الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - لمحات وخوطر عن أنشطة الطيران في العراق مع نظرة خاصة إلى نشوء الخطوط الجوية العراقية / الجزءالثالث

لمحات وخوطر عن أنشطة الطيران في العراق مع نظرة خاصة إلى نشوء الخطوط الجوية العراقية / الجزءالثالث

        

لمحات وخوطر عن أنشطة الطيران في العراق مع نظرة خاصة إلى نشوء الخطوط الجوية العراقية / الجزء الثالث

  

                                             

         اللواء الركن علاء الدين حسين مكي خماس

               الجزء الثالث

   

رابعا: مفارقات وحوادث جديرة بالذكر

من الطبيعي أن تكون هناك أحداث ومفارقات أثناء العمل بالنسبة لأية مؤسسة أو منظمة، وبالنسبة لخطوطنا الجوية العزيزة فقد كانت هناك العديد من هذه المفارقات، قسم منها ساعد في ترسيخ مفاهيم وتقاليد العمل في الخطوط الجوية حتى أصبحت بمثابة الأعراف والقوانين التي لا يمكن تجاوزها أو كسرها، ومن ضمن ذلك التمسك بالتوقيتات والدقة في المواعيد، وعدم التدخل في برامج الطيران وتوقيتات الرحلات الجوية آنذاك. وفي هذا المجال نذكر المفارقات الآتية:
مفارقات واحداث في العهد الملكي
1- سفر الملك فيصل الثاني والوصي عبد الإله وسفر الشخصيات الهامة
كان لدى جلالة الملك فيصل الثاني طائرات خاصة به حيث كان ضابط القوة الجوية الطيار اللواء جسام محمد الشاهري والذي انتدب للعمل كطيار خاص بجلالة الملك بإمرته طائرتين من نوع (هيرون Heron D،H.) ذات الأربعة محركات ، والطيار الثاني لجلالة الملك هو الضابط الطيار عبد الحق العجيلي وبإمرته طائرتان من نوع (دوف D.H. Dove) واللتان كانتا باللون الأبيض، ورسم على مقدمتها باللون الخاكي صورة لجمل. وقد أصبح الضابط الطيار عبد الحق العجيلي بعد ثورة 1958 مدير عام الطيران المدني في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف رحمه الله. ومن ما يذكره التاريخ أن جلالة الملك فيصل الثاني كان لا يُطالب شخصيا بجواز سفرة عندما يسافر من مطار بغداد المدني، لكن المرافق الأقدم لجلالته، المقدم عبيد عبد الله المضايفي هو الذي يقدم جوازات السفر للعائلة المالكة في الذهاب والإياب وكان مكتوب في جواز الملك اسمه الكامل جلالة الملك فيصل الثاني ملك العراق ، أما الوصي عبد الالة فكان يمتلك جوازين اثنين، الأول دبلوماسي وهو بعنوان منصب ولي عهد باسم حضرة صاحب السمو الأمير عبد الاله ولي عهد العراق، والجواز الثاني هو جواز خدمة وليس دبلوماسيا ومكتوب به العقيد عبد الإله الهاشمي والمهنة عقيد في الجيش العراقي. ولم يقوم الوصي عبد الاله بالسفر او ركوب الطائرة الخاصة بالملك ابدأ.
2- سفر رؤساء الوزارة والوزراء في العهد الملكي
أما الباشا نوري السعيد وكل رؤساء الوزارات السابقين فلا توجد لديهم طائرة خاصة ما عدا طائرات الخطوط الجوية العراقية.

   
  

3- الباشا نوري السعيد يوبخ زوجته أم صباح لطلبها تأخيرإقلاع الطائرة:

ذكر لي الأخ إسماعيل خليل والذي كان قد عمل طيلة حياته المهنية في الخطوط الجوية العراقية، أي منذ أن دخل إليها موظفا بسيطا، إلى أن تقاعد منها وبمنصب مستشار اقدم، قائلا ً ((كم أمتعتني مقالتكم عن الطائر الأخضر، الخطوط الجوية العراقية وبارك الله فيكم وسعدت بها وأرجعتني إلى الأيام الجميلة التي أفنيت عمري فيها. وأقول لكم بان ما كتبته من معلومات قد عشتها والقسم الآخر سمعتها ممن هم قبلي وكيف كان الضبط في الأداء في هذه الشركة والالتزام بالقوانين وعدم تدخل المسؤولين منها (كان المرحوم الباشا نوري السعيد في توديع زوجته أم صباح في المطار عند سفرها إلى تركيا، طلبت منه، وهو رئيس الوزراء، أن يأمر بتأخير الطائرة عشرة دقائق ليتسنى لها تقبيل ابنها صباح القادم بطائرة من لندن بعد قليل، لكنه قال لها بحزم: من أنا كي أوعز بتأخير الطائرة كي تقبلي ولدك؟ يالله أسرعي قبل ما تفوتج وتطير !!). وهذا ما نقلها لنا مديرنا الذي كان بجانبه وأصبحت دستورا نلتزم به... هكذا كانت الخطوط الجوية العراقية.
4- جمود المواد القانونية يسبب خسارة الموظفين الكفاة
كان في ذلك الوقت موظف من العاملين في مقر مصلحة الخطوط الجوية العراقية، اسمه السيد، مستر (آرا كورشيان) وهو ارمني الأصل، وكان يمتلك معلومات فنية غزيرة والعلوم الإدارية وغيرها، وهو مثال للأخلاق الحميدة، وكان مخلصا لخدمة بلده العراق. وكانت قد مرت عليه سنين طويلة منذ أن توظف في الخطوط الجوية العراقية، لكنه يترفع إلى درجة وظيفية اعلى بحجة عدم امتلاكه شهادة دراسية أو جامعية تؤهله لمنصب اعلى. وفي ذات يوم قدم المستر آرا عريضة (طلب ترفيع) إلى المرحوم صباح نوري السعيد مدير الطيران المدني العراقي يطلب فيها ترقيته إلى درجة وظيفية اعلى، فما كان من المرحوم صباح نوري السعيد إلا وقد اخذ العريضة بيده وذهب بها إلى وزارة المالية ذاكرا فيها مواهب المستر آرا وقدراته الفنية ومواهبه الإدارية وقدرته على تسلم درجة اعلى، ولكن الروتين القاتل والذي تسير عليه الدولة العراقية من ذلك الوقت إلى يومنا هذا جعل طلب المستر آرا مرفوضا بحجة عدم وجود شهادة دراسية في الموضوع .فقد كان راتب المستر آرا اقل من ثلاثين دينارا، ولما علمت به شركة بان أمريكان الأمريكية للطيران عرضت عليه أن يعمل معها وبراتب مقداره 200 دينار في ذلك الوقت وهو راتب لا يتقاضاه الملك أو حتى رئيس الوزراء ، ولكن إخلاصه لوطنه جعله يرفض هذا العرض في البداية وذهب به إلى المرحوم صباح نوري السعيد مدير الطيران المدني وقال له بالحرف الواحد، لقد عرضت علي شركة بان أمريكان مبلغ 200 دينار وان اعمل لديها كمدير مبيعات وإدارة في بغداد لكني رفضت.... أتمنى أن تجعلون راتبي خمسين دينارا فقط حتى أبقي اخدم بلدي العراق، أجابه المدير صباح نوري بالرفض بسبب القوانين ولا يحق لنا تجاوزها، لكني لا أريد أن اقطع رزقك أو أن أقف أمام مستقبلك، وفعلا قدم المستر آرا استقالته، والتحق بالخطوط الأمريكية وبراتب 200 دينار. ولم تمض عليه اقل من سنة واحدة حتى أصبح المدير الإقليمي لشركة بان أمريكان في الشرق الأوسط والتي كان موقعها في الخليج العربي وأصبح من الأشخاص المعروفين في أمريكا من شدة ذكائه وقدرته وإدارته الناجحة.
5- التمسك بالقانون وتطبيقه
ومن الأشياء التي حدثت بالخطوط الجوية عام 1953 والتي كان مديرها المرحوم صباح نوري السعيد بـأن طائرة عراقية من نوع فايكنك (Viking) والتي حمولتها (27 راكبا) كانت متهيئة للمغادرة في رحلة جوية إلى طهران في الساعة السابعة صباحا من مطار بغداد المدني (مطار المثنى حاليا) وكانت بحاجة إلى مضيفة لتقوم بخدمة الركاب لان المضيفة المسؤولة عن هذه الرحلة لم تحضر بسبب طارئ مفاجئ لها ولا يوجد بديل عنها.
كانت العادة الجارية في ذلك الوقت أن تفتش الطائرة من قبل سلطة الجوازات، إذ يصعد مفوض مختص من دائرة الجوازات إلى الطائرة ليدقق بنفسه عدد الركاب وجوازات سفرهم وفعلا صعد المفوض (ص) إلى الطائرة ودقق جميع جوازات ركاب الطائرة ونزل من عليها متجها إلى مقر عمله، ولم تخبر الخطوط الجوية دائرة الجوازات فيما يريدون أن يفعلوا فقد كتموا الأمر عنهم، وفعلا تسلل سرا احد الموظفين المدعو (ط .ف) إلى الطائرة لمباشرة أعمال الضيافة بدون علم دائرة الجوازات إذ كان هذا الموظف لا يحمل جواز سفر يخوله السفر مع طاقم الطائرة . وعندما أقلعتِ الطائرة جاء شخص إلى دائرة الجوازات وأخبرهم بان أحد موظفي الخطوط الجوية قد تسلل سرا من دون علم السلطات العراقية وركب بالطائرة بدون جواز سفر، فما كان من المفوض (ص) إلا الذهاب إلى برج المراقبة الجوي وأخبر المراقب جميل هرمز بالموضوع وعلية يجب على الطائرة العراقية المتجهة إلى طهران إصدار أوامر بالهبوط لها وعدم مواصلة السفر بسبب مخالفة قانونية. نادى المراقب الجوي جميل هرمز كابتن الطائرة وأمره بالهبوط الفوري فما كان من كابتن الطائرة إلا الاستجابة الفورية والاستدارة والهبوط مجددا في مطار بغداد المدني. وعندما سمع المدير العام صباح نوري السعيد بالموضوع استشاط غضبا واخذ يصيح بأعلى صوته في داخل المطار، من هذا الذي أمر بــإنزال الطائرة وهي في الجو، من هذا الذي أعطى هذه الأوامر؟ فإجابة المفوض (ص) بكل شجاعة أنا أعطيت الأمر بالهبوط لأنه يوجد بداخل الطائرة شخص من دائرتكم قد تسلل سرا وصعد إلى الطائرة بدون جواز سفر وبدون علم السلطات العراقية وأنا أتحمل كافة المسؤولية خلاف ذلك. وفعلا تقدم المدير العام وجميع كادر الخطوط الجوية العراقية وجميع منتسبي الجوازات إلى باب سلم الطائرة وعندما فتح باب الطائرة صاح المفوض (ص) بأعلى صوته يا (ط.ف) انزل من الطائرة وعندما نزل طلب المفوض (ص) من (ط.ف) بالحرف الواحد أين جواز سفرك يا هذا؟ فأجاب بعدم وجود جواز سفر فما كان من صباح نوري السعيد إلا أن يغضب غضبا شديدا وصفعه (راشدي قوي) صفعة رنت لها الآذن من شدتها وأنبه تأنيبا كبيرا. بعدها التفت إلى المفوض (ص) وقال له؟ لماذا لم تترك الطائرة حتى تعود من سفرتها لان ذلك يكلف الدولة مبالغ كبيرة ومصاريف من الناحية الفنية فأجابه المفوض (ص) أن ما قام به (ط.ف) مخالف للقانون، فما موقف مفوض الجوازات إن حدث شيء إلى (ط.ف) أو مات في طهران فسكت المرحوم صباح وغادر إلى مكتبه وما هي إلا لحظات حتى جاءت مضيفة الخطوط الجوية العرقية وانطلقت الطائرة من جديد.
تعليق: يبدو ان هذا الموقف لم يكن له أي داع، لأنه من المعروف والمقبول في مجال الطيران المدني والمتعارف عليه، أن بإمكان موظفي الخطوط الجوية المعنية، اصطحاب أشخاص للخدمة على الطائرات المسافرة إلى بلدان أخرى دون أن يكون لديهم جوازات سفر، بشرط أن يبقى هذا الشخص في الطائرة نفسها ولا يغادرها أو المطار الأجنبي عند الوصول اليه، ويعود مع نفس الطائرة إلى بلدها الأم، أي انه لا يغادر الأرض الوطنية التي هي الطائرة، ولا يدخل أرضا اجنبيه التي هي الدولة المتوجهة لها الطائرة. ويبدو ان هذا الأمر لم يكن معروفا من قبل المدير العام (صباح السعيد) آنذاك، ولا المفوض (ص) بطل القصة، بل حتى مسؤولي الحركة في الجمارك والجوازات لا يعرفون.
6- مفارقة أخرى (ليس لها علاقة بالخطوط الجوية العراقية)
وما دمنا نتحدث عن المفارقات التي أرى ان من المناسب الاطلاع عليها ونحن نتحدث ضمن الاطار الموسع لهذا الموضوع ، أي الطيران في العراق في العهد الملكي ، وما دمنا قد ذكرنا المرحوم صباح بن نوري السعيد المدير العام للخطوط الجوية العراقية وراينا بعض من تصرفاته ، لذا ارتأيت من المناسب أن اذكر هنا المفارقة أو المغامرة التي سبق له وقام بها( صباح السعيد) في وقت سابق وقبل ان ينتمي لسلك الخدمة المدنية ، أي عندما كان ما يزال طيارا عسكريا في قوتنا الجوية الناشئة آنذاك ، ألا وهي قصة مروره بطائرته العسكرية من نوع( نورثورب دوكلاس) تحت جسر الأمين وما اصبح يعرف فيما بعد بجسر الشهداء في بغداد . وهذا موضوع سبق لي الكتابة فيه ونشره، لكن توفرت لي الآن صورتان جديدتان عن هذا الموضوع، لذا ارتأيت أن ادرج الموضوع ثانية مع وضع الصورتين في مكانهما المناسب. فما هي هذه القصة المثيرة؟
قصة مرور الطيار صباح نوري السعيد بطائرته من تحت الجسر في بغداد
اروي قصة هذه القصة نقلا عن المصور الذي التقط الصورة، فكما تعرفون ويعرف كبار السن منا انه كان هناك من المصورين المشهورين في بغداد الحبيبة مصور اسمه أرشاك، وهو من اصل أرمني جاءت عائلته إلى العراق منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وكان مصوراً ماهراً مشهورا يلتقط التصاوير لكبار الشخصيات العراقية ، وكان صديقه المرحوم صباح بن نوري السعيد ، وصباح كان طيارا في القوة الجوية العراقية . في ذلك الوقت كان عدد من الخبراء الأجانب (الأمريكان) يعملون في القوة الجوية لصيانة أو تدريب طيارينا على طائرات ( دوكلاس Doglas ) الامريكية ، حيث تم شراء 15 طائرة منها ، وقد وصلت الطائرات ، دون أسلحتها التي شحنت بحرا ، لكن الإنكليز احتجزوا السفينة الناقلة للأسلحة ، لذا بقيت الطائرات غير مسلحة ، واستعملت للتدريب المتقدم.

                           

صورة رقم ( 56 ) الرئيس ( النقيب) الطيار صباح نوري السعيد

جاء مع هذه الطائرات عدد من الطيارين والفنيين لتدريب الطيارين والفنيين العراقيين عليها. وفي هذا الخصوص يروي المصور أرشاك أن صباحاً قال له ذات يوم، أنه قد نشب شجار بينه وبين أحد المدربين الأمريكان الذي كان يبدي استهزائه بقدرة الطيارين العراقيين على استخدام هذه الطائرات أو غيرها والأولى بهم أن يطيروا طيارات أم السناطير (أي الورقية) وقد قال هذا أثناء جلسة لهم في بار صالة الاستراحة، فما كان من صباح إلا أن وبخه بعنف وقال له سأريك (راح اشوفك) غدا ماذا سأعمل. وفي اليوم التالي جاء الرئيس الطيار صباح إلى صديقه المصور أرشاك وطلب منه أن يذهب ومعه آلة التصوير إلى ساحل نهر دجلة بالقرب من جسر الأمين في وسط بغداد، ويتهيأ لالتقاط الصور له وهو يمر بطائرته من تحت الجسر بالساعة كذا من يوم غد، وذلك تحديا للمدرب الأمريكي ولبيان قدرة الطيارين العراقيين ومهارتهم في قيادة الطائرات. وهنا يقول أرشاك، (فعلا فقد ذهبت في اليوم التالي وفي الوقت المحدد واتخذت مكاني بالقرب من الجسر في وسط بغداد، وفي الوقت المحدد بالضبط ظهرت في السماء طائرة صباح نوري السعيد ودارت حول الجسر دورتين، ثم ذهبت بعيدا وانخفضت وجاءت بارتفاع منخفض جدا وهي تطير فوق ماء النهر بارتفاع لا يتجاوز بضعة أقدام وتحلق بعكس اتجاه جريان الماء، وما هي إلا لحظة حتى مرقت الطائرة بمرورها السريع والخاطف من تحت الجسر مارة بين دعامتين من دعامات الجسر. ويستطرد أرشاك قائلا انه هيأ الكاميرا على أسلوب الالتقاط السريع والمتتابع للقطات التصويرية فتمكن من التقاط عدة لقطات للطائرة وهي تقترب من الجسر وهي تمر من تحته ومن بعدها تغادره من الناحية الثانية مرتفعة في الجو وهي تتقلب على محورها بحركات (رول تسلقي). قام بعدها المصور الشهير أرشاك بتحميض الفيلم ومن ثم طبع التصاوير وقال لنفسه سأذهب بها إلى الباشا نوري السعيد وأعطيها له ومن المؤكد انه سوف يكافاني على ذلك. وفعلا ذهب ومعه التصاوير إلى مجلس الوزراء وطلب مقابلة الباشا لأسباب شخصية وفنية مهمة، وكان الباشا يعرفه طبعا. ويستطرد أرشاك قائلا (عند دخولي على الباشا قال لي ها أرشاك ماذا تريد؟ فقلت له عندي مفاجأة سارة لك أيها الباشا، فقال له شنو هاي المفاجأة؟ فأخرجت التصاوير واريته إياها، فقال له الباشا شنو هاي التصاوير؟ فأخبرته بالقصة، فاستشاط الباشا غضباً وقام بتمزيق التصاوير جميعها، وضربني راشدي أصلي (الراشدي يعني صفعة بالعراقي) وطردني من دائرته قائلا هل أنت مجنون مثل صباح؟ كيف توافق على ذلك ولم تخبرني بما ينوي عمله مسبقا؟) ويستمر أرشاك قائلا (أن الباشا عنف ووبخ صباحاً على فعلته ومنعه من الطيران بعد ذلك كعقاب له على ما فعل). وهنا يستدرك أرشاك انه عند عودته إلى محله وهو متأسف لضياع هذه التصاوير الثمينة، وإذا به يجد نسخة منها لم تضيع وكذلك مسودات الفيلم فاحتفظ بها وهو اليوم ينشرها على صفحات التواصل الاجتماعي (فيس بوك). لقد قرأت هذه القصة منذ عدة سنوات عندما تم نشر التصوير ورسخت في ذهني، ولم يكن في وقتها نوع الطائرة معروفا من قبل القراء الأعزاء، فقسم قال أنها من نوع (هارفارد) الأمريكية التدريبية التي كانت لدينا في بداية خمسينيات القرن الماضي، وقسم قال أنها (بستن بروفست) . بل أن البعض هذه الأيام خصوصا قد ذهب بعيدا فأخذ الصورة الأصلية وعمل لها مونتاجا وابدل الصورة بصورة طائرة نفاثة من نوع ميك 17 ، وهي لم تكن أصلا موجودة في وقت حدوث القصة التي نتحدث عنها . وهنا أود أن أقول أنني سبق وقمت بعد نشر الصورة الأصلية من قبل أرشاك ولم تكن واضحة، بتحليل شكل التصاوير ومقارنة ذلك بأنواع الطائرات التي كانت موجودة لدى القوة الجوية في الأربعينيات من القرن الماضي، واستنتجت أنها كانت طائرة من نوع (دوكلاس) وذلك ليس بسبب شكل الطائرة ووقت حدوث الواقعة فقط، بل لان صباح كان يتحدث عن شجار مع مدرب طيران أمريكي ، ولم يكن لدينا طائرات أمريكية في ذلك الوقت غير طائرة (نورثورب دوكلاس) . وارفق صورة الطائرة الأصلية جاثمة على الأرض، وكذلك الصورة الأصلية للطائرة وهي تمر من تحت الجسر، كما أود أن أشير إلى أن هناك موقع اسمه متحف التاريخ بالإمكان المشاركة فيه للاطلاع على كثير من المعلومات التاريخية المفيدة عن عراقنا العزيز

  

  

بعض الذكريات الشخصية مع مطار بغداد والخطوط الجوية العراقية

وما دمنا قد تحدثنا عن المفارقات وبعض الأحداث التي نقلتها عن الغير، فلابد لي أن اذكر أيضا بعض المفارقات التي شهدتها شخصيا مع ذكر بعض الذكريات الشخصية ذات العلاقة بالمطار المدني (المثنى) والخطوط الجوية العراقية. ومنها الآتي:
1- إشباع هواية الطيران أيام الشباب المبكرة
كنت أنا وصديقاي المقربان كل من المرحوم غازي الجنابي وطارق خيري عمر أطال الله عمره، من محبي الطيران، وفي تلك الأيام في أوائل خمسينيات القرن الماضي، حيث أيام الشباب الأولى كانت هوايات الشباب تتلخص في الرياضة أو السباحة أو ركوب الدراجات الهوائية أيام العطل المدرسية خاصة. وبالنسبة لنا محبي الطيران أضفنا لأنشطتنا في هذا المجال مشاهدة الطائرات أينما تمكنا من ذلك ، لذا كنا نذهب في أيام العطل إلى المطار المدني على دراجاتنا الهوائية متنقلين برحلة تستغرق حوالي 45 دقيقة من محلتنا في منطقة نجيب باشا إلى المطار المدني ( المثنى حاليا) ونعبر أثناء تنقلنا جسر العيواضية الحديدي الذي كان يسمى آنذاك جسر الصرافية ، ونسير بطريقنا إلى المطار ، بجانب معامل الشالجية التابعة للسكك الحديدية العراقية ، ثم نتوجه بمحاذاة المطار الذي يكون على يميننا وبإمكاننا مشاهدة المدرج حيث لم يكن هناك أي سياج يفصله عن الشارع العام الشارع العام ( شارع 14 تموز حاليا) الذي كان بممر واحد آنذاك سوى سياج بسيط من الأسلاك الشائكة لمنع مرور الحيوانات راجع الصورة رقم ( 59 ) للاطلاع على نوعية السياج ، ولم تكن الإجراءات الأمنية مشددة آنذاك فكل شيء كان يجري بسلاسة وأمان . وعند وصولنا إلى بناية المطار الرئيسية ، حيث توجد أمامها ساحة دائرية كبيرة كنا نتجه إما إلى السياج القريب من بناية المطار ،لمشاهدة الطائرات المتوقفة في ساحة المطار ، أو نتوجه إلى الجنوب اكثر وننعطف يمينا إلى ما كان يعرف ببداية شارع أبو غريب الذي يمر من فوق سدة ترابية عالية تفصل المطار عن معسكر الوشاش، وكنا نقود دراجاتنا بالمنطقة ما بين سدة الطريق وسياج المطار الجنوبي ، ونصل إلى بداية المدرج الرئيسي للمطار ، حيث نقف هناك نراقب الطائرات القادمة للهبوط أو تلك التي ستقلع من طائرات الخطوط الجوية المختلفة وقد تكون إما جاثمة في منطقة الانتظار أو على وشك الإقلاع حيث تدرج (Taxing ) مارة بالقرب منا ثم تستدير وتدخل المدرج بمواجهة الريح وتقلع . ومن هذا المكان أيضا أي من الحافة الجنوبية للمطار كنا نقف أحيانا بالقرب من وكر طائرات جمعية الطيران العراقية الذي هو على شكل بنكلة مقوسة كما مبين بالصورة رقم ( 56 ) ونراقب طائرات الجمعية من نوع أوستر وهي تشتغل أو تدرج للمسير إلى المدرج الترابي حيث تقلع وتهبط أثناء فعاليات الجمعية آنذاك لتدريب الشباب أو لطيران النزهة . وفي التصاوير أدناه لقطات التقطتها بكاميرتي الخاصة آنذاك. هكذا كنا نمضي أيام عطلتنا الصيفية والربيعية

   
2- وصول شاه إيران إلى بغداد عام 1953 هروبا من انقلاب مصدق الفاشل

في يوم 16 / آب / 1953 وكان يوم أحد، وبينما كنت أنا وكل من الصديق المرحوم غازي الجنابي، والصديق طارق خيري عمر أطال الله عمره، قد وصلنا إلى مطار بغداد المدني ونحن على دراجاتنا الهوائية، ضمن ممارساتنا اليومية تقريباً أثناء العطلة الصيفية للمدارس، والتي سبق ووصفتها أعلاه. أقول كنا قد وصلنا إلى المطار تواً وكان الوقت قبل الظهر، وإذا بنا نرى رفاً من أربعة طائرات عسكرية مقاتلة عراقية من نوع (هوكر فيوري) وهي تحلق بارتفاع منخفض وتمر من فوقنا بسرعة خاطفة، وأزيزها يصك الآذان، وبعدها بقليل مرت طائرة مدنية صغيرة غريبة الشكل ذات محركين كانت طائراتنا الفيوري ترافقها. استمرت الفيوري تحلق في سماء المطار، بينما استدارت الطائرة الصغيرة والتي علمنا فيما بعد انهها من نوع ( بيج كرافت 18 Beechcraft 18)) ، استدارت وهبطت في المطار . كنا وقد أخذنا الفضول كل مأخذ، قد اقتربنا من السياج الحديدي الممتد على الحافة الجنوبية لبناية المطار المدني، واستندنا إليه وتركنا دراجاتنا الهوائية، وبدأنا نتفرج على ما يجري في ساحة المطار. وصلت الطائرة الصغيرة ونزل منها رجل واحد تتبعه امرأة ثم رجلان. لم نميزهما لبعد المسافة، وتقدم بضعة مسؤولين من المطار لاستقبال الركاب الوافدين، وتحدثوا معهم قليلا، وكانت هناك عدد من السيارات سوداء اللون قد جاءت إلى جانب الطائرة، ومن ثم ركبوا فيها، وتحركت السيارات بسرعة وخرجت من الباب القريب منا واتجهت نحو الطريق المؤدي إلى داخل مدينة بغداد. نحن لم نكن نعلم هوية القادمين ولا غرابة أسلوب استقبالهم وكان ما يهمنا هو مشاهدة طائراتنا الفيوري وهي تحلق كما بينت أعلاه، ومنظر الطائرة الصغيرة الغريب.

   
ولما بدأت حرارة الجو بالتصاعد ونحن في شهر آب اللهاب، عدنا أنا والأصدقاء إلى بيوتنا الكائنة في منطقة نجيب باشا، حيث عبرنا جسر العيواضية الحديدي وعدنا إلى بيوتنا. مساء ذلك اليوم أعلن راديو بغداد بيانا بين فيه أن جلالة الشاه محمد رضا بهلوي قد وصل إلى بغداد بزيارة قصيرة غير رسمية وانه وزوجته سوف يمكثون في بغداد لبضعة أيام للاستراحة يغادرون بعدها. هنا انتبهت لما حدث وسألت المرحوم الوالد الذي كان آنذاك بمنصب وزير الدفاع ضمن تشكيلة الوزارة الجمالية الأولى ، سالته عن الموضوع ، فقال لي ، أن الشاه قد ترك ايران هاربا من الأحداث التي تمر بها بلاده الآن والتي هي بمثابة محاولة انقلاب يقوم به رئيس وزرائه الدكتور مصدق ، وسوف يغادر بغداد قريباً إلى أوربا، واننا في بغداد لم نكن نعلم انه سيأتي إلى بغداد إلا بعد أن وصلت طائرته بالقرب من الحدود صباح اليوم 16 آب 1953 ولما كنا نحن نتابع الأحداث الجارية في ايران ، ولتجنب حدوث ما لا تحمد عقباه لطائرة الشاه وهي محلقة في أجوائنا وتتعقد الأمور كثيرا ، لذا تنسب أن تقوم القوة الجوية الملكية بإرسال أربعة طائرات مقاتلة لمرافقة طائرة الشاه وحمايتها حتى الوصول إلى بغداد بسلام . وأثناء بحثي عن المعلومات المفصلة عن تلك الحادثة كي أدون تفاصيلها، وجدت القصة التي نقلتها جريدة النيويورك تايمز الصادرة يوم 17/8 / 1953 ، والمبينة بالشكل ( 5 ) ، واليكم ترجمتها :

(بغداد، العراق، آب 16 ( رويترز ) – وصل الشاه محمد رضا بهلوي شاه ايران إلى بغداد بشكل غير متوقع هذا اليوم بطائرته الخاصة بعد ان قام رئيس وزراء ايران مصدق بسحق محاولة انقلاب عسكري قام به ضباط من الحرس الإمبراطوري التابع للشاه. كانت مع الشاه الملكة ثريا وطيار ومرافق. ولم يكن لدى أي من أفراد المجموعة أية حقائب، عدا قليل من الملابس التي تخص الزوجين الملكيين والتي كانت مبعثرة في مقصورة الركاب للطائرة ذات المحركين من نوع (بيج كرافت). كان لدى الشاه جواز سفر دبلوماسي وعليه التأشيرة ( الفيزا) العراقية مؤرخة من تاريخ شباط الماضي ، بينما لم يكن لدى الآخرين أية أوراق أو جوازات سفر. طلب الشاه البالغ من العمر 33 عاما وزوجته البالغة من العمر 21 عاماً السماح لهم البقاء هنا لبضعة أيام قبل أن يستمروا برحلتهم إلى أوروبا. وبعد محادثات مكثفة مع الجهات الحكومية العليا، تم اصطحابهم إلى القصر الأبيض الذي هو دار الضيافة الحكومية لكبار الشخصيات. وقد اكد مرافق الشاه أن الشاه لم يكن قد تنازل عن العرش، ولا ينوي التنازل.
وقد كان الشاه يبدو مبتسما وغير مكترث أو منزعج عندما قدم نفسه إلى مدير المطار الذي أصيب بالدهشة وهو يستقبله.) انتهت الترجمة

    


3- ذكريات أخرى من عام 1954 فيضان بغداد

يتذكر الأخوة ممن هم في أعمارنا ، انه حدث في عام 1954 فيضان كبير في العراق ، كادت أن تغرق فيه بغداد ، وقد هب الشعب علاوة على قوات الجيش وبالذات صنف الهندسة العسكرية لتقوية وزيادة ارتفاع السدة الشرقية التي كانت قائمة إلى الشرق من بغداد لحمايتها من الغرق ، ولكن هذه ليست قصتنا ، بل أن الفيضان قد تمت السيطرة عليه وانقذ جانب الرصافة من بغداد من الغرق، ولكن على حساب تفجير السدة الترابية التي كانت تحمي معسكر الرشيد الكائن إلى الجنوب مباسرة من بغداد لتخفيف الضغط عن بغداد ، والتضحية بمعسكر الرشيد ومحتوياته فداء لها. أدى هذا إلى غرق مطار الرشيد العسكري، الذي يضم أيضاً القاعدة الرئيسية للقوة الجوية الملكية، حيث فيه تتمركز معظم إسراب القوة الجوية الملكية، وكلية القوة الجوية، والطائرات الثمينة والجديدة نسبيا انذاك ومنها طائرات فيوري المقاتلة. لذا أصدرت وزارة الدفاع أوامرها إلى قيادة القوة الجوية بإخلاء الطائرات من مطار الرشيد العسكري وأخذها إلى مطارات أخرى قريبة مثل مطار بغداد المدني أو مطارات الحبانية التي كانت ما زالت تحت السيطرة البريطانية انذاك، لأن قاعدة الحبانية لم تسلم إلى العراق إلا عام 1956 كما هو معروف. المهم بالأمر اقلعت طائرات فيوري إلى مطار بغداد المدني، وكالعادة فقد حضرنا إلى المطار أنا والإخوان الذين سبق وذكرتهم، وبقينا نراقب تلك الطائرات وهي تأتي تباعا لتهبط في المطار، وكنا نقف في بداية المدرج حيث تهبط الطائرة وتمر من فوقنا تماما، وهي منزلة القلابات وعجلات الهبوط، وكنت أصورها بكاميرتي الشخصية، واحتفظت بتلك التصاوير إلى فترة طويلة، ولكن للأسف أعطيتها بعد عام 2003 إلى صديق، وأخذها معه وفقدتها. المهم. تمركز كل من السرب السابع والسرب الأول المجهزان بطائرات فيوري في مطار بغداد الدولي وبقيا هناك إلى أن زال الفيضان وجف مدرج مطار الرشيد العسكري وعادت الطائرات إلى أوكارها الأصلية.

     

صورة رقم ( 68 ) رف من طائرات الفيوري العراقية محلقا في سماء العراق 1953

4- رحلات لا تنسى بطائرات الخطوط الجوية العراقية
ولابد لي من ان اذكر ولو باختصار الرحلات التي لا يمكن أن انسأها بطائرات خطوطنا الجوية العزيزة وكانت كالاتي:
- الرحلة الأولى : كانت عام 1956 في شهر آب من ذلك العام، فقد كنت ادرس في الأكاديمية العسكرية البريطانية ( ساندهيرست) RMA SANDHURSTوكنا قد وصلنا إليها أنا وصديقي المرحوم محمود وهيب العزاوي في شهر آب من العام الماضي ، أي قبل سنة . وعندما منحنا العطلة الدراسية بين السنة الأولى والسنة الثانية من دراستنا في تلك الأكاديمية العريقة، قررت العودة إلى العراق لرؤية والدي، الذي كان بحسب معلوماتي مريضاً مرضاً شديداً. لذا ذهبت إلى مكتب الخطوط الجوية البريطانية الرئيسي في لندن، وراجعت ممثل الخطوط الجوية العراقية، وطلبت منه أن يحجز لي على الطائرة العراقية المتوجهة إلى بغداد بعد أيام قلائل. كانت الطائرة من نوع فايكاونت ذات المحركات التوربينية المروحية، وكانت إضافة جديدة لأسطول طائراتنا آنذاك، وكما سبق ووصفتها، راجع الصورة رقم ( 24 ) . وقد أخبرني ممثل الخطوط الجوية العراقية، أن بإمكاني الاستفادة من التخفيض الممنوح للطلاب والبالغ 50% من سعر التذكرة فيكون المبلغ المتوجب دفعه هو 100 باوند إسترليني فقط ويعادل 100 دينار عراقي لرحلة باتجاهين. راجعت الملحقية العسكرية في سفارتنا في لندن، وحصلت منهم على كتاب يؤيد كوني طالب ومستمر بالدراسة، وجلبته إلى مكتب الحجز، فمنحني التخفيض وأصدر البطاقة بالسعر المبين. وفي اليوم المحدد من شهر آب (أغسطس) ولم اعد أتذكر تاريخه بالضبط، ذهبت أنا واخي وصديقي محمود وهيب بسيارتي (كانت قديمة ومن نوع ديملر طراز 1937) اشتريتها بمبلغ 120 باوند من المزاد مدينة (الدرشوت) بالقرب من مدينة (كامبرلي) حيث الأكاديمية . اتينا إلى المحطة الرئيسية في لندن والكائنة بالقرب من محطة فيكتوريا ، حيث بناية الترمنال (Terminal ) فنزلت من السيارة وسلمتها إلى محمود ، لكنه رفض استلامها خوفا من عطلها وحيرته بها فقد كانت سيارة قديمة، لذا تركناها مركونة إلى جانب الرصيف بالقرب من المحطة لحين عودتي . بعدها ركبنا الباص من المحطة وتوجهت إلى مطار هيثرو القريب وعن طريق هامرسمث ، وعند وصولي ، واكمال إجراءات السفر ، صعدنا إلى الطائرة ، فكانت جديدة ونظيفة ولاحظت انها كانت عريضة البدن أيضا حيث المقاعد مريحة والمسافات بينها ملائمة . ثم أقلعت بنا نحو بغداد مرورا بروما وإسطنبول ثم بغداد . عند وصولي بغداد ثم وصولي إلى البيت ، تفاجئ أن والدي كان قد فارقنا إلى رحمة الله في شهر نيسان الماضي ولم يكونوا قد أخبروني بذلك ، فكانت صدمة مؤلمة لي. بعد انتهاء الإجازة عدت إلى لندن على نفس الطائرة . لذا فان هذه الرحلة لن انساها مطلقا .
- اما الرحلة الثانية فقد كانت يوم9/ 1 / 1959 ، وهي الرحلة التي كان يفترض ان تدوم أسبوعا واحدا إلى البصرة الفيحاء بمناسبة زواجي يوم 8/1 / 1959 . وكانت هذه المرة بواسطة طائرة الفايكنك، وقد أخذناها من مطار بغداد صباحا إلى البصرة، وكان سعر التذكرة 10 دنانير للشخص ذهابا وإيابا . وقد نزلنا في فندق شط العرب الملاصق للمطار، لكننا عدنا إلى بغداد في اليوم التالي بسبب وعكة صحية ألمت بي فقررنا العودة بنفس الطائرة وإكمال ما تبقى من إجازة الزواج بين الأهل والأحباب. وهذه رحلة لن انساها مطلقا.
- اما الرحلة الثالثة ، وهي ربما تكون الأخيرة على متن طائرات خطوطنا الجوية العزيزة ، فكانت في أيلول 2006 ، من بغداد إلى عمان ، ونلاحظ ان الفترة الزمنية بين رحلتي الأولى عام 1956 ورحلتي الأخيرة هو 50 سنة ، فيالها من مفارقة .

5- التعاون مع الخطوط الجوية العراقية أثناء رئاستي للاتحاد الجوي العراقي ونادي فرناس الجوي
كنت قد تشرفت برئاسة الاتحاد الجوي العراقي ونادي فرناس الجوي ، والذي ابدل اسمه بعد استشهاد الفريق أول الركن الطيار عدنان خير الله وزير الدفاع وراعي حركة الرياضة الجوية في العراق منذ عام 1969 إلى حين استشهاده ، ابدل اسم نادي فرناس الجوي إلى اسم نادي الشهيد عدنان خير الله الجوي وبأمر من رئيس اللجنة الأولمبية عام 1991 في المرحلة التي أعقبت مباشرة أحداث الكويت والتي شهدت إعادة تنظيم واسعة بالنوادي ومنشئات اللجنة الأولمبية الوطنية ، ولا حاجة لنا للتوسع في هذا المجال لأنه ليس موضع بحث هذا المقال ، إنما أوردت هذه المقدمة لأبين مدى التعاون بين الخطوط الجوية العراقية ونادي الشهيد عدنان خير الله الجوي ( فرناس) والاتحاد الجوي العراقي أثناء فترة تشرفي برئاستهما . والحق يقال انه قبل أحداث الكويت لم يكن التعاون كبيرا جدا مع الخطوط الجوية العراقية، فقد كانت وزارة الدفاع والقوة الجوية العراقية تؤمن جميع احتياجات النادي سواء الفنية أم الأدرية منها، كون نادي فرناس كان برئاسة وزير الدفاع الفخرية، وارتباط النادي بديوان وزارة الدفاع بالرغم من كونه نادي مدني، وهذا ليس بالشيء الجديد ففي البدء كانت جمعية الطيران العراقية مرتبطة بوزارة الدفاع في مراحلها الأولى كما تبين الوثائق التاريخية ذلك. ولكن بعد أحداث الكوت وفي عام 1991، وتحت ظل الحصار وبعد صدور قرار اللجنة الأولمبية بإلغاء جميع النوادي الجوية ودمجها بنادي واحد وتسميته باسم (عدنان خير الله، بدلا من فرناس) فقد أصبح النادي بحاجة ماسة إلى إسناد من أية جهة يمكن أن تقدم له مثل هذا الإسناد، وقد وجدنا في الخطوط الجوية العراقية خير معين، ولاسيما في عهد كل من المرحوم نور الدين صافي والسيد ربيع محمد صالح. فقد سهلوا لنا الأمور وتعاونوا بموجب صلاحياتهم تعاونا جميلا حميدا ، ففام المرحوم نور الدين صافي بتزويد النادي ببعض الأثاث والخزانات الحديدية والمكيفات وبعض المتطلبات الإدارية الأخرى التي تحتاجها بناية النادي الجديدة في المنصور والتي تمكنا من الحصول عليها وتخصيصها إلى نادينا بجهود المرحوم الفريق أول الركن عدنان خير الله ، الذي استحصل موافقة مجلس قيادة الثورة آنذاك لتخصيصها إلى النادي كمقر له ومازالت حتى الآن ، بينما في زمن الأستاذ ربيع محمد صالح ازداد التعاون فاصبح تعاونا من الجهتين ، ففي الوقت الذي ساعدت فيه المؤسسة العامة للطيران المدني والسلامة الجوية بالاعتراف بشهادات التدريب التي كان نادينا يفتحها ويمنح بموجبها شهادات الطيران التجاري الآلي ، قامت الخطوط الجوية بالتعهد بتشغيل خريجي دوراتنا في الخطوط الجوية عند تخرجهم وكان ذلك بين عامي 1999-2000 ، كما قام النادي بتقديم المساعدة في تمكين طياري الخطوط الجوية من جمع ما يكفي من ساعات الطيران على طائرات النادي التي كانت مسجلة مدنيا في السلامة الجوية العراقية ، فقام هؤلاء الطيارين بالقدوم بوجبات إلى النادي للتحليق بطائراتنا لجمع الساعات المطلوبة لتمكينهم من تجديد شهادات ورخص طيرانه لدى المراجع وسلطات الطيران الدولية . واذكر جيدا كيف أن الخطوط الجوية العراقية قد تعاونت معنا وكان مديرها العام الأستاذ ربيع محمد صالح يحضر فعاليات النادي المهمة وكما مبين في هذه الصورة التي تبينه مع بعض مسؤولي الخطوط الجوية، واقفا مع كل من قائد القوة الجوية آنذاك والمعاون الفني للقوة الجوية ورئيس النادي (كاتب هذه السطور) وعدد من الطيارين والفنيين المبينة أسمائهم على هذه الصورة التذكارية بمناسبة افتتاح (متحف نماذج الطائرات للقوة الجوية العراقية) ، والذي ضم نماذجا مصغرة لجميع الطائرات التي خدمت في قوتنا الجوية الباسلة منذ تأسيسها وحتى عام 2000 ، وكانت النماذج المصغرة هذه من صنع أعضاء النادي المهتمين بصناعة النماذج المصغرة ، فمنها من كان مصنوعا من الصفائح المعدنية ومنعا من البلاستك الصلب ، وقد عرضت جميعها في قاعة النادي الرئيسية عند مدخل النادي ووضعت في خزانات عرض خشبية بنوافذ وسقف زجاجي جميلة وضعت جميعها على مناضد خشبية كبيرة مستطيلة أهدتنا إياها خطوطنا الجوية العزيزة ، ووضعت مواصفات كل طائرة أمامها ومتى دخلت الخدمة في قوتنا الجوية ، كما وضع اسم من صنع تلك النماذج إزاءها، ويجدر بالذكر أن هذه النماذج كانت صناعة محلية 100% ولم تكن شراءً لما يعرف بنماذج الطائرات التي تبيعها شركات عالمية معروفة ، ونال هذا المتحف استحسان الجميع ، ولكن للأسف نهبت محتوياته عام 2003 وضاعت النماذج الجميلة ، ولكن بجهود الشباب المثابرين فإنني متأكد أن سيكون بالإمكان إعادة صناعتها ثانية إن انصرفت الإرادة إلى ذلك . هذا غيض من فيض وددت ذكره هنا لإكمال الصورة الرائعة لأهم لنشاطات الطيران المدني في العراق منذ نشؤه في العهد الملكي وحتى تاريخ متأخر قبل 2003.

   


الخاتمة
حاولت في هذا المقال القصير أن اذكر ابرز النقاط والمحطات الهامة في تاريخ الخطوط الجوية العراقية اعتبارا من تأسيسها كقسم تابع إلى جمعية الطيران العراقية يشّغِل ثلاثة طائرات نقل خفيفة من نوع رابيد دراغون مزدوجة الأجنحة مزدوجة المحركات، إلى أن أصبحت عند نهاية العهد الملكي تمتلك أسطولا من ثلاثة طائرات مروحية توربينية من طراز فايكاونت، وأربعة من طراز فايكنك وخمسة من طراز ديهافيلاند دوف . لقد كانت الخطوط الجوية العراقية واحدة من أعرق الخطوط الجوية في الشرق الأوسط إذ تأسست فعليا عام 1938 ومارست نشاطها للسفر بين العراق والأقطار المجاورة منذ ذلك التاريخ. وكانت ثاني خطوط جوية عربية يتم تأسيسها آنذاك، فقد سبقتها الخطوط المصرية فقط، أما الخطوط اللبنانية أو طيران الشرق الأوسط فقد تأسست عام 1945، والسورية عام 1946، أما الإيرانية فعام 1944. حتى عام 2003 كانت الخطوط الجوية العراقية آنذاك هي الشركة المدنية الوحيدة المخولة تشغيل طائرات النقل أو الحمل المدنية في العراق وتعتبر حاملة العلم العراقي. وتطورت هذه الشركة كثيرا في العهود الجمهورية التي تلت العهد الملكي، لكن هذه الحقبة هي خارج مجال بحثنا هذا. وتم ذكر بعض الأسماء لبعض الشخصيات والذوات، وهي لم تأت على سبيل الحصر، بل على سبيل المثال فقط، والمرجو من كل من يطالع هذا البحث أن يضيف إليه ما عنده استكمالا للمعلومات والأحداث.

شكر وتقدير
جرت العادة ان تكون هذه الكلمة في بداية المواضيع، ولكن نظرا لآن هذا الموضوع قد كتبته بشكل غير تقليدي لذا سأضع كلمات الشكر هذه هنا في النهاية وأقول:
ولابد لي وانا انهي هذا المقال الطويل والقصير بنفس الوقت، فانه طويل بالنسبة لما جاء بعنوانه، وقصير بالنسبة لتوثيق تاريخ الطيران في العراق ولاسيما تاريخ خطونا الجوية العزيزة والتي تحتاج إلى مجلد أو مجلدات لتوثيق تاريخها ولاسيما من قبل منتسبيها القدماء، مع التطرق إلى تاريخها في الأوقات الصعبة المعروفة من قبل الجميع أيام الحصار في نهاية القرن الماضي، وأيام ما بعد 2003، وكيف نهضت ثانية كما تنهض العنقاء، فتحية لخطوطنا الجوية العزيزة وكل العاملين بها قدماء وحاليين. كما لابد ان اشكر كل من عاونني على كتابة هذا المقال والتوسع فيه ، وأخص بالذكر منهم أخي شقيقي المهندس عياض حسين مكي خماس والذي هو أيضا من محبي الطيران ولديه شهادة الطيران الخصوصي ، بل ان مهارته في الطيران تجاوزت هذه الشهادة كثيرا حيث ساهم في تدريس دورات الطيران التي كنا نقيمها في نادي عدنان خير الله الجوي بتدريس مادة (الايروداينامكس) ويمارس الآن هوايته بالطيران على المشبهات المتطورة لطائرات البوينغ والإيرباص كلما سنحت له الفرصة ، والذي تفضل فراجع هذا المقال قبل إن انشره وابدى لي ملحوظاته القيمة . كما اشكر ابنه المبدع السيد نوفل عياض حسين مكي، والذي قام بتلوين بعض تصاوير الطائرات التي أدرجتها في هذا المقال تلوينا حقيقيا رائعا باستخدام برامج فوتو شوب، فلهما مني كل الشكر والعرفان. ولابد أيضا أن اشكر الكابتن مهدي العبيدي ( أبو رائد ) العزيز الذي عملنا معه سويا أيام نادي فرناس ونادي عدنان ، والذي اصبح صديقا وفيا ليس لي فحسب بل لشقيقي المرحوم الدكتور عصام حسين مكي حيث كان هاويا حقيقيا للطيران ، وكذلك لشقيقي عياض ومدربا لابنه المرحوم الطيار الكابتن عمر عياض، فقد امدني بالكثير من المعلومات التي أوردتها في هذا المقال وأشرت إليه كمصدر لها في مكانها المناسب، كما لابد من أن أتوجه بالشكر الجزيل والوفير إلى أخي وصديقي العزيز الغالي الأستاذ إسماعيل خليل ( أبو اسجل) الذي زودني بالكثير من المعلومات الدقيقة والتصاوير النادرة عن خطوطنا الجوية العزيزة والتي عمل بها لمدة اكثر من 40 عاما تمثل كل حياته المهنية ، والتي اشغل فيها مناصب ابتدأت من تعيينه بدرجة كاتب فيها وارتقى سلم الوظيفة باقتدار وبمثابرة وبجهود اعتمد بها على الله أولا وعلى نفسه ثانيا ، فلم يكن من ذوي الوساطات كما نعرفهم ، بل من ذوي الكفاءات النادرة ، فوصل أخيرا إلى منصب المدير العام وكالة للخطوط الجوية العراقية ، ومن ثم عمل مستشارا اقدما فيها، إلى أن أحيل على التقاعد قبيل 2003 بقليل . حيا الله صديقي العزيز أبو أسيل المحترم وأطال عمره. ولابد أيضا من أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى الأخت العزيزة السيدة أميمة مشتاق، كريمة المرحوم أكرم مشتاق، وزوجة أخي وصديقي الدكتور فالح حنظل شيخ المؤرخين حاليا في أبو ظبي العزيزة في الإمارات العربية المتحدة، والتي تكرمت فجعلتني اطلع على أرشيف التصاوير الخاصة بالمرحوم والدها، وسمحت لي التقاط بعضا منها ومنها تصاوير نادرة، ولاسيما تلك المتعلقة بافتتاح بناية المطار المدني ببغداد، والتي لم يسبق لها أن نشرت، فلها مني جزيل الشكر والتقدير. وأخيرا أتوجه بالشكر الجزيل لكل من يطالع هذه الخواطر ويتمتع بها. آملا ان أكون قد وفقت في ذلك.

علاء الدين حسين مكي خماس
11 / مايس / 2019

المصادر والمراجع 

1- وزارة الدفاع العراقية، مديرية التطوير القتالي، التاريخ الرسمي للقوة الجوية العراقية ، الجزء السابع والعشرون، بغداد ، 1988
2- الكاتب خالد حسن الخطيب. الطيران في العهد الملكي، مجلة الكاردينيا،
https://www.algardenia.com/2014-04-04-19-52-

20/zamanmadejamel/18736-2015-09-04-19-52-06.html

3- الدكتور إبراهيم خليل العلاف ، من تاريخ الخطوط الجوية العراقية ، مجلة الكاردينيا الالكترونية ، الرابط

https://www.algardenia.com/mochtaratt/23319-2016-04-23-12-06-06.html

4- محادثات ومراسلات شخصية عبر تطبيق الواتس أب مع الكابتن مهدي العبيدي ، والمهندس فريد حنظل ، والأستاذ إسماعيل خليل .

5-http://www.iraqwho.com/About_TheEconomy_TRANSPORTATION_airways.asp

https://en.wikipedia.org/wiki/Iraqi_Airways

7- إسماعيل خليل محمد، تطور النقل الجوي الدولي واثر التكتلات الإقليمية على النقل الجوي العربي، بحث موسع غير منشور، بغداد، 1993.

8- موقع رابطة الطيارين العراقيين على الفيس بوك

https://www.facebook.com/B737N/

9- السيدة أميمة مشتاق، كريمة المرحوم أكرم مشتاق.

10- https://archive.nytimes.com/www.nytimes.com/library/world/mideast/081753iran-shah-flees.html

11-اكتشفت عند وصولي البيت في بغداد، انه كان قد انتقل إلى رحمة الله منذ شهر مايس 1956 أي قبل بضعة اشهر ، ولم يخبرني أحد بذلك ، بناء على طلب من الوالدة رحمها الله ، لعدم الإخلال بمسيرتي الدراسية بالخارج ، وإخباري بذلك في وقت آخر اكثر ملائمة .

للراغبين الأطلاع على الجزء الثاني:

https://algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/menouats/40179-2019-05-22-14-50-43.html

   

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

401 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع