نوري السعيد: كولونيل الماني كان السبب في تغيير حياتي

   

 نوري السعيد: كولونيل الماني كان السبب في تغيير حياتي

قبل اربعين عاما من سحله في شوارع العاصمة العراقية بغداد، كان نوري السعيد جنديا مشهودا له بالشجاعة، وكان يثبت صحة النظرية القائلة إن الثورة العربية قد تنجح اذا اعتمدت على رجال من نوعية نوري السعيد أو نوري (باشا) كما اصبح يدعى فيما بعد. في تلك الاوقات العصيبة كان (البكباشي) جمال عبد الناصر والذي اصبح رئيساً لمصر لا يزال طفلا في لحظاته الاولى ويبدو انه لم يكن يعي وقتها انه سيكون سببا في قتل احد اهم رجالات العراق واكثرهم تزعما لكرسي رئاسة الوزراء على يد ثورة قادها عبد الكريم قاسم او (كرومي) كما كان يحب ان يدعوه السعيد. وقد رحل نوري تاركاً وراءه العديد من الانجازات التي لا يحب ذكرها منتقدوه فهو من مؤسسي الجامعة العربية ووثيقة ضمانها الجماعي.. تلك الوثيقة التي كان البكباشي قد اعتمد عليها مع الملك سعود بن عبد العزيز ضد نوري الساعي إلى إتمام حلف بغداد ليبعد خطر الروس القابعين على بعد 30 كيلومترا منه فكان الادعاء ان نوري يريد سلخ العراق من (الامة العربية) ويجر معه لبنان وسوريا والاردن وجاءت الايام وذهبت الايام واثبتت ان العراق كان اخر من انضم الى حلف اميركي مر بمصر ثم السعودية ووصل العراق بفضل الحكومات الثورية التي جاءت على دماء بعضها البعض.

   

ولد نوري السعيد لعائلة متوسطة الحال في العاصمة العراقية بغداد عام 1888 ولم يعرف تاريخ ولادته الكامل، كان والده يعمل محاسبا في الحكومة العراقية وهو ينتمي إلى عشيرة القرغولي. كان الجيش هو المصير الانسب لمن ولد في ظروف نوري السعيد في عائلة عراقية طيبة الذكر والاصل حيث درس في كلية عسكرية كانت بدورها تعد الطلبة للانتقال الى الاكاديمية العسكرية في اسطنبول. درس نوري على يد ضابط ألماني هو فان لوسو، وكان وقتها نوري ضابطا تركيا صغيرا يستعد للدخول الى الحرب العالمية الثانية «كانت الاموال التي اتيحت لي قليلة ولكنني درست في النهاية». خلال احد الدروس، كلفت مجموعة من الضباط بالهجوم على قرية مزعومة فيما قامت المجموعة الثانية بالهجوم عليها وكان السعيد على راس المدافعين، ولان التحصينات كانت قليلة في القرية قرر السعيد من مبدأ انساني ان يسحب قواته لمواجهة القوات الهجومية خارج القرية.. وقد كان هذا لافتاً وكان هذا الدرس من اهم العوامل المؤثرة في حياته.

ويتذكر نوري تلك اللحظات بالقول «قرر الكولونيل ان يوقف التمرين وقرر إلقاء محاضرته على مدى ساعتين ونصف الساعة، قائلاً ان التحصينات دائماً تكون قليلة، حتى وان أردت الدفاع عن قريتك اليوم فإن الدفاعات وأسلحتك الحديثة ستكون قديمة في اليوم التالي بسبب وجود أسلحة وتكتيكات جديدة، واكد أن القائد الناجح يجب ان ينجح في الدفاع عن قريته بالموارد المتاحة، المسألة مسألة واجب وطني، ومن اجل ذلك يجب على القائد ان يستخدم عقله وطاقته بما وضع بين يديه، حتى وان تسبب ذلك في سقوط القرية في نصف ساعة لان بعد ذلك سيعني محاكمة ورصاصة فقط».

ما قاله الكولونيل الالماني كان درساً سيرافق السعيد طوال حياته «لقد اعطاني كلامه الفكرة التي خصصت لها حياتي فيما بعد، وهي ان تكون عملياً، وألا تكون مثالياً، من ينتقدونني دائما يريدون مني ان اكون مثالياً، فاذا كل شيء يأتي كما تشتهي فما نفع مصطلح (القدرة)؟ هذا ما اؤمن به:

ان لا تكون مثالياً، استخدم ماهو تحت يديك، لا تنتظر حتى يكون كل شيء مثالياً لكي تتحرك، وتفقد في النهاية فرصتك». كان لنوري دور كبير في حشد الدعم لطرد الاستعمار الايطالي من ليبيا حينما ارسل هناك عام 1912 لمساندة المقاومة الليبية بقيادة عمر المختار الذي اعدم فيما بعد، وخلال الحرب العالمية الاولى بدأ خطواته الاولى من الاقتراب من العائلة الهاشمية التي اعتبرته احد الوجوه في سياسة العراق الجديدة مع تأسيس العراق في وقتها. كان سعيد قد تحول الى ناشط عربي في جيش الامير فيصل بن الحسين امير الحجاز قبل ان يتم ارضاء الاخير بمنصب حاكم سوريا ثم العراق بعد طرده من دمشق، بدأ الامير في بغداد البحث عن رجال سبق له الاعتماد عليهم في الوغى ايامها وكان نوري احد هؤلاء ومن هناك كانت البداية. كان نوري السعيد على رأس القوة العربية التي دخلت الى دمشق لتحريرها من الدولة العثمانية عام 1918 قبل ان يخسر الامير فيصل دمشق لصالح الفرنسيين في عام 1920 وينفى نوري السعيد الى العراق، وبعد انتقال فيصل الى العراق عينه مديرا عاما للشرطة عام 1922 ليكون اول مدير للشرطة في تاريخ العراق وقد قام بتعيين رجالات جيشه في هذا الجهاز وهو تكتيك استخدمه فيما بعد في كل وزاراته الاربع عشرة التي اسسها فيما بعد والتي شهدت استعانته برجالاته المقربين.

المشرق/ زيد بنيامين

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

913 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع