أَيــامُ أَبــي (سيرة .. وذكريات) ح١

                                                                                                             

                               د.عبد الستار الراوي

               

              

                      الحلقة الأولى      

إشارة

يوشك العمر أن ينطفئ الآن أو بعد حين. في لحظة قائمة أو آتية، فالغُربة الموجعة تأكل الذاكرة والفؤاد. وقبيل أن تحلّ تلك اللحظة التي لا ريب في قدومها عاجلاً أم آجلاً ، أقدم هذا الكتاب ، وفاءً
واعتزازاً لوالديَّ :
عز الدين محمود الراوي...
ومليكة حمادي صالح الراوي...
وإلى ذكرى الشهيد  الفدائي سعد عز الدين الراوي
وإلى شقيقاتي الست المازة وأخواتها...
وأخوتي محمود عماد، عبد الكريم، يوسف...
وإلى نجلاء ، زينب ، عزاوي
وإلى بغداد عاصمة الحكمة والشجاعة
وإلى راوة مدينة البسالة والسخاء والشهداء...

عبد الستارعزالدين الراوي
المحروسة مصر
القاهرة الجديدة
شتاء 2005

   

مدينة راوة
مدينة راوة الحالية كانت في الاصل تحمل أسم (الرحبه) لورود القبائل اليها ممن يعرفون بالراوية من بين القرى الخاضعة لحكم الموالي ، قيل في أصل اسم (راوة) روايتان:
الأولى:
جاء اسمها من المكان ذاته والمشهور بوفرة المياه وبالأرواء المستديم لأراضيها التي تسقى من الفرات. فقيل أنها قرية (رويه) وقرية (راويه) أي وفيرة المياه، وهو المكان الذي قطنه الجد الأكبر السيد يحي بن حسون، وقد أضفيَ على لقب (الراوي) عليه وعلى أولاده وأحفاده من بعده.
الثانية:
يذهب أصحابها إلى القول بأن الاسم أطلق على المكان الذي أقام فيه السيد يحي بن حسون وعرف به، بوصفه (راوية) للحديث النبوي الشريف.
وقد عرف عن الراويين بأنهم أهل ورع وتقوى وبرز منهم كثير من  الفقهاء والعلماء.
وراوة اليوم قضاء تابع لمحافظة الأنبار، يعمل أهلها في الزراعة والتجارة، ومنهم موظفون في دوائر رسمية، وفيها مدارس للبنات والبنين بمراحلها الثلاث الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وتتمتع بخدمات الماء والكهرباء منذ عام 1963، وقبل أن تطمر راوة القديمة الأولى، مياه سدّ حديثة شيدت الدولة مدينة حديثة عند منطقة الطار،( ١) تدعى اليوم (راوة الجديدة)، تتوفر فيها خطوط الهاتف، وسوق عصرية، وروضة للأطفال إلى جانب خدمات أخرى.
وقد شغل أبناء راوة منذ تأسيس الحكم الوطني في العراق عام 1921 العديد من مواقع المسئولية كما ظهر منهم العلماء والمفكرون والأدباء والوزراء والسفراء والقادة العسكريون.
أما صورة راوة في مطلع القرن العشرين التي ولد فيها عز الدين محمود الراوي وعاش في رحابها طفولته وصباه، فكانت قرية صغيرة، لا يتجاوز طولها الـ(1500) ألف وخمسمائة متراً، ولا يزيد عرضها على  (200) مئتي متر، أيّ أن مساحتها الكلية لم تكن تساوي أكثر من ثلاثين ألف متر مربع في العشرينيات.

يلتف الفرات من جهات الجبل الثلاث، فتبدو راوة شبه جزيرة منغمرة بالنخل والتين والاعناب، تمتد طرقاتها بين الجبل والنهر، يقطعها دربان متوازيان :
الاول- المحاذي للجبل ، ويسمى الدرب البراني( ٢) .

أما الدرب الثاني- فيمتد على طول شاطئ النهر( ٣)، ويعرف بـ(الدرب الجواني) .

(١) الطار: هضبة تقع شرقيّ مدينة راوة.

(٢) درب (المسطاح).

(٣) درب (الجواني) ،.

وعلى قمة الجبل تتربع قلعة (مدحت باشا) (٤ )الحصينة التي رويت عنها وحولها الكثير من الوقائع والحكايات والاساطير .
تشكل القرية لوحة تشكيلية بهية الالوان تمتد بين الضوء والشجر والجبل والماء ،
ويؤلف المكان مشهداً خلاباً، فالقرية رقعة خضراء، تتصل بها البساتين  شرقاً وغرباً، وثمة جزر وسط النهر عامرة بالثمار، ومما يزيد من جمالياتها الباذخة وجود النواعير السبعة( ٥) تنشد على شواطئها الرملية موسيقى شجية الانغام ، وأنّى تولي وجهك، وفي أيٍّ من الجهات الأربع، فإن هواءها يأتيك نسيما ناعما ونقياً، لأنه يمر بنهر الفرات المتعرج الذي تكتنفه التلال من جانبيه، وتحاذيه سلسلة متصلة من المزارع والبساتين.
والراويون بعشائرهم الأربع ينحدرون من جدّ واحد هو السيد يحي بن السيد حسون، الذي أعقب ولدين هما: أحمد وحسان، وولد لأحمد: عبد الله، الذي أعقب ثلاثة أولاد هم: سرحان، حسين، عبيد.  ومن الأشقاء الثلاثة تكونت عشائر: السراحنة، السواهيك، البوعبيد.
أما حسان: فهو جد الشيخ رجب الكبير الذي انحدرت منه العشيرة الرابعة (الشيخ رجب)، وأهل راوة طبقاً للنسب الموثق الثابت هم: حسينيون، نسبة إلى الإمام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب.
أما الحياة في القرية  في  بداية العشرينيات ، فكانت في عموم تفاصيلها ، حياة وادعة ، مفعمة بالبساطة والتلقائية والبراءة ، أقرب إلى تقاليد وقيم البادية ؛ لأن راوة متصلة بالجزيرة وبقبائلها المتنقلة ؛ قبيلة  (شمر) في الجزيرة وقبيلة (عنزة) في الشامية، والراويون على صلة حميمة بالجانبين.
وكانت الدواوين جزءا عزيزا من المكان ودلالة عليه بكل ماتحمل هذه الملتقيات الاجتماعية من معاني المسامرة والحكايات  . وكان في القرية أكثر من (40) أربعين ديواناً مشرعة الابواب  على الدوام أمام الضيوف وعابري السبيل.


( ٤) قلعة عسكرية شيدها العثمانيون في القرن التاسع عشر، في عهد الوالي التركي مدحت باشا
( ٥) النواعير: مفردها (ناعور) وسيلة إروائية. وهي موزعة على طول القرية وامتدادها.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

315 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع