي ربيت اورفيليا اقصد شمس عندي.
- تفضل سيد سامي تفضل. لقد عرفتك الآن.
دخل سامي الى بيت ام صادق وجلس على اريكة مهترية فسألته،
- اتشرب الشاي سيدي؟
- لا اشرب شيئاً. لدي بعض الاسئلة اود طرحها عليك وهي بغاية الاهمية لان حياة شمس تتعلق حولها.
- تفضل. اسأل كما يحلو لك.
- هل كنت بالمستشفى بالامس؟
- اجل ذهبت لزيارة ولدي قمر لانه كان مصاباً برصاصة في كتفه. وقد عافاه الله وسيعود الى شقته ببيروت اليوم.
- هل لك ان تعطيني رقم هاتف قمر يا سيدتي؟
- بالتأكيد. جلبت له قصاصة ورقية كتب عليها رقم هاتف خلوي.
- سجل الرقم لديه بهاتفه وشكرها ثم ودعها وخرج.
اثناء طريق العودة اتصل بالرقم الذي اخذه من ام صادق فسمع الرقم يدق فرُفِعتْ السماعة،
- انا ملازم اول قمر، من الطالب؟
- يا قمر، انا سامي هاكوبيان ابو اورفيليا. هل لك ان تأتي الى بيتي غداً مساءاً؟ هناك امر مهم اريد التحدث به اليك.
- اجل سيدي بالتأكيد.
- انا بانتضارك يا ولدي غداً. اتعرف العنوان؟
- ساجده سيدي، لا تقلق.
عاد سامي هاكوبيان الى بيته فهرعت كل الخادمات اليه يسألنه عن حالة اورفيليا فطمأنهم وقال ان هناك امل في ان تتلقى اورفيليا كلية من شخص متبرع عن قريب. بعد ذلك جلس وتناول ادويته التي احضرتها له الخادمة.
بمساء اليوم التالي جلس سامي في مكتبه ينتظر قدوم قمر. وما ان جلس حتى سمع صوت جرس الباب فقال سامي، "هذا قمر، افتحوا له الباب"
دخل قمر الى بيت سامي فجاءه سامي وهو يبتسم ويقول،
- اهلاً وسهلاً ولدي قمر. ما رأيك ببيتي؟ هل سبق لك ان زرته؟
- لا اعتقد ذلك سيدي، ولكن... ربما في الحلم. هاهاها
- بل انت زرته وسكنت فيه سنتين كاملتين، لكنك كنت صغيراً وقتها لذلك فانت لا تتذكر شيئاً. تفضل اجلس يا بني.
جلس قمر على الاريكة وهو في غاية الذهول والاستغراب. فكيف يكون قد سبق له السكن بهذا البيت؟ ولماذا خرج منه؟ وماذا يفعل الآن مع السيد سامي؟ تسائلات كادت تشق صدره وتخرج الى العلن كي تصم آذان الجميع.
- هل تريد سماع القصة من البداية يا قمر؟
- اجل سيدي فانا في حيرة من امري واتشوق لسماعها.
ابتدأ سامي يقص عليه قصة امه احلام وكيف كانت تعاني من ظلم والده عبد الحميد وكيف هربت من البيت اثر الاعتداء الجسدي الذي تعرضت له ثم لقائها مع المحامية مدام كلوديا بالحافلة ومجيئهم جميعاً الى بيته. وبقائهم بالبيت ثم رجوع قمر مع امه الى القرية بسبب مرض والده ثم وفاة والده عبد الحميد وكيف قُتلت والدتهم من قبل خالهم ورفظ جدهم لهم وكيف ان ام صادق قامت بتربية قمر بينما تولى سامي تربية شمس وتغيير اسمها من شمس الى اورفيليا للحفاظ على سلامتها من اي اعتداء قد يطالها من القرية. وصولاً الى لقاء شمس وقمر بالمستشفى ورغبة قمر بالتبرع بكليته الى اخته شمس.
انتفض قمر من على الاريكة التي كان يجلس عليها واقفاً وهو محتار مشوش. تمشى في الصالة قليلاً كي يحاول ان يستوعب كل المعلومات التي سمعها من سامي ثم عاد وجلس على الاريكة ثانية وقال،
- شيء لا يصدق. قصة اغرب من الخيال. كل هذه الاحداث وقعت لنا وانا لم اسمع منها اي شيء. تخيل يا عمي، فإن ام صادق لم تخبرني باي شيء عن ذلك، سوى ان امي كانت بريئة من التهم التي نسبت اليها وانها شريفة، وان والدي هو الذي كان يظلمها ويعتدي عليها. لكنها لم تخبرني ولو لمرة واحدة ان لي اخت توأم. على العموم، ستبقى ام صادق هي الام التي ربتني وغمرتني بحنانها وانا مدان لها بكل شيء بحياتي. اما بخصوص اختي اورفيليا فانا اكثر من اي وقت مضى اريد ان انقذها من مرضها وان اتبرع لها بكلية واحدة او حتى اثنتان كي انقذ حياتها مقابل حياتي.
- انت رجل شهم يا ولدي. فقد احسنت ام صادق تربيتك وانا فخور بك. والآن كلنا تعبنا اليوم من كثرة المفاجئات بامكانك المبيت عندنا إن شئت يا ولدي. فغرفة امك لا زالت كما هي ولم يمسسها احد.
- ارجو ان تسامحني سيدي، فعلي المبيت بشقتي لان لدي بدلتي الرسمية في الشقة بشارع دمشق، علي ارتدائها غداً صباحاً كي اعود الى عملي. لكني سامر على المستشفى في الصباح الباكر كي اطمأن على اختي اورفيليا اولاً.
- حسناً يا ولدي. رافقتك السلامة.
خرج قمر من دار سامي هاكوبيان المليونير وهو يفكر بكل ما دار بينهما والقصة الغريبة التي سمعها عن مسلك حياته وكيف انه لم يكن يعرف اغلب تفاصيلها. لكنه اعطى العذر لام صادق في الحفاظ على التفاصيل خوفاً عليه من ردود افعاله او ردود افعال اقاربه في القرية الذين هجروه واعتبروه لقيطاً.
بعد مرور يومين استيقظ قمر بشقته صباحاً وارتدى بزة الشرطة ونظر الى النجمة الاضافية الجديدة على كتفه بكل فخر واعتزاز ثم قاد سيارته نحو المستشفى كي يطمئن على اخته اورفيليا مثل كل يوم ثم يواصل سيره بعد ذلك الى مركز الشرطة حتى يبدأ عمله هناك. دخل الردهة التي ترقد فيها اورفيليا فقابله طبيبها بهذه العبارة،
- لقد اغلقت السماعة للتو مع السيد سامي وطلبت منه ان يخبرك كي تأتي للمستشفى فوراً، هل اتصل بك؟
- لماذا يا دكتور؟ هل اورفيليا بخير؟ هل ما زال هناك وقت لانقاذها؟
- اجل، اجل اطمأن يا قمر. اردت ان احدثك بشيء آخر تماماً. لقد عادت جميع النتائج من المختبر واتضح ان كليتك مطابقة معها بنسبة 99 بالمئة. ولو كنت اخاها التوأم لما تطابقتما بهذا القدر. هذا يحصل للمرة الاولى. لقد ضغطت كثيراً على المختبر كي يسرعوا في اجرائات التطابق وقد خدمونا كثيراً كي نحاول انقاذ اورفيليا.
- عزيزي دكتور جاد، انا فعلاً اخاها التوأم. لقد اخبرني السيد سامي بالامس عن ذلك لاني لم اكن اعرف اننا توأم بل كنت اجهل انها اختي من الاساس.
- هذا شيء عظيم، دعنا لا نضيع المزيد من الوقت. هل انت مستعد لعمل العملية اليوم - اقصد الآن؟
- دعني اتصل بمركز الشرطة واخبرهم بأني سوف لن احضر للعمل اليوم ثم اصبح بعد ذلك رهن اشارتك يا دكتور.
بعد مرور نصف ساعة دخل سامي هاكوبيان وسائقه وليم الى غرفة اورفيليا التي صارت تستعيد وعيها تدريجياً. سألت اباها عما يجري فقال لها،
- لقد حصلنا على متبرع اليوم. سيقوم الدكتور جاد بالعملية بعد قليل. كوني مطمئنة يا حبيبتي.
- ومن اين حصلتم على متبرع؟
- القصة سيطول شرحها لذلك عليك ان تسترخي الآن وان لا تفكري سوى بالعودة الى حياتك الطبيعية.
- حسناً يا ابي، لكني اريد منك شيئاً واحداً فقط. إذا مت وانا في العملية فارجوك اخبر الضابط قمر اني احببته كثيراً واني آسفة لاني لم اكمل حياتي معه.
- بعيد الشر عنكِ يا حبيبتي. سوف لن تموتي. ارتاحي الآن وقري عيناً. فكري فقط في ان تتحسني وستعودي للحياة احسن واقوى من ذي قبل.
قبل سامي ابنته اورفيليا من جبينها فمدت ذراعيها وامسكت برقبته بباقي قوتها الضعيفة المتهاوية وقالت له،
- احبك يا ابتِ كثيراً.
- وانا احبك يا اورفيليا يا حياتي.
دخلت احدى الممرضات ودفعت سرير اورفيليا مخرجة اياها الى خارج الغرفة. تبعهما سامي حتى غرفة العمليات حيث توقف هناك وواصلت الممرضة الى داخل الغرفة. دخل الجراح جاد لابساً صدرية خضراء معقمة وبعد ان غسل يديه حتى المرفق بمادة البيتادين لعدة دقائق، ارتدى القفاز المعقم المخصص لجراحة العمليات فساعدته الممرضة عائشة في ارتداء قفازه المعقم كي لا يلامس الجزء الخارجي للقفاز. دخل قاعة العمليات ونظر الى السريرين وقال لاحد الاطباء المتدربين لديه،
- ماذا سنعمل اولاً يا دكتور رواد؟
- نخرج الكلية السليمة من جسد المتبرع اولاً. ثم نفتح المتلقي ونخرج كليته المعطبة ونستبدلها بالسليمة.
- سيقوم الفريق (آ) باجراء العملية على المتبرع في غرفة العمليات 4 بينما يقوم الفريق (ب) بالعملية على المتلقي غرفة العمليات 5. ربطت الممرضة عائشة كل الاسلاك والانابيب على جسد اورفيليا وكذلك قامت الممرضة فاتن بعمل الشيء نفسه لقمر بالغرفة الثانية وابتدأت العمليتان المعقدتان. وبينما هو يقوم بفتح ظهر المتلقية (اورفيليا) فجأة سمعوا جرس انذار من احدى الاجهزة ينذر بتوقف قلب اورفيليا. ارتبك الجميع...
وقفت اورفيليا بممر مظلم تنظر الى بصيص ضوء يأتيها من مسافة بعيدة. "ماذا يجري الآن يا ترى؟ هل انا ميتة؟ هل انتهى عمري؟"
- أنت لم تموتي يا شمس.
- من انتَ؟
- انا ابوك عبد الحميد.
- لكن ابي هو سامي هاكوبيان وليس لي اب غيره.
- كلا انه الرجل الطيب الذي رباكِ. انا ابوكِ الحقيقي، لكني انسان شرير ومجرم. اجرمت بحقك وبحق امك المسكينة. ظلمتها وظلمت نفسي وانا اعاني الآن مما فعلت.
- واين امي إذاً؟
احلام : انا هنا يا حبيبتي. انا لم اترككِ ولو للحظة واحدة. انا احبك واريد لك حياة سعيدة مع اخاك قمر.
شمس : عن اي قمر تقصدين يا امي؟
احلام : قمر الضابط بالشرطة يا شمس. انه اخاك.
شمس : ألهذا شعرت بحنان وحب كبيرين نحوه؟ ألانه اخي؟ ولكن لماذا تناديني شمس. انا اسمي اورفيليا.
احلام : بل اسمك شمس يا عزيزتي. انت واخوك قمر توأمين.
شمس : إذاً قام ابي سامي بتربيتي وحسب؟
احلام : اجل يا ابنتي. واليوم تبرع لك اخاك قمر بكليته كي ينقذ حياتك.
شمس : أحقاً يا امي؟ قمر هو المتبرع؟
احلام : اجل يا عزيزتي. والآن عودي الى حياتك واعتني باخاك فهو سندك بالحياة، لا تتركيه ابداً.
شمس : هل توصيني بشيء آخر يا امي؟
احلام : اجل يا ابنتي، اشكري لي السيد سامي واخبريه ان يعطيك السلسلة التي خبأتها عنده في خزنته قبل 20 سنة.
دكتور رواد: ابدأوا بالصدمة الكهربائية. 1 2 3 ابتعد اضرب.
عاد نبض اورفيليا للانتظام.
بعد مرور 4 ساعات انفتحت الباب وخرج سريران من الغرفة. ركض سامي الى الطبيب وسأله،
- طمني يا دكتور رواد. كيف سارت الامور؟
- اورفيليا بخير وكل شيء على ما يرام.
- وماذا عن قمر؟ هل هو بخير؟ هل هو حي؟
- اجل انه بخير كذلك. لا تقلق يا سيد سامي، كلاهما على احسن ما يرام. انتضر قليلاً يا سيد سامي حتى يتلاشى البنج تماماً ثم ادخل عليهما.
بعد مرور ساعتين اذن الطبيب لسامي هاكوبيان الدخول على الغرفة التي وضعت بها شمس مع اخاها قمر.
- حبيبتي اورفيليا. كيف تشعرين؟
اورفيليا: انا بخير يا ابتي.
سامي : وانت يا قمر، كيف تشعر؟
قمر: انا بخير يا سيد سامي. هل اختي شمس بخير؟
اورفيليا: انا بخير يا قمر. ولكن يا ابتي حلمت حلماً غريباً عندما كنت بغرفة العمليات. حلمت اني ميتة واني قابلت امي وابي.
سامي : هذا امر اعتيادي، فالكثير يحلمون بمثل هذه الاحلام عندما يكونون تحت تأثير البنج.
اورفيليا: لكنه لم يبدو لي انه حلم. شعرت انه حقيقة.
سامي : عن ماذا تحدثتم؟
اورفيليا: قالت لي امي ان اسمي هو شمس. وان قمر هو اخي التوأم. وهو الذي تبرع لي بكليته.
سامي : هذا صحيح. لكن ربما سمعتي الاطباء والممرضات يتحدثون باسم قمر بغرفة العمليات لانه هو المتبرع فترائى لك انها امك وهي تخبرك بذلك.
اورفيليا: لقد بعثت لك امي برسالة يا ابي.
سامي : حقاً؟ وما هي الرسالة؟
اورفيليا: قالت، "اشكري لي السيد سامي واخبريه ان يعطيك السلسلة التي خبأتها عنده في خزنته"
سامي : يا ربي، كيف عرفتِ بالسلسة؟ هذا صحيح يا ابنتي. لقد اودعت عندي امك السيدة احلام، سلسلة وقالت انها لك قبل 20 عاماً. انها في خزنتي وساعطيك اياها حالما نعود للبيت. هذا شيء لا يصدق! لا اعرف ماذا اقول.
بعد اسبوع خرجت شمس واخاها قمر من المستشفى وعادا الى بيت السيد سامي وطلبا منه ان تسكن معهم الخالة ام صادق فوافق سامي بدون اي تردد. وعاش الجميع بكنف المحبة والحب والتسامح وعاد لم شمل تلك العائلة المقطعة الاوصال. ومنذ ذلك الحين صار الجميع ينادي اورفيليا (شمس).
بعد عامين تخرجت شمس من كلية الطب وتخصصت بعد ذلك بجراحة القلب. واليوم تعتبر مستشفى شمس ببيروت واحدة من افضل المستشفيات الخاصة بالشرق الاوسط.

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

623 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع