يْكَسِّر ديَّاتك يا عمشة ،الحبّ هو اللي بِيْطيِّبها

    

       يْكَسِّر ديَّاتك يا عمشة ،الحبّ هو اللي بِيْطيِّبها

  

كان سعيد فلاَّحاً قويَّاً، دائم الابتسامة، طليَّ الحديث، وبقي هكذا مع تقدُّم العر، وعندما كان يُسأل عن ذلك كان يجيب: "حِبْ ونْحَبّ بتبقى شبّ".

أحبَّ سعيد، أيام شبابه، زوجته عمشة، وأحبته هي، ومن حكايات حبِّهما تُروى الحكاية الآتية: كان سعيد يعمل في حراثة أرض أحد كبار ملاكي الأرض، عبد الله.

أحب عبد الله سعيداً، فكان يدعوه إلى مجالسته في المساء، وإلى تناول طعام العشاء على مائدته، وخصوصاً عندما تكون "الكبَّة" هي الطبق الرئيسي على المائدة. كان سعيد يستطيب "الكبَّة" على مائدة عبد الله، فيحمد الله، بعد أن ينتهي من تناول الطَّعام، ويشكر معلِّمه وربَّة المنزل، ويستفيض في الحديث عن شؤون القرية، فيختار أطايب الأحداث، ويرويها بأسلوبه المشوِّق، فيمرُّ الوقت سريعاً، ولا يخرج الفلاَّح الشابُّ إلاَّ وضحكته تكرج أمامه...

وعندما يصبح وحيداً، تتربَّع عمشة في عينيه، تبتسم له ابتسامة ساحرة، فيفرح...، ثمَّ تنظر إليه معاتبة، ويبدو له أنَّه يسمع صوتها الملوَّن بالحزن: - تضحك ولا عبالك... وأنا ناطرة...! فيحث خطاه، ويردِّد: هانِت...، هانت...، أنت في العين والقلب... بعد أيَّام، بتصيري بالبيت كمان... هيي أيام... هانت...

ويواصل حثَّ خطاه، ويدور حول منزلها دوراتٍ عديدة هي زاد كل ليلة، ثمَّ يذهب إلى بيته، وهو يردِّد: هانت... هانت...

تزوَّج سعيد عمشة، فتغيَّرت أحواله مع عبد الله، فقليلاً ما صار يلبِّي دعوته إلى الطَّعام والسَّمر. وإن فعل ذلك، صار يهزُّ رأسه بعد تناول صحن الكبَّة، ويقول: - يكسِّر ديَّاتك يا عمشة، كبتك ما أطيبها...! فينظر إليه عبد الله متعجِّباً، ويقول له: وهاي الكبة شو ناقصها؟ فيقول: شو جاب لجاب... كبة عمشة ما في أطيب منها بالكون! تكرَّر الأمر، فكَّر عبد الله في تدبير، ونفَّذه، إذ أحضر، ذات ليلة، عمشة سرَّاً، وطلب منها أن تجبل هي "الكبَّة".

ولما فعلت ذلك طلب، من سعيد أن يشاركه تناول الطَّعام، فلبَّى سعيد طلبه، وما إن انتهى حتى ردَّد قوله المعتاد: يكسِّر دياتك، يا عمشة... فنادى عبد الله عمشة، وقال لسعيد: هاي عمشة، وهاي الكبَّة... هيي جبلتها...

تأمل سعيد عمشة التي بدت مرتبكة، وابتسم، وراح يهزُّ رأسه، ثمَّ عرضت ابتسامته، وقال: كبة عمشة إلي غير كبَّة عمشة إلك.

فسأله عبد الله بصوتٍ عالٍ: ولم؟!

فقال سعيد: كبة عمشة إلي مجبولة بشي ما حدا بيعرفو إلاَّ اللي ذاقو...

صمت لحظة، وأضاف: كبة عمشة إلي مجبولة بالحب... الحب هو اللي بيطيبها يا ناس... ثمَّ تقدَّم من عمشة، وأمسك يديها برفق، وقال: - "يكسِّر دياتك يا عمشة كبَّتك ما أطيبها"...

وخرج هو وزوجته، وهما يضحكان...

تداول أهل القرية الحكاية، وصار قول سعيد يتردَّد كلما انجز عمل وأتقن بحبٍّ إنجازه...

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

219 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع