هل حقا ان العراق دولة مصطنعة؟ او انه كيان هجين؟ وماذا كان موقف اكراد العراق من مسألة تنصيب الملك فيصل الاول

                                                  

                          د. سعد ناجي جواد

هل حقا ان العراق دولة مصطنعة؟ او انه كيان هجين؟ وماذا كان موقف اكراد العراق من مسألة تنصيب الملك فيصل الاول

مرة اخرى يخرج علينا وجه قبيح من وجوه السياسية الاميركية (جون بولتون) ليتحدث لنا عن ضرورة وحتمية تقسيم العراق. هذا الحديث (الذي قد يفرح البعض) هو ليس بالجديد. لقد تعودنا بين الفينة والاخرى ان يخرج علينا من يخبرنا ان العراق دولة مصطنعة قامت بريطانيا الدولة الاستعمارية (بتشكيلها) بعد ان اكملت احتلال الاراضي الممتدة من الخليج العربي (الذين كان يعرف بخليج البصرة) الى سلاسل جبال زاغروس في الشمال والشرق. وهي المنطقة التي عرفت عبر التاريخ بالعراق والتي كانت اثناء الاحتلال البريطاني تمثل الولايات العثمانية الثلاث: بغداد والموصل والبصرة.

وظلت هذه الفكرة تجد لها صدى عند كل من يحبذ تقسيم العراق خدمة لاغراض سياسية معينة على اساس انها حقيقة تاريخية. ويقف على راس هذه الاطراف اسرائيل التي جاهرت في اثناء الحرب العراقية-الايرانية بفكرة تقسيم العراق الى ثلاث كيانات، ليس ارضاءا لمصالح المكونات الموجودة في هذه الاجزاء، وانما لان هذا التقسيم يصب في مصلحة الدولة الصهيونية الغاصبة، ويمنع ظهور عراق قوي يشكل خطرا عليها.
منذ بداية الاحتلال في عام 2003، نشطت هذه الفكرة مرة ثانية وتبناها افراد في الادارة الامريكية على اساس انها السبيل الامثل (لحل النزاعات الطائفية والعرقية) التي اشعل فتيلها الاحتلال وشجعها بشكل واضح، على الرغم من ان الغالبية العظمى من العراقيين لا تزال ترفض فكرة التقسيمات هذه. وكان سيء الصيت بريمر من الاشخاص الذين جاهروا بفكرة ان العراق دولة مصطنعة شكلتها بريطانيا في عام 1920، ولكنه مع هذا التصريح الذي ينم عن غباء وعدم معرفة بتاريخ هذه البلاد، شأنه شأن قرارته الاعتباطية الاخرى التي دمرت العراق، كرر اكثر من مرة ان (السُنة قد حكموا العراق لاكثر من 400 عاما واضطهدوا خلالها الشيعة والاكراد، وانه آن الاوان لهذين المكونين ان ياخذوا دورهم في حكم العراق)، ومن جهله او سوء نيته فإنه لم يستطع ان يتنبه الى التضارب بين اداعائه الاول والثاني، ولم يفسر لنا كيف حكم مكون واحد البلاد طوال اربعة قرون اذا لم يكن هناك شيء اسمه العراق؟ طبعا نفس التصريح صدر من كل القيادات التي ساهمت باتخاذ قرار احتلال العراق.
ابتداءا، وللرد على الجهلة بالتاريخ او من يزورونه عن قصد، فان اسم العراق هو اسم ضارب في بطون التاريخ وقبل الفتح الاسلامي. وقبل سبعة الاف سنة حكمت الامبراطوريات الاولى في التاريخ (السومرية والاكدية والبابلية والاشورية) هذه البلاد بجغرافيتها المعروفة، مع زيادات ونقصان وحسب قوة الدول التي كانت تظهر. وكذلك الامر ابان الفتح الاسلامي الذي لم يتوقف حتى شمل البلاد كلها، ووصل الفتح الى سلاسل الجبال الشمالية والشرقية التي اعتبرت منذ ذلك التاريخ الحدود الطبيعية للعراق. ودخلت الاقوام التي تقطنه وخاصة العرب والاكراد في الدين الاسلامي الحنيف. ثم انه كان كذلك في ظل الدولتين الاموية والعباسية. وفي ظل الاخيرة اصبحت كلمة بغداد كناية عن هذه الرقعة الجغرافية وعاصمة لها.
ولما ظهرت الدولتين الصفوية والعثمانية كان الصراع بينهما على كل (العراق)، ومن يحتل بغداد كان يعتبر نفسه حاكما لكل العراق، وحتى استقر الامر للدولة العثمانية التي حكمت العراق لمدة اربعة قرون تقريبا، مع فترات مختلفة تخللتها ظهور دول باسماء مختلفة.
ان من يردد فكرة الولايات العثمانية الثلاث بغداد والموصل والبصرة، ويعتبرها الدليل على عدم وجود عراق موحد، وان بريطانيا قامت بدمج هذه الولايات مع بعضها البعض لتشكيل كيان هجين اسمه العراق، هو ايضا شخص اما يجهل تاريخ المنطقة، او يعرفه ولكنه يحاول لغرض ما نكران الحقائق الثابتة. ولمن لا يعلم ان فكرة تقسيم العراق الى ولايات ثلاث هي فكرة حديثة نسبيا تتعلق بتنظيم اداري جديد اهتدت اليه الدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر وبالذات في عام 1884 حين اعتُمِد اسلوب تقسيم العراق الى ولايات ثلاث. وقبل هذا التاريخ كان العراق كله من الشمال الى الجنوب يعرف بولاية بغداد العثمانية، مع وجود ما كان يسمى سنجق او ولاية شهرزور بين الاونة والاخرى، والتي كانت تمثل محافظة كركوك الحالية تقريبا على اساس وجود ابناء القومية التركية فيها. وحتى اثناء تقسيم العراق الى ولايات ثلاثة فان بغداد كانت هي المرجع الاداري الاساسي، بل واعتبر والي بغداد هو المرجع والحاكم الاساسي لكل الولايات الثلاث، وخاصة اثناء فترة الوالي المصلح مدحت باشا. وعندما حدث الاحتلال البريطاني في عام 1914، وتمكن من احتلال كل العراق في عام 1919، اعاد تقسيم الولايات الثلاثة اداريا الى (الوية-محافظات) اعتبرها جميعا تابعة لبغداد. وفي هذا الصدد كتب الحاكم المدني للعراق بعد الاحتلال البريطاني (ارنولد ويلسون) يقول ان اي تخطيط لحدود العراق لا يشمل الحدود التي امتدت فيها الولايات الثلاث يعني انشاء كيان هزيل لا يقو على الدفاع عن نفسه او اعالة ابناءه. كما اعتبر التسمية الاغريقية (ميزوبوتاميا والتي تعني ما بين النهرين) تسمية مضللة وان الاسم الحقيقي الذي عرفت به هذه البقعة منذ قديم الزمان، وبالتاكيد منذ الفتح الاسلامي، (العراق) هو الاسم الادق.
اهم من كل ما قيل اعلاه ان مناطق العراق كافة من شماله الى جنوبه (اي الولايات الثلاث) كانت دائما مناطق مختلطة يسكنها المسلمون والمسيحيون واليهود واليزيديين والصابئة، ولم تكن هناك منطقة واحدة تستطيع ان تدعي انها من مكون واحد فقط، ولم يشهد تاريخ العراق حتى احتلاله مذابح او حروب على اساس طائفي او ديني او مذهبي او عرقي. كما ان ابناء هذه الالوية انذاك من زاخو الى جنوب البصرة ساهموا في كل الاحداث السياسية التي شهدتها المنطقة كعراقيين، وكانت الاحزاب الوطنية العراقية تضم في داخلها كل اطياف الشعب العراقي الواحد من شماله الى حنوبه. ولم تَدّعِ اية منطقة بانها ليست جزءا من العراق. علما بان جيش الاحتلال البريطاني لم يفعل ذلك (دمج الولايات العثمانية الثلاث) حبا بالعراق وبالعراقيين ولكن من حكم العراق بعد الاحتلال البريطاني وارسى قواعد الدولة (الجديدة) قد اكتشف انذاك ان الجبال الشمالية مع تركيا والشرقية مع ايران تمثل حدودا طبيعية لهذه البلاد، وان هذه الحدود الطبيعية تشكل من الناحية الاستراتيجية مانعا يحمي الدولة، ومن الناحية الاقتصادية فان المناطق الشمالية لا غنى لها عن السهول الجنوبية الخصبة. والسهول لا غنى لها عن مياه الرافدين المنحدرة من الشمال. وحتى مفهوم (مابين النهرين) كان يعني كل الاراضي المحصورة بين دجلة والفرات من الشمال حتى الجنوب.
من ناحية اخرى هناك من يردد مقولة ان اكراد العراق رفضوا ان يكونوا جزءا من الدولة العراقية الجديدة. وان رفضهم هذا توج برفض المشاركة في الاستفتاء الذي طالب به المرحوم الملك فيصل الاول والذي اراد من خلاله ان يعلم مدى مقبولية العراقيين لحكمه من ناحية ومن الناحية الثانية اراد ان يقول لبريطانيا التي اختارته ان اختيارها جاء بناءا على رغبة العراقيين لتنصيبه ملكا عليهم. واخذ الاستفتاء شكل ارسال ما عرف ب(المضبطة)، وهي ملف يبين موقف ابناء كل لواء (محافظة) من ترشيح الملك فيصل لعرش العراق. اقول بشان هذه الحادثة، والتي كثيرا ما يوردها البعض كدليل قاطع على رفض الاكراد لكي يكونوا جزءا من الدولة العراقية، فان الحادثة كانت تخص محافظة السليمانية فقط والتي استثنتها بريطانيا من المشاركة في الاستفتاء، في حين انها سمحت لباقي المحافظات ذات الاغلبية الكردية بالمشاركة. السليمانية في تلك الفترة كانت قد شهدت ثورات الشيخ محمود الحفيد، والذي نصب نفسه (ملكا لكردستان) لفترة قصيرة، وكانت حجته في ذلك، حسب ما كتب هو للمندوب السامي البريطاني انذاك، انه طالما ان بريطانيا قد اختارت فيصل ملكا بسبب نسبه العلوي الشريف، فانه شخصيا يمتلك نفس النسب الذي يرجع الى النبي محمد عليه افضل الصلاة والسلام، وبالتالي فانه يستحق ان يكون ملكا اسوة بالملك فيصل. وعملت بريطانيا على استغلال اعتراض الشيخ محمود ليس حبا في الاكراد وتقديرا لمشاعرهم وانما لانها ارادت ان تستغلهم لكي تهدد بهم المطالبين بالاستقلال التام والكامل من العراقيين، والذين رفضوا فكرة الانتداب او توقيع معاهدة طويلة الامد تمنح بريطانيا امتيازات وقواعد في العراق. وهناك ادلة كثيرة على ذلك. اولا ان بريطانيا عندما نجحت (بالتهديد الصريح) في جعل البرلمان العراقي يوافق على الاتفاقية المجحفة (طرحت عام 1922 وصادق البرلمان عليها عام 1924 وبعد تقليص مدتها من 25 عاما الى اربعة اعوام)، ارسلت قواتها لانهاء ثورة الشيخ محمود ونفته خارج العراق. ثم اعادت الشيخ محمود (1930) قبل توقيع معاهدة جديدة مع العراق قبل دخول الاخير الى عصبة الامم عام 1932. وفي هذه المرة، وبعد توقيع المعاهدة الجديدة استخدمت بريطانيا حتى القوة الجوية البريطانية لقصف السليمانية وحكمت على الشيخ محمود بالاقامة الجبرية في بغداد، بعد ان اخذت اصغر ابناءه شبه رهينة وارسلته للدراسة في الخارج. وقبل ذلك شارك الاكراد بفعالية في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، والتي كانت ثورة عراقية ضد الاحتلال البريطاني.
> اما الدليل الثالث والاهم فلقد كُشِفَ عنه عندما رفعت السرية عن الارشيف الملكي العراقي في بداية السبعينيات من القرن الماضي. فلقد ظهرت في هذا الارشيف وثيقة (رسالة) بخط يد المرحوم عبد المحسن السعدون الذي كان وزيرا للداخلية انذاك والذي ارسله الملك فيصل الاول في (مايس/مايو 1923) ليتعرف على حقيقة موقف اكراد لواء السليمانية، الذين ادعت بريطانيا انهم يرفضون ارسال (مضبطة) تحمل موقفهم فيما يخص تنصيبه ملكا على العراق. واستخدم الانكليز هذه الحالة للقول ان اكراد السليمانية يرفضون ان يكونوا جزءا من العراق الجديد. ويبدو ان ارسال السعدون جاء بدون علم المندوب السامي انذاك. في تلك الرسالة يقول السعدون انه فور وصوله الى السليمانية التقى بوجوه وروساء عشائر اللواء من الاكراد، وانهم جميعا كانوا مستعدين لحلف يمين الولاء للملك الجديد، بل انهم كانوا يرغبون بان يتم هذا الامر بسرعة خوفا من المطامع التركية ومن عدم الاستقرار في منطقتهم. وان الاتفاق تم على ان يقوموا بتوقيع المضبطة في الغد، وعندما التقاهم ثانية في اليوم التالي، وبحضور المسؤول البريطاني في المدينة،
وجدهم قد غيروا رايهم ورفضوا التوقيع واخبروه بانهم (طالما انهم لم يكونوا قادرين على التمييز بين ماهو مفيد او مضر لهم فانهم يوكلون امرهم الى المندوب السامي البريطاني لكي ياخذ القرار المناسب بدلا عنهم). المهم ان بريطانيا الغت اعتراضها بعد ان حصلت على ما تريد (توقيع المعاهدة) واعتبرت كل اجزاء ولاية الموصل العثمانية جزءا من العراق، الامر الذي صادقت عليه عصبة الامم مع التوصية باحترام حقوق وخصوصية الاكراد الثقافية والقومية. وهو ما التزمت به الحكومات العراقية المتعاقبة دائما. ولم يصدر اي قانون في العراق ينكر وجود الاكراد كشعب او ينفي هويتهم القومية وفي كل العهود، وكما حصل في الدول الاخرى التي تضم اجراءا اخرى من الاكراد.
خلاصة القول ان العراق هو ليست دولة مصطنعة كما يعتقد ويروج البعض ولاغراض معينة، وان التعايش بين اطيافه او مكوناته ظل واضحا طوال كل الحقبات التاريخية، بدليل انه لم تحدث حربا اهلية واحدة بين مكوناته. نعم كانت هناك حروبا بين حكومات واحزاب معارضة، ولكن هذه الحروب مثلا لم توثر على الحياة والتعايش في كل المناطق المختلطة في العراق، وبالذات على تواجد اكثر من مليون كردي يعيشون في بغداد لوحدها، ولا على حياة العرب الذين يعيشون في المناطق المجاورة للمناطق الكردية او في داخلها، وظلت كل مناطق العراق حتى الاحتلال تضم جميع المكونات الدينية والعرقية والطائفية. وتعمقت هذه العلاقات بالتزاوج والترابط الاسري بين كل المكونات، هذه الظاهرة التي لا تزال مستمرة لحد هذا اليوم.
اخيرا وليس اخرا، وفي ظل المخاطر والاطماع التي تحيط بالعراق وبأهله لا يوجد بديل للعراقيين جميعا عن التعاون من اجل عراق واحد ديمقراطي قوي يتمتع الجميع في داخله بحقوقهم ويحتفظ كل طرف بخصوصياته التي يجب ان لا تطغى او توثر سلبا على الخصوصية العراقية الاكبر والاشمل، وعكس ذلك فان التفتيت سوف سيجعل من كل مكون لقمة سائغة لاطماع الدول المجاورة او الاقليمية الطامعة. وان الاعتقاد بان التقسيم سيجعل بعض الاطراف اقوى واكثر ازدهارا هو اعتقاد خاطيء ومظلل ومحفوف بالمخاطر المصيرية والوجودية.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

649 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع