الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - الدكتور أحمد عبدالستار الجواري (1924– 1988)سيرة عطرة

الدكتور أحمد عبدالستار الجواري (1924– 1988)سيرة عطرة

        

الدكتور أحمد عبدالستار الجواري (1924– 1988)  سيرة عطرة

                

      

               

سبعة  وعشرون عاما مرت على رحيل طيب الذكر الأستاذ الفاضل الألمعي الاديب الدكتور احمد عبدالستار الجواري وزير التربية والتعليم ومن ثم الأوقاف والشؤون الدينية على مدى سنين طوال، كان مثالاً في كل شئ طيب… في المقدرة العلمية والأدبية، وفي المكانة الاجتماعية وفي العطاء الفكري وفي السلوك المهذب القويم، كان دمث الأخلاق يحمل تواضع وهيبة العلماء، عرفه علماء اللغة والآداب كما عرفه أهل الشعر والنحو، على مستوى العراق والأمة العربية جمعاء، كان قريبا من الناس حاز على محبة الجميع، خدم العراق والعروبة والإسلام في ميادين شتى، كتب عنه كثيرون منهم زميله ورفيقه إلى الجنة بإذن الله المرحوم محمود شيت خطاب وزميله في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

تحصيله الدراسي:
أتم الدكتور أحمد عبد الستار الجواري دراسته الابتدائية و الثانوية في مدارس الكرخ   ببغداد , ثم درس في دار المعلمين العالية و التي سميت فيما بعد ***كلية التربية *** و تخرج فيها  بشهادة الليسانس في الآداب بدرجة الشرف الممتاز سنة 1943 م  فأرسل  في بعثة دراسية  إلى كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول في القاهرة حصل منها الليسانس الممتاز في سنة 1945 م ثم الماجستير بدرجة الشرف الموسومة بعنوان الحب العذري سنة 1947 م وعاد أثرها إلى العراق و عين مدرسا في دار المعلمين العالية  فمساعدا لعميدها ثم التحق  بعدها بجامعة القاهرة و نال منها شهادة الدكتوراه في الآداب بمرتبة الشرف عن رسالته الشعر في بغداد عام 1953 م  .
و درس الدكتور أحمد عبد الستار الجواري على يد أستاذه طه الراوي-رحمه الله -العالم النحوي المعاصر في الأربعينات و تأثر بآرائه الأدبية و النحوية كما أخذ العربية عن أساتذة أجلاء آخرين و هم محمد مهدي البصير و ناجي القشطيني …و كذلك درس الدكتور أحمد عبد الستار الجواري  الأدب و العربية خلال دراسته في مصر على يد أساتذته كالدكتور عبد الوهاب  عزام,,زكي مبارك ,, أحمد الشايب ,, أحمد أمين ,,أمين الخولي ,, مصطفى السقا….. و هؤلاء الأساتذة و الشيوخ الذين أخذ عنهم و تأثر بهم كان يذكرهم بكل خير و يثني عليهم بكل مناسبة ما أمكنه الثناء …. و تمكن من خلال دراسته الجامعية من توثيق صلاته العلمية و  الاجتماعية  بعدد ممن كانت تزخر  فيهم  جامعات و منتديات العلوم في بغداد و القاهرة من علماء العربية و البارزين من رجال الأمة و أفذاذها مما وسع من مداركه وفتح آفاقه إلى مجالات رحبة من المعرفة .
كان الدكتور احمد عبد الستار الجواري  ــــــ  رحمه الله  ــــــ  محبا للخير عاكفا على خدمة الناس ويحترمهم ,و كان كثير التزاور مع أصدقائه  ومحبيه  ,  ويتصاغر عند ارتياده  مجالس العلماء أو الأساتذة  الكرام الذين أسبغوا عليه نعمة العلم والمعرفة  ويتواضع عندهم  ولشدة ما يغمره  السرور عندما يصنع معروفا لأحد أساتذته  أو أصدقائه  أو جيرانه أو معارفه …
ولشدة تعلق الدكتور احمد عبد الستار الجواري ـــــــــ رحمه الله ــــــــــ  بالدين وعلمائه فكان يتفقدهم ويزورهم  في بيوتهم  ويغشى مجالسهم  و يأنس بهم في مساجدهم .

                

ولشدة تعلقه بالقرآن وتلاوته وكان على صلة بقرائه سواء كانوا مصريين أو عراقيين فيأخذ عنهم ويناقشهم في علم القراءات وأصول التجويد حتى أصبح -رحمه الله - من الذين قراوا القرآن  وفهموا إسرار تلاوته و حلاوة تجويده وتميز بمعرفة فذة  في طبيعة الأصوات الموجودة  ودرجة إتقانها للتلاوة  …. و من أهم انجازاته في وزارة الأوقاف  انه طبع القرآن الكريم عدة طبعات  في عهد وزارته  ووزعت  مجانا إلى المسلمين في جميع إنحاء العالم تلك الطبعات التي كانت تمتاز بالدقة والأناقة و الجودة … كما استطاع إن يزيد في ميزانية الأوقاف وذلك بإعادة النظر بأجور أملاك الأوقاف المؤجرة على أسس عادلة, واستطاع إن يحول قسما من هذه الزيادة إلى ميزانية رواتب الموظفين العاملين في خدمة بيوت الله ويرفه عنهم ليحفظ لهم العيشة المحترمة… وخصص لكل مسجد مكتبة  تزويدها الأوقاف بما تيسر  من كتب التراث الإسلامية و الكتب النافعة الأخرى وهكذا قرن العبادة بطلب العلم .
وكان الدكتور احمد عبد الستار الجواري  ملتزما بأداء الفرائض في وقتها وبخاصة الصلاة التي هي عماد الدين وطالما رآه زملائه في مجلس الوزراء أو  في اجتماع للجنة من لجان المجمع العلمي العراقي حين يحل موعد الصلاة  فانه يقطع الاجتماع وينهض من فوره ليؤدي  الصلاة في وقتها جماعة مع من يصلي من الحاضرين وقد كان يذكرهم بها دائما ويستنهض هممهم لائداها ثم يعود ليستأنف الاجتماع  …

     

استوزر المرحوم د أحمد الجواري مرتين: الأولى بعد ثورة 14 رمضان (8 شباط) 1963 وزيرا للمعارف، ثم بعد ثورة 17 تموز 1968 وزيرا للتربية والتعليم، وفي عام 1975 صار وزيرا للأوقاف والشؤون الدينية حتى عام 1979.
انتخب نقيبا للمعلمين بعد أن كان ترأس الجبهة التعليمية الموحدة (الجبهة المشهورة وقتها) 1962 ثم انتخب أمينا عاما لاتحاد المعلمين العرب 1969-1982.
عرفته جارا في محلة العطيفية الأولى من أوائل الستينات حتى وفاته يرحمه الله في عام 1988، وكان من اخلص واقرب الأصدقاء إلى المرحوم والدي الحاج عبدالرزاق المشهداني ومعهما ثالثهما المرحوم المربي المعروف الحاج مصطفى الشيخ يرحمهم الله جميعاً، وكان (الثلاثة) لا ينفصلون عن بعض سواء في صلواتهم بمسجد المدلل أو في لقاءاتهم سيرا على كورنيش العطيفية عند المساء يتجاذبون اطراف الأحاديث المختلفة في الادب والدين والحياة العامة وعن ذكريات الشباب في الكرخ (سوق الجديد وسوق حمادة وست نفيسة حيث شبوا وترعرعوا فيها).

لم تمنعه الوظيفة الرسمية، ولا المنصب الوزاري من ان يظل مواكباً لحركة الثقافة والعلم والادب واللغة في العراق، فلقد كان عضواً عاملاً في المجمع العلمي العراقي منذ سنة 1965 وحتى وفاته وعضواً مراسلاً في مجامع اللغة العربية في دمشق والقاهرة وعمان.. فضلا عن استمراره في التدريس أستاذا في جامعة بغداد.

                            
 
ولدالدكتور احمد عبد الستار الجواري في مطلع محرم الحرام من عام 1343 الهجري للعام 1924 الميلادي من أسرة عربية مسلمة استوطنت جانب الكرخ في بغداد عرفت بالتقوى و الصلاح والتمسك بالأخلاق الإسلامية الأصيلة والصدق في المعاملة والتآزر عند الملمات فترعرع بين أحضانها متشبعا بروحها مؤمنا بمثلها مقتديا بهديها قولا وعملا سائرا على خطاها متبعا لتقاليدها برصانة واتزان وجدية وثبات ويرجع نسب الفقيد إلى البو جواري (الجبور)  وهي إحدى أفخاذ قبيلة طيء العربية.

كتب عنه  العلامة المرحوم محمود شيت خطاب:

لقد هيأ الله سبحانه و تعالى لاحمد الجواري أسباب الجمع بين العلوم الدينية والدنيوية و قد أعانه ورعاه وسدد خطاه في كل مرحلة من مراحل حياته ويسر له طريقه لنيل العلم والمعرفة، فقد تربى في بيوت الله صبيا ويافعا ونشأ على ذكره وعبادته حيث كان يغشى جامع الست نفيسة المجاورة لداره وجامع ثريا وجامع القمرية في محلة سوق الجديد وتعرف في صباه بشيخه واستاذه الزاهد توفيق الناصري رحمه الله الذي اثر في شخصيته تأثيرا بالغا  لورعه وزهده وتقواه وكان من شدة تأثره به يتشرف بخدمته وخدمة كل من يزوره، وتعلم على يديه العلم والعمل والسلوك الرضي والاستقامة وهو الذي حبب إليه قراءة القرآن وتلاوته و التفقه في إحكامه ودراسته لغة وتفسيرا، وكثيرا ما كان يقرأه على المصلين في المحفل قبل صلاة الجمعة في جامع الست نفيسة بعد أن أجازه عليه الحافظ الملا مهدي البصير رحمه الله وزامل طويلا المرحوم الحافظ خليل إسماعيل، حيث كانا يحفظان القرآن سوية في صباهما ويستمع احدهما إلى تلاوة الأخر حتى حفظه عن ظهر قلب فهو من الحفاظ ولورعه لايقراه إلا بمصحفه الذي كان يحمله في حله وترحاله ليحصل على اجرالنظر في كتاب الله.

حضرالدكتور الجواري في شبابه مجالس الشيخ قاسم القيسي مفتي الديار و الشيخ حمدي الاعظمي وأستاذه منير القاضي وغيرهم من الشيوخ الإجلاء رحمهم الله تعالى وأخذ عنهم الكثير من المعرفة بالدين وأحكامه وأصوله، وكان تأثره واضحا بالشيخ قاسم القيسي، فقد كاندوما يستشهد بآرائه ويستنجد بطروحاته فيما كان يتخذ من مواقف أو ما يطرح من أفكار.

  

أما المناصب التي شغلها الدكتور أحمد عبد الستار الجواري هي كما يلي وفق تسلسلها  الزمني :ــ
1.عين عام 1948مدرسا في دار المعلمين العالية ثم مساعدا لعميدها .
2.أشغل العديد من المناصب العلمية و الإدارية في وزارة المعارف{وزارتي التربية و التعليم العالي حاليا}.
3.عين عميدا لكلية الشريعة ثم أستاذا في كلية التربية حتى عام 1962 .
4.أنتخب نقيبا للمعلمين عام 1962.
5.أستوزر للتربية و التعليم في سنة 1963 و حتى 1964 و ظل يمارس مهنة التدريس في جامعة بغداد حتى أوائل عام 1968 .
6.أنتخب نقيبا للمعلمين للمرة الثانية في أوائل عام 1968ثم رئيسا لاتحاد المعلمين العرب عام 1969و ظل يتجدد انتخابه في رئاسة إتحاد المعلمين العرب حتى عام 1982 و قد أختاره المعلمون الفلسطينيون ليكون عضو شرف في إتحاد المعلمين الفلسطينيين منذ عام 1975.
7.أعيد تعيينه وزيرا للتربية و التعليم عام 1968 و حتى أوائل سنة 1970.
8.عين وزيرا لشؤون رئاسة الجمهورية حتى سنة 1975ثم أعيد تعيينه وزيرا للتربية ثم وزيرا للدولة و مشرفا على الأوقاف الإسلامية فوزيرا للأوقاف حتى عام 1979.
9.و لم  تستطع هذه المناصب الإدارية أن تحجب اهتماماته الفكرية و العلمية فقد أنتخب عضوا عاملا في المجمع العلمي العراقي في عام (1965-1978) ثم أعيد انتخابه عضوا في المجمع العلمي العراقي الذي أعيد تشكيله عام 1979 ثم اختير عضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة و بعدها تم انتخابه بالإجماع عضوا عاملا فيه و ذلك عام 1985 و اختير أيضا عضوا في هيئة الموسوعة الفلسطينية ….و كذلك تم اختياره عضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية في دمشق و مجمع اللغة العربية في عمان و تم اختياره من ثم عضوا عاملا في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن.   
و اختير  أخيرا عضوا في اللجنة الاستشارية لمشروع السلطان قابوس للأسماء العربية في سلطنة عمان ….
هذا بالإضافة إلى عضويته في العديد من الجمعيات  و المؤسسات التي تعني بالثقافة و الفكر و السياسية
 
رحيل الدكتور احمد عبد الستار الجواري إلى دارالبقاء:

في تمام الساعة الحادية عشر والنصف من ظهيرة يوم الجمعة الثالث من جمادى الآخرة سنة 1408 هجرية الموافق الثاني والعشرين من كانون الثاني 1988 م ..

    

وقد أسبغ الوضوء كعادته استعدادا للذهاب إلى المسجد الجار (مسجد عبداللطيف المدلل) لأداء فريضة الجمعة، شعربنوبة من الإعياء قد ألمت به فاستلقى على فراشه ليأخذ قسطا من الراحة، وما يدري أنه كان على موعد مع القدر المحتوم في يوم مبارك، انه الموت فكان راحة له من كل شر، ودارت عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشر والعشرين دقيقة من تلك الظهيرة فارتفع نداء السماء معلنا لإقامة صلاة الجمعة، لكن الأستاذ الدكتوراحمد عبدالستار الجواري  يتخلف عن السعي إلى المسجد لاداء صلاة الجمعة لأول مرة في حياته لان روحه في تلك اللحظات كانت ترتفع إلى جوار ربها ملبية ندائه وصادعة لحكم مشيئته، وحمل نعشه المئات في موكب الجلال من بيته في حي العطيفية، في الساعة الخامسة من مساء تلك الجمعة المباركة، بعد إن انتشرت أنباء نعيه في كافة إرجاء بغداد، وكان موكب تشييعه مهيباً إلى مثواه الأخير في مقبرة الشيخ معروف الكرخي يرحمه الله، وتمت مواراة جثمانه الطاهر الثرى عندما قاربت عقارب الساعة الخامسة و سبعة وعشرين دقيقة، وما أن عانق الجسد الطاهر تربة القبر حتى تعالى صوت المؤذن داعياً لإقامة صلاة المغرب من ذلك اليوم المشهود فكأنما شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى إن يكون أخر عهده بالدنيا صوت داع إلى ذكر الله لكي يبقى هذا النداء مجلجلا في سماءهذا البلد، فسلام على احمد!! ولا حول ولا قوة إلا بالله!!….
إنه رجل خدم العراق في ميادين مختلفة.. ويتفق الجميع على انه كان حر التفكير..مؤمن بامتزاج الفكرتين (العربية) و(الإسلامية) امتزاجاً تاماً.. وقد لاقى بعض العنت من الحكام لكن الدكتور الجواري ظل متمسكاً بعقيدته وبآرائه لاسيما فيما يتعلق بهوية العراق وشخصيته الحضارية.

                                   

كتب عنه شقيقه الاستاذ عبدالوهاب عبدالستار الجواري:

أجمع جميع من يعرفه على ماتمتع به المرحوم الدكتور الجواري من دماثة خلق وطيب معشر وخشية في الله متأسيا بقوله تعالى (( وابتغ فيما اتاك الله الدار الاخرة )) في جميع تعاملاته الشخصية والرسميه.. كان يحترم الناس لايفرق بين غني وفقير في ذلك ... يقوم بخدمة فراش مكتبه اذا ما زاره في بيته كما يقوم بها لغيره من زواره.. وعرف بورعه وتقواه التي نشأ عليها منذ نعومة اظفاره .. حافظا للقرآن الكريم قارئا له يوميا .. دابا على أداء الفروض الدينية والصلوات باوقاتها في المسجد المجاور لداره .. واذا كان في اجتماع رسمي او غيره ينهض لاداء الصلاة بوقتها..
وامتازت علاقاته باتساعها لتشمل العراق بجميع اطرافه ومن ثم الى كافة الاقطار العربية تقريبا ...فقد كانت صداقاته التي وعينا عليها مع زملائه بدار المعلمين العاليه وكذلك اقرانه من ابناء منطقتنا  فكانت الدار تحتفي دائما بهؤلاء الاصدقاء الذين تجمعهم رابطة الصداقة المجردة عن كل غرض فثمة  مع حفظ المقامات ( عبدالهادي محبوبة وجابر الشكري وعلي الصافي والشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ علي الصغير ورشيد الكليدار وعبدالرضا الصادق ... وجابر عمر وعبدالرحمن البزاز وابراهيم شوكة ونجم الدين السهروردي وابراهيم الكيلاني  والسيد جمال الدين الالوسي والسيد عبدالحليم عبالغفور الشيخ ) وغيرهم كثير .... وعلى صعيد علماء الدين فكانت له صلات بمن درس عليهم وبمن ارتبط بعلاقات شخصية معهم مثل ( الحاج كمال الدين الطائي والشيخ عبدالكريم المدرس والحاج نجم الدين الواعظ والشيخ امجد الزهاوي والاستاذ عبدالوهاب السامرائي )...
ومن جانب آخر كانت للدكتور الجواري صلات وثيقة بالمرجعية في النجف الاشرف يعرفها الكثيرون من ابنائها وعوائلها التي ارتبط بها فقيدنا الغالي بعلاقات صداقة ومحبة اخوية.... فقد كان المرجع السيد محسن الحكيم رحمه الله يكتب له بصيغة ابوية (ولدي الحبيب احمد ) .... كذلك تولى الجواري كتابة ( مقدمة ) اقتصادنا  للامام محمد باقر الصدر ...( الا ان الاخوة قاموا برفعها من الطبعات بعد 2003!!..

                 

هو موضع ثقة الرئيس البكر من جانب والملا مصطفى البرزاني من جانب آخر وقد وثق ذلك الاستاذ محسن ديزئي اطال الله بعمره في مذكراته المنشورة  في اربيل...
وكانت له صلات وثيقة برجالات الدين الاكراد ورجال الطرق الصوفية الذين يكنون له تقديرا عاليا ويحتفون بزياراته لهم بما يليق بمكانته لديهم .. ومن اوثق اصدقائه الذين ارتبط بهم بعلاقة عمرية الدكتورالشيخ عبدالله النقشبندي وكذلك المفكر والفيلسوف والعالم الاستاذ مسعود محمد رحمهم الله جميعا ... ومن الوفاء ذكر ما قاله الاستاذ مسعود محمد بحق الدكتور الجواري بعد ان انتقل الى جوار ربه في لقاء اجراه معه الصحفي المرحوم لطفي الخياط ونشرته مجلة ( الف باء ) حيث قال المفكر والسياسي الكردي متحدثا عن جسامة فقد شخص بمكانة الجواري قائلا ..(( أني أرى غول الفناء قد فتح شدقيه الى آخرهما ليبتلع جبلا من الكرامة ))...

         

رفض ترشيحه لمنصب امين عام الجامعة العربية:

وفي عام 1978 وكنت يومها اعمل بسفارتنا في بلجيكا وردتنا برقية رمزية من وزارة الخارجيه تفيد بترشيح العراق الدكتور الجواري لمنصب ( أمين عم جامعة الدول العربيه) .. وقد علمت منه رحمه الله انه لم يكن راضيا..

  


كتب عنه الموسوعي "حميد المطبعي" في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين فقال

                           


 إن للدكتور الجواري مواقف مشهودة في دعم العمل القومي الموحد وبسبب ذلك سجن واضطهد خاصة في العهد الملكي.. كما كتب عنه آخرون فأكدوا انه إنسان محب للخير، متمسك بالقيم الأخلاقية النبيلة وديدنه خدمة الناس واحترامهم. وكانت له نشاطات في المنتديات الثقافية، كما ارتبط بصلات مع كثير من علماء وشيوخ عصره. وقد ظهرت له الكثير من البحوث والدراسات منشورة في مجلات عراقية وعربية تحتاج إلى من يقوم بجمعها وإعادة نشرها لأهميتها. كما كانت له قصائده التي يصدح فيها منذ أيام طلبه للعلم في دار المعلمين العالية..

ولم يكن هناك من (مربد ) يعقد في بغداد يفوته إلا وله قصيدة ولعل من قصائده المشهورة قصيدته التي مدح فيها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم سنة 1940 وألقاها في احتفال دار المعلمين العالية بالمولد النبوي وفيها يقول:

عليك من الله العظيم سلامه      وممن تردى في هواك سلام
نبي الهدى يا أكرم الخلق إنني  بحبك مأسور الفؤاد مضام
أيا شافعي يوم الزحام ومنقذي  لدى الحشر إن مس الضلوع ضرام
شريعتك الغراء وردي ومنهلي   ودينك لي عند النزال حسام
 بروحي رسول الله كم نلت من أذى  و صبرك عند الحادثات لزام
عدمت  نصيرا بين قوم جبانهم    لدى الروع حزاز الرقاب  همام
فما كنت إلا صابرا ليس ينثني   عن الحق في قلب الضلال سمام
بعثت نصيرا للضعاف فويحهم   بنوك عن الدين الحنيف نيام
و كنت أذا نامت عيونك ليلة  فقلبك ما أصفاه ليس ينام

وكتب عنه مظفر بشير قائلا:

"تتلمذت عليه في مفتتح الخمسينات من القرن المنصرم في دار المعلمين العالية وكان آنذاك يشغل منصب معاون العميد فيها وكان لي ولزملائي ملاذا يمهد لنا كل الصعوبات التي تعترض طريقنا فما قصده ذو حاجة إلا عاد بها فاتحا ذراعيه له ووجهه وضاح وثغره باسم ونفسه مطمئنة"..
 وكان رحمه الله لا ينسى أسماء طلابه وهم كثر مهما بعدت الشقة وطال الزمن ترفده بذلكذاكرة خصبة معطاء وحيوية شاب نشا في طاعة الله. وما اسعد الطالب حين يناديه أستاذه باسمه وكانت هذه السعادة من حظ طلابه أجمعين وان بعدت بينه وبينهم المسارات واختلفت الاتجاهات. عشنا معه في أجواء دار المعلمين أخا كبيرا حانيا وأستاذا حريصا على إفادة طلابه وعرفناه بعد ذلك في أروقة وزارة المعارف ـ التي سميت فيما بعد وزارةالتربيةـ  مديرا عاما ثم وزيرا ... وهو هو ذلك الأخ الحاني والأستاذ الرفيق الوديع واثقا بنفسه مؤمنا ان من تواضع لله رفعه. متفقدا طلابه ومعارفه متعاونا مع زملائه مؤمنابان الله مع العبد ما دام العبد في عون أخيه".
ويضيف مظفر بشير:
"كنت اشد زملائي ألما وحسرةعلى فراقه وكنت لسان حالهم حين نظمت قصيدة معبرة عن مشاعري ومشاعرهم تجاه أخينا الكبير وأستاذنا القدير ونشرتها في جريدة صدى الأحرار الموصلية وبعثت بنسخة منها الى حيث مقر أستاذنا وها أنذا ذاكر ما أتذكر من هذه القصيدة:

عج الفؤاد وان القلب ميدان     عواطفا كلها روح وريحان
عواطف نحو شهم ضمها زمنا  واليوم تهدى اليه وهي الحان
نصغي إليك بدرس النحواجمعنا  وكلنا للذي تحكيه آذان
وسيبويه قرير العين مغتبط      إذ فيك شيد لأس النحوتبيان
أطوف بالدار ساهمة       كأنني وسط دير فيه رهبان
أقول للدار لا تأسي فبعدغد     أبو الشهاب سيأتي وهوجذلان
يأتيك يحمل دكتورا تزان به      ولا أقول بها إذ ذاك يزدان
 
ومن أروع ماقيل في رثاء المرحوم طيب الذكر أحمد عبدالستار الجواري (رائية الدكتور محمد حسين الصغير) التي جاء فيها:

لك في الجوانح جذوة وأوار     أرأيت كيف تشب هذي النار
أرأيت كيف الحزن يفرغ غيضه    وتصعد الزفرات وهي حرار
أرأيت كيف الجمر يلهب في الحشا  فالقلب زند والاسى اعصار
حلم تقضى واستقرت موجة     وسجى الهوى وتحطم القيثار
والعمر ضاح والشبيبة غضة     ومن الكهولة هيبة ووقار
اني ليخنقني الشجا ويهيجني     من ذكرياتك هاجس هدار
عرفان ذلك في الفؤاد فخفقه     رمز الوفاء ونبضه الايثار
ملك المصاب مشاعري فتعطلت     وتأججت برثائك الاشعار
وتلجلجت وانا البليغ عواطفي     وتكلمت لي ادمع مدرار
جددت فقد ابي بموتك فجأة      والامر يفجأ والردى غدار
لو كنت تفدى والرزايا جمة      لفدتك بالنفر العديد الدار
لكن اراد الموت شخصك فانطوى  ذاك الجناب واوحش المضمار
ماكان فقدك فقد فرد انه        جيل يموت وامة تنهار
ولقد وقفت على ضريحك واجما    والغيث سكاب به درار
استلهم الماضي القريب وارتعي   طيف السنين فتعزف الأوتار
كنت العزاء وما العزاء بنافع    في النائبات إذا الأحبة ساروا
أعجوبة الدنيا خلاصة أمرنا      هذا التراب وتلكم الاحجار
افهذه عقبى الحياة وزهوها       فلمثل ذا فليعمل الاخيار
في الخمسة الاشبار الف رسالة   تحكي صداه الخمسة الاشبار
هذا الاديم جماجم منثورة        وجناجن منظومة وفقار
وسواعد حبك الجمال فصولها     وذوائب شقر الرؤى عذار
جثث على جثث وتلك رواية    في القبر ترفع عندها الاستار
 قطع من الخزف المهين تحطمت    ومعادن مسنونة وفخار
غطى الفناء فنائها وبضمنها       للمتقين جواهر ونضار
حسبان ذلك للحياة نهاية          وبانها فلك بنا دوار
كلا فبعد اليوم يوم قيامة      ووراء هذي الدار تلك الدار
ياراحلا في الخالدين وحوله    الجنات تجري تحتها الانهار
الرفقة الابرار ادلج ركبهم      أرأيت كيف الرفقة الابرار
مددت من الاخرى اليك وشائج  من سابقين الى الكرامة صاروا
اعزز علي وقد مضيت فلا ارى     لمعان حدك ايها البتار
خلت المحافل من علاك واوحشت  من بعد فقدك تلكم الاسمار
وبكى الجنوب بك الشمال من الاسى  وتنادت القصبات والامصار
ياصاحب القلب الطهور وملؤه      للناس حب دونه الامطار
فقدت بك الفصحى اجل بُناتِها    واستعبرت من بعدك الاسفار
وانفض عقد الزائرين الى العلى   واغام صبح الواهبين غبار
واشتاقت الموت الزؤام كرامة    سحقت ودنس قدسها جبار
لكن لي ببنيك اعظم سلوة        والشبل في اجماته زار
مضر وأروى والحبيب محمد     ومعاذ اما مصعب فمنار (***)
يا قلب ما لك في وجل  أجزعت   على فراق ابي أســــل     (***)
في هذه الدنيا حديث رائع       وغدا ستنشر تلكم الاثار
تتشابك الافياء في جنباتها      شم الظلال وتسرج الانوار
والباقيات الصالحات بضوئها   تسري النجوم وتهتدي الاقمار
يابدر داجية البلاد وقد طغى     وهج وسد الدرب فهو عثار
رجل العروبة في العراق وانه     شرف به يومى له ويشار
عبدت مزلقة النضال بنظرة   عصماء تشخص نحوها الابصار
تتبحر الاجيال في خطواتها    الصم الصلاد وتفخر الاعصار
ويشعشع الايمان في نفحاتها    ويغيب عن ساحاتها الدولار
وحقيقة التاريخ تنسف ماوحى    الاجراء والعملاء والاشرار
لك (بالرضا) (المهدي) اية قدوة    فهما وانت ثلاثة اشطار
معنى العروبة عندهم ان تحتمي  بالشعب لا ضغط ولا استعمار
وتراثها الدين الحنيف يقوده       فينا النبي وآله الأطهار
وعصارة للفكر تهدم ما ابتنى     الالحاد وما شرع الاغمار
(نحو من التيسير)في(قرانه)    (نحو للمعاني) يجتبى ويشار
وازاءها وامامها وورائها      نجم يضئ وكوكب سيار
مني عليك تحية معطار        ولذكرك الاجلال والاكبار
حبتك بالحزن العميق قرائح      مشبوبة وخرائد ابكار
ناجيت قبرك والشذى موار      وشممت تربك والثرى نوار
ووقفت جنبك والصدى بي صائح (لا انت انت ولا الديار ديار)
ياقيس ليلى او جميل بثينة    (خف الهوى وتولت الاوطار)
(ياحبه العذري) صوح بعدما     قطعت به للعاشقين ثمار
ذهب الجواري الذي عن نبله     تتحدث الانباء والاخبار
لاشئ بعد وفاته الا الوفا      والناس اصناف به احرار
أأقيم عندك والشجى بي عاصف  او ان ازورك والحبيب يزار
ستعج بعدك في كياني هزة     خرساء تجهل كنهها الافكار
وتظل تجري في عروقي نفثة   حمراء دفق جراحها فوار
حزنا على الاحباب وهي تعلة   فالليل ليل والنهار نهار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(***) هم أولاد المرحوم الذين تربوا على يديه وساروا على نهجه وخطاه يحفظهم الله
الدموع الجواري على الوزير الجواري قصيدة للشاعر محمد السيفي
اقض مضاجعي موت (الجواري)  وحل الحزن ليلا في نهــاري
فمــالي لا اصدق ان بدرا          كـهذا البدر ينأى عن مداري
وما للأكرمين مضـوا سرعا    متى جائوا ليبقوا في القـرار
فجيعتنا باحمد-اي وربـي      يضاهي حزنها..فيض اصطبار
وناع قد نعاه الـي ابكي       سريراتي..وقد هـــان اقتداري
اداري ادمعا تجـري سجاما     فصرت محيرا،ماذا اداري
لفقدك هانت الدنيا بعيني      وبعدك قد اقمت على اضطرار
مناقب احمد عاشـت مثالا      وفيـه مناقب العرب النجار
وكــان مجامع الفكر المعلى    اديبا عالما بين الكبار
وكـان جهاده دينا ودنيا      يواصل ليله اثـر النهار
وكـان ملاذنا في كل بأس     كعيسى حوله جمع الحواري
يفيض بوجهه القا نضيرا      يحاكي وجهه الق النضار
ابـو البشر المنسب كل اصل    عريق الآل من عرب النزار
فيـا ابهى كريم في البرايا      يعـز جواره بين الديار
وكـــان جواره في(الكرخ)   ذخرا  لكـل عقيلة واخ وجار
خسرنا فيه طود العلم يعلو       منارا نيرا فوق المنار
الا طابت بـك الجنات مسكا      وانعم بالمقام وبالمزار
 
شتان بين هؤلاء الأفذاذ وصعاليك اليوم!

واليوم لابد لنا من وقفة وفاء أخرى مع الأستاذ، المربي، الصديق، والجار، الدكتور أحمد عبدالستار الجواري  وهو إلى جوار رب رحيم كريم سيشمله برحمته الواسعة التي وسعت كل شيء فكيف لا تسعه وتسعنا وتسع كل محبي الأستاذ أجمعين، والسائرون على نهجه وسيرته، ولعلنا في هذه الأيام المظلمة من تاريخ عراقنا، نغبط الراحل أنه ترك العراق معافى شامخ ولم ينتظر يوما أسود كهذه الأيام التي نعيشها ويعيشها العراقيون، كان الدكتور واحدا من رعيل من الوزراء والقادة المؤثرين، والمبدعين، والذين يشار لهم بالبنان، وإنا لنأسف إلى ما آلت إليه أحوال العراق، حيث شتان بينهم وبين ذلك الجيل، جيل الدكتور الجواري  شتان بين وزراء الأمس الأفذاذ، ووزراء اليوم. أولئك هم الأفذاذ فجئني بمثلهم..!
وليرحم الله استاذنا الجواري ويتغمده بواسع رحمته ومغفرته.


إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

630 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع