أ.د. علي منصور .. وداعا

                                                    

                           أ.د. ضياء نافع

أ.د. علي منصور ..وداعا

 

علمت الآن (في مساء يوم ١٠ - ٥-٢٠١٨) برحيل الاستاذ الدكتور علي يحيى منصور , اذ استلمت رسالة الكترونية من زوجته ( ولا يطاوعني قلبي ان أكتب – أرملته ) السيدة الفاضلة كفاح السوداني ام محمد, تعلمني فيها بذلك الخبر الحزين , وها انذا احاول ان الملم افكاري وذكرياتي كي اكتب كلمات وداع بحق هذا الصديق الصدوق والاستاذ الجليل والتربوي الكبير والاكاديمي البارز في تاريخ العراق المعاصر.
علي منصور واحد من أعلام اللغات في العراق , اذ كان يتقن عدة لغات – وبشكل علمي معمق - هي العربية والكردية والتركمانية والانكليزية والالمانية وقليلا من الفرنسية والفارسية والارمنية والسريانية, وكل هذه المعرفة اللغوية الواسعة و المتنوعة جاءت نتيجة لمسيرة حياته وموهبته , فهو من أب عراقي عربي وام عراقية كردية , وقد ولد في كركوك , وهناك تعلّم التركمانية ايضا بحكم وضع المدينة ( يمكن ان نعتبره رمزا رائعا لوحدة العراق التي لا تنفصم !) , ثم التحق في قسم اللغة الانكليزية في دار المعلمين العالية في بغداد وتخرج فيها واصبح مدرسا متميزا للغة الانكليزية , وعمل في عدة مدارس في مدن عراقية مختلفة آنذاك , ثم حصل على زمالة دراسية في المانيا , والتحق في جامعة هامبورغ ودرس هناك ونال شهادة الدكتوراه في الادب المقارن , وعاد الى العراق واصبح تدريسيّا في جامعة بغداد , وعندما بدأت انا بالعمل في قسم اللغات الاوربية ( فرع اللغة الروسية) في كلية الآداب بجامعة بغداد للعام الدراسي 1972 / 1973 التقيته هناك, اذ كان هو أحد أبرز العاملين في فرع اللغة الالمانية, و تعارفنا طبعا ووجدنا لغة التفاهم المشتركة بيننا , فقد كان هادئ الطبع وطيّب المعشر ويتحلّى بتواضع العلماء ومحترما من قبل الجميع اساتذة وادارة وطلبة , وبمرور الايام اصبحت العلاقات اوسع وأعمق , وعندما انتقلنا عام 1987 من كلية الآداب الى كلية اللغات , اصبحنا نعمل في لجان مشتركة ( خصوصا اللجان الامتحانية ), وبعدئذ في مواقع عمل مشتركة , اذ اصبحنا ( هو وانا) معاوني العميد , وكان التعاون والانسجام والودّ سائدا بيننا طوال فترة عملنا , مما جعلنا نتحوّل بالتدريج من زملاء في المهنة الى أصدقاء بكل ما تحمل كلمة ( صداقة ) من معنى , وقد تعمّقت هذه الصداقة خصوصا في عملنا المشترك في كلية اللغات المسائية , وبما اننا كنا نسكن في منطقة واحدة , فقد اصبحنا مثل الاخوة , حيث نذهب صباحا في سيارة واحدة ونرجع مساء في نفس تلك السيارة ( هو وأنا وصديقنا المشترك أ.د. زهير مجيد مغامس من قسم اللغة الفرنسية ) , وكنا طوال الوقت نتحدّث في شؤون اللغات وطبيعة عملنا معا , وكم كانت احاديثنا تشوبها النقاشات الحادة والصريحة جدا بخصوص الواقع العراقي المكفهر آنذاك ومشاكله المعقدة , بما فيها السياسية , الا ان تلك النقاشات كانت تجري دائما بروحيّة جميلة ووديّة وبعيدة عن التطرّف والتوتر بفضل ابتسامات علي منصور وروحه المرحة ومزاجه الرائق والهادئ دائما ونظرة التفاؤل في أعماقه تجاه كل شئ , بما فيها حتى القضايا المعقدة في حياتنا ( وما أكثرها !), اذ انه كان يجد الجمال في كل شئ , وأذكر مرة انه حاول أن يثبت لنا , ان نفرح عندما يهب ( العجاج ) , وذلك لان العجاج يعني ( اضافة طبقة صافية من الزميج فوق الارض مجانا , وان ذلك سيؤدي الى تحسين الزراعة !) .
ختاما لهذه السطور السريعة عن الراحل علي منصور , أود أن اشير , الى انه ترك مخطوطات عديدة تأليفا وترجمة , وان تواضعه الفذّ جعله لا يتحدث عنها , او يحاول ان ينشرها , واعرف من بين هذه المخطوطات ديوان شعر مترجم عن الالمانية لمجموعة من الشعراء الالمان المعاصرين مع تعريف وجيز بحياة ومسيرة كل شاعر منهم , ويوجد بين تلك المخطوطات ايضا معجم الماني – عربي للمصطلحات الادبية , و يشرفني ان اعلن هنا , ان دار نوّار للنشر مستعدة لنشر هذين الكتابين في بغداد في حالة موافقة ورثته .

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

614 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع