عبدُ اللهِ بنُ جدعان الرّجلُ الكاملُ

          

         عبدُ اللهِ بنُ جدعان الرّجلُ الكاملُ

عبدُ اللهِ بنُ جدعانَ أحدُ أعظم رجالاتِ العربِ العظيمةِ قبلَ الإسلامِ، إن لم يكن أعظمهم من دون ريب، وأثرى أثريائِهم إطلاقاً، لا يأكلُ إلا بآنيةٍ من ذهبٍ وفضٍة، اشتهر بالكرم والنّبل والحكمة، كان أقوى أهلِ مكّة تأثيراً في جيلِه، فلهيبتِهِ أصبحتْ دارُه مقراً لاجتماعاتِ شخصياتِها الخاصة والعامةِ، ولعمق تفكيره، وجهوده الهائلة استطاع جمع شخصيات مكّة في دارِهُ وحملهم على توقيع أهمُّ حلفٍ في تاريخ العرب قبلَ الإسلامِ، وهو حلفُ الفضولِ، وقد حضرَهُ محمدٌ وهو في عشريناتِه، وأشادَ به.

يعدّ حلفُ الفضول أهم وثيقة مشرّفة وقعتها شخصيات العرب في تاريخهم قبل إقامة دولة لهم، وهو أشبه بالمكناكارتا. وأوّل حلفٌ في مكّة يعقدُه زعماؤها لإقرار وثيقةٍ تنصُّ على أن ينصروا أيّ مظلومٍ فيها، حتى لو كان غريباً، وأن يقفوا معه بكلِّ ما يستطيعونَ من قوّة ووحدة كلمة، حتى يستعيد حقوقَه كاملةً، أطلق على الحلف "حلف الفضول"، لأن كلمة الفضول تعني الحقوق أولاً، ولأن اسم الفضل كان لثلاثة زعماء ممن حضروا التّوقيع ثانياً. ويقال أن غريباً قدم إلى مكّة بعد توقيع الحلف ومعه ابنةٌ كاعب حسناء، فأخذها منه عنوةً أحد أسياد مكّة، فوقف الغريب قرب الكعبة ونادى: يا لحلف الفضول.

فأسرع إليه العشرات مسلّحين، وساروا إلى بيت المغتصب، وأهانوا المغتصب، وأخرجوا الفتاةَ، وسلموها لوالدّها.  

ولعظمةِ شخصية ابن جدعانَ كانتْ وفودُ العربِ إلى سوقِ عكاظ تسلّمُهُ سلاحَها قبل أن تذهب إلى السّوق، فيبقى عنده حتى ينتهي موسمُ الحجِّ. إذ كان القتال في موسم الحج وهو ثلاثة أشهر محرم بشكل باتٍ.

             

وسوق عكاظ أشبه بمهرجان كبير للعرب قبل الإسلام، يعقد في سهل منبسط بين مكّة والطّائف، يبعد عن مكّة 80 كم، وعن الطّائف 40 كم، وفي السّوق تعرض البضائع للبيع والشّراء وتجري المساجلات الشّعرية، والنّقاشات، في جوٍّ من الأمان. مدة السّوق عشرون يوماً، تبدأ فيها الأشهر (ذي القعدة، ذي الحجة، محرم)، ولأن مكّة أهمّ مدينةٍ تجاريةٍ في الجزيرة العربية قبلَ الإسلامِ، فقد كانت تعرض بضاعتها المستوردة من القارات الثّلاث في سوق عكاظ، وهذا يعني أن العرب يتموّنون بكلّ حاجاتهم من هذا السّوق، فالجزيرة العربية شاسعة والقبائل منتشرة في أرجائها والمدن الكبرى بعيدة عن مضارب القبائل بعداً شاسعاً، ولا سبيل للحصول على المؤونة إلا من هذا السّوق.

وظهرَ حسن أخلاق عبد الله بن جدعان الرّفيعة حينما تسلّمَ أسلحةَ قبيلةِ هوازنَ، وهي قبيلة ضخمة جداً، وفي حالةِ عداءٍ معَ بعضِ القبائلِ الموالينَ لأهلِ مكّة (مدينتِهِ). فجاءَهُ وفدٌ من حلفاء قبائل مكّة، برئاسةِ صديقٍ عزيزٍ لهُ، يطلبُ منه أن يسلّمهم أسلحة هوازن، لأنَّهم خطّطوا للغدر (داخل مكّة" بها، لأنهم سيكونون عزّلاّ. رفضَ ابنُ جدعانَ رفضاً قاطعاً، واعتبرَ ذلك نقضَاً للعهدْ وخيانةً. لكنّه وعدَ بتسليحِ منْ يقاتلُ هوازنَ على نفقتِهِ الخاصةِ، بعد الموسمِ، على أن يكون القتال شريفاً.

كانَ ابن جدعان من جملةِ نفرٍ قليلٍ منْ شخصيّاتٍ العربِ قبل الإسلام الذين حرّموا على أنفسِهمْ شربَ الخمرِ، وكانَ يحمي من يلجأُ إليهِ، حتى لو كان مطلوباً من قبلِ أقوى أقوياءِ عصرِهِ. فقد حمى الحارثَ بن ظالمٍ الذي هربَ من ملكِ الحيرةِ، لأنه قتلَ ضيفَ الملكِ أمام الملك، وهذا تحدٍّ هائل، فالنّعمان ملك قوي لكنّه لا يستطيع إرسال جيش إلى مكّة للإنتقام من ابن جدعان، لأن مكّة مدينة مقدسة، وإن فعل فستتحد القبائل العربية كلّها ضده وتهزم جيشه. لكن النّعمان يستطيع أن يقطع طريق ابن جدعان عندما يزور صديقه امبراطور فارس، ويقضي عليه، ونتيجة ذلك توقّف ابن جدعان عن زيارة كسرى.

لحكمة ابن جدعان أصبحَ مستشاراً وحكماً يُستشارُ في المنازعاتِ والخصوماتِ، وكانَ يأكلُ على مائدتِهِ كلّ فقراء مكّة، أو منْ لا يجدُ طعاماً، وكلّ حاجٍ من الذينَ يزورنَها لغرض الحجّ في موسمِ الحجِّ أو بعده. وأمر بصُنع أكبرُ قدرٍ في التّاريخِ، إذْ كانَ أيّ جائعٍ راكبٍ على بعيرِ أو حصانٍ يتناول من القدْرِ ما يشاءُ مجاناً دونَ أنْ ينزلَ عنْ دابّته، نهاراً ليلاً، وتذكر الروايات أن طفلاً سقط من ظهر جمل ومات حالاً.

ابن جدعان أوّل من تبرّعَ بتقديمِ الحلوى للجميعِ، من دونِ مقابلَ، فقد تذوِّقَ فالوذجاً وهي حلوى تصنع من العسل الأبيض والسّمن والنّشاء أو الرّز وماء الورد والزّعفران واللوز المقشور، والطّيوب، وما زالتّ تعدّ في جنوب العراق وإيران. أما سبب تقديمه الفالوذج للفقراء فقد تذوّقها عندما حلّ ضيفاً لدى صديقه كسرى إمبراطورِ الفرس، فأعجبَته، وسأل كيف تصنعُ، وعندما سمع كسرى أنه أرسل 2000 جمل، إلى الشام ليشتري، المواد التي تصنع منها الفالوذجا، أرسلَ له كسرى طباخاً خبيراً بها، يقومُ بإعدادِها لتقدّم مع الطّعام للفقراء يوميّاً، ليأكلها من يشتهيها مجاناً.

ابن جدعان من عائلة أبي بكر، وكان يموّله للتجارة، ويموّل معه صديقه محمّداً، رأسمالاً، يتجّر به قبل أن يتزوّج خديجة.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

787 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع