ذكريات عن سلام عادل وسيرته السياسية والحزبية حتى عام ١٩٦٣ - الحلقة الأخيرة

           

ذكريات عن سلام عادل وسيرته السياسية والحزبية حتى عام ١٩٦٣ -الحلقة الأخيرة

  

مَن أجهز على سلام عادل ؟ 

وسألتُ محسن الشيخ راضي من كان يقوم بالتعذيب لأنك المتهم الأول بذلك، فقال لا أريد أن أبرئ أحداً فكلّنا "مرتكبون ومسؤولون" وقد أكّد عبد الستار الدوري إن حزب البعث هو المسؤول وحتى من لم يشترك فإنه لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية عمّا حصل، وقال الشيخ راضي، إن المسؤولين المباشرين عن قصر النهاية والأكثر حماسة لتعذيب الشيوعيين هم: مدحت ابراهيم جمعة وعمّار علوش جمعة ومحمد المهداوي وهاشم قدّوري وبهاء شبيب، وكان يتردّد بعض جماعة القاهرة أحياناً، مثل عبد الكريم الشيخلي وأحمد طه العزّوز وغيرهما، وسألته من أجهز عليه؟ فقال يبدو أن وضعه كان منتهياً ولم يكن فيه ما يستطيع مواجهة الأهوال والتعذيب القاسي، فتوفّى إثر إحدى الضربات القاسية. ثم سألته هل أن علي صالح السعدي هو من أجهز عليه وأطلق "رصاصة الرحمة" كما روى آرا خاجادور، فنفى بثقة وقال لم يطرق سمعي ذلك ولو حصل مثل هذا الأمر فهو ليس سرّاً، بل سيكون خبراً سريع الانتشار حتى لو تم التكتّم عليه، وأضاف الشيخ راضي إن نزعة الانتقام والثأر والحقد والكراهية كانت سائدة داخل صفوفنا، وهي التي غلبت على تصرفاتنا، ولا سيّما القيادات العليا، وخصوصاً العسكريين منهم التي كانت تميل لاستئصال الشيوعيين وعدم التساهل معهم مطلقاً، وحين حصلت حركة حسن السريع في معسكر الرشيد (3 تموز /يوليو 1963)، استشاط العسكرييون غضباً ونظموا حملة للتصفيات الجديدة سواء الإعدامات المعروفة أو قطار الموت الشهير، بل إنهم استذكروا ما حصل من قمع للبعثيين والقوميين خلال المدّ الشيوعي العام 1959، وخصوصاً الارتكابات والانتهاكات والجرائم في الموصل وكركوك. وذكر نوري عبد الرزاق (السكرتير العام لمنظمة التضامن الأفرو- آسيوي) للباحث إن علي صالح السعدي زاره في العام 1969 حين عاد إلى بغداد وتعزّزت علاقته معه وقد أبدى ندمه الشديد على ما حصل وكانت اللقاءات تتكرّر معه ومع آخرين وفي إحدى المرّات حاول جلال الطالباني أن يستفزّه، وكان السعدي حينها منشرحاً فقال له: لو جاء الشيوعيون إلى الحكم وأعدموني في ساحة التحرير سأكون "سعيداً"، وقد وثقت هذه المعلومات التي سمعتها من نوري عبد الرزاق في السبعينات مجدداً وقبل إرسال هذه المقالة للطبع وذلك بهدف التدقيق وبحثاً عن الحقيقة. وكان عبد الستار الدوري قد نفى بشكل قاطع أن يكون علي صالح السعدي قد أجهز على سلام عادل وإنه كتب إلى آرا خاجادور بهذا الخصوص بعدما نشر مقالته " من هو عادل سلام"؟ وحاول تذكيره بأن اللقاء والتعارف بينه وبين علي صالح السعدي تم في بيته حين كان ملحقاً ثقافياً في تشيكوسلوفاكيا وبحضور الجواهري ونوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وموسى أسد، وكان يفترض حضور كاتب السطور لولا عدم وجود تلفون لديه حينها.
ردود فعل
وكانت الوليمة قد التأمت بعد حادث حصل في براغ سبق لمحسن دزئي السفير العراقي حينها أن رواه في كتابه "أحداث عاصرتها" ( جزءان، دار آراس، إربيل ، 2002). وقد استذكر أطرافاً منه مهدي السعيد في كتابه "الجذور" (بيروت، دار الفارابي، 2017) ومفاده أن حفلاً أقيم في براغ بمناسبة الذكرى الثانية لبيان 11 آذار/مارس 1972 وكان كاتب السطور حينها رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين وكان لدى الجمعية فرقة فنية وقام الطالب حينها د. علاء صبيح (وهو حيّ يرزق في براغ) بتأدية بعض المقامات العراقية، مما أطرب علي صالح السعدي، فقام من طاولته ليصافحه ولكن صبيح أبى ذلك وسحب يده، وحين سأله لماذا؟ قال له لأن يديك ملطختان بالدماء، وحصل نوع من الاحتدام في القاعة وكانت طاولة السفير تضم عبد الستار الدوري وعلي صالح السعدي والملحق العسكري ومهدي الحافظ وموسى أسد الكريم وكان يفترض أن يكون فيها كاتب السطور وطارق عقراوي (سفيرنا في فيينا لاحقاً) باعتباره رئيساً لجمعية الطلبة الأكراد.

وحاولنا معالجة الموقف (عقراوي وكاتب السطور) واحتواء ما حصل والتقيت بعد يوم أو يومين بعلي صالح السعدي، وتلك قصة أخرى سأحاول روايتها واستعادة حواراتي معه وكنت قد تعرفت عليه في بغداد في المقهى البرازيلية في شارع الرشيد، وعلى أثرها نظم أبو لادا (عبد الستار الدوري) وليمة تم التعارف فيها كما يقول بين خاجادور والسعدي.

الذاكرة والشيخوخة
قلتُ للدوري ربما تكون الذاكرة قد تحرّكت، لا سيّما هو استحقاق العمر، وقد يكون المشهد قائماً بأن ما رواه السعدي بأن "رصاصة الرحمة" كانت وحدها توقف آلام الرجل، وقد يكون الزمن غيّر المشاهد والصور، وهي أمور طالما تحدث بتقادم الزمن. وقد حاولت في الأسئلة الموجهة من طرفي إلى آرا خاجادور (72 سؤالاً) والمنشورة في جريدة الزمان بتاريخ 9/12/2017، وكنت قد وجهتها إليه قبل نحو سنتين (20/2/2016) أن آتي إلى الإشارة إلى محسن الشيخ الراضي وروايته في السؤال رقم 35 والذي ورد فيه: "راجت إشاعات كثيرة حول استشهاد الرفيق سلام عادل، ولعلّها أكثر انتشاراً قيام محسن الشيخ راضي بالإشراف على تعذيبه عند اعتقاله، هل لديك معلومات وما هي أقرب الروايات إلى الواقع وكيف يمكن فحص دقتها؟ وكنت قد سألت الشيخ راضي عند زيارته لي في فندق فلسطين "الميرديان" (بغداد)، فقدّم رواية أخرى سأحاول نشرها؟ ماذا تقول؟" لكنني لم أفضّل الخوض في تفاصيل أخذت أتلمّس صعوبتها مع الأمراض والشيخوخة وازدحام الأحداث في ذاكرة موجعة بحاضر صعب كان يعيشه آرا خاجادور. ويعترف حازم جواد وإنْ كان اعترافه قد احتوى الكثير من المتناقضات والمفارقات مع غسان شربل بمجزرة تمت في غفلة حيث أعدم 30 عسكرياً، ويقول: إنني أؤكد بعد 40 سنة أنها مجزرة خسيسة ودنيئة دبّرها صالح مهدي عماش وبتأييد من عبد السلام والبكر وطاهر يحيى، ويذكر أنه أعلن عن تبرئة الحزب منها وكذلك فعل طالب شبيب وعلي صالح السعدي وسعدون حمادي حسب محسن الشيخ راضي. لكنه لم يقل لنا أين هي مسؤوليتهم كحكام سواء على الصعيد القانوني أم السياسي أم الأخلاقي؟ وكمختتم لهذا المبحث كان ابراهيم الحريري معتقلاً في قصر النهاية أيضاً واعتقل في اليوم ذاته الذي اعتقل فيه سلام عادل، وقد بقي معه في السرداب ليومين وروى لكاتب السطور كيف كان يجبر سلام عادل على أن يظلّ واقفاً بدون نوم وهو يعاني من آلام شديدة في الفقرات وعرق النسا ومشاكل في العمود الفقري، لا سيّما بعد جولات التعذيب التي تعرّض لها وكان قد خاطب من معه في السرداب: إنها محنة وعلينا الصمود. وتقول زكية شاكر وكانت حينها عضواً في لجنة بغداد للحزب ومعتقلة مع سلام عادل في قصر النهاية، أنها شاهدته في سرداب القصر وعلى الرغم من التعذيب كان يستجمع ما بقي له من طاقة ليطلق حشرجة. ويروي الحريري كيف تدهورت صحة سلام عادل حيث بدأ يفقد السيطرة على نفسه في مساء اليوم الثاني وكان قد بدا واضحاً أنه لن يستمر على قيد الحياة منذ اليوم الثالث حيث فارق الحياة في اليوم الرابع ويقول لقد وقع علينا الخبر مثل وقع الصاعقة واسودّت الدنيا بأعيننا، خصوصاً حين سمعنا وشاهدنا سلام عادل بشموخه وكبريائه وهو محطّم وفاقد السيطرة على نفسه ويهذي. (حديث خاص مع الكاتب في دمشق، حزيران/يونيو/1984).

المصدر/ المشرق - عبدالحسين شعبان

للراغبين الأطلاع على الحلقة السابفة:

https://algardenia.com/terathwatareck/37436-2018-10-16-16-11-49.html

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

483 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع