خريج مريج الكل تشرب بالبريج!

                                             

                           د.منير الحبوبي

      

خريج مريج الكل تشرب بالبريج

عند تخرج طلاب الكليات بسبعينيات القرن الماضي جميعا الهندسيه منها او الطبيه او الادبيه فالكل سواسيه ولا فرق بين اعجمي وأعربي الا بالتقوى !!! والكل عليهم اداء الخدمه العسكريه الألزاميه وهذا يذكرني بحادثه لطيفه حصلت لي انا وزملائي المتخرجين من الجامعات فكان يتم تدريبنا وضمنا مع جنود قد يكون البعض منهم ايضا اميين ولا يعرفون القراءة والكتابه وفي بداية التحاقنا بمعسكر تدريبي بمعسكر الرشيد تم توزيعنا على شكل مجموعات نسيت كيف كانت تسمى سريه او لا نسيت والله وعلى كل مجموعه تقترب من 100 شخص كان يشرف عليها ان لم اخطأ رئيس عرفاء حامل اربع خيوط وكان هذا الريس عرفاء انسان طيب وفاهم لوضع البعض منا نحن الخريجين نسبة لباقي الجنود العاديين وفي اول لقاء لنا مع نائب ضابط المعسكر والذي يسمى برئيس عرفاء الوحده قدم رئيس العرفاء افراد مجموعته وذكر بأن مجموعته تحتوي على حوالي عشرة خريجين جامعيين وهنا قاطعه نايب ضابط المعسكر بالقول لا تقل لي خريجين الكل هنا سواسيه خريج مريج الكل تشرب بالبريج وبهذه اللحظه عرفنا قدرنا كخريجين واي مرحله وصلنا بمجتمعنا

هذه العباره كلما اتذكرها اضحك وهي كلش خفيفه وجميله نسبة لما رواه لي احد الخريجين الجامعيين بخدمته العسكريه ولكن في معسكر آخر حيث قال لي ان رئيس عرفاء الوحده للمعسكر عرف بوجود خريجين من ضمن الجنود بهذه الدوره فسأل افراد المجموعه هل هناك منكم من هم خريجين او يجيدون اللغات الأجنبيه فخرج العديد منهم فرحين ظانين انهم سيتم معاملتهم بشكل لائق وجيد يتوافق مع امكانياتهم والتعليم الذي وصلوه فتم عزلهم عن المجموعه وتم تكليفهم بتنظيف تواليتات المعسكر يوميا وطبعا كلما اتذكر هذه الأمور اضحك مع نفسي كثيرا وكنا ننقل هذه المعلومات الى اصدقائنا او اولادنا ونضحك من المعايشه التي عشناها ايام الخدمه العسكريه

في خدمتي العسكريه مررنا بأمور مزريه واوقات حرجه وبعض الاحيان يتوقف العقل عن العمل والتفكير وهو الأمر الصواب وكان اكثر ما يراودنا خلال الخدمه العسكريه هي العقوبات والحلاقه صفر بدلا من الرقم اربعه والقصعه وشوربة العدس والصمون العسكري الحجري او عفوا الكونكريتي والبيريه والنطاق والخوذه والبسطال وصبغ البصطال الملقب آنذاك عذرا من القارئ - ابو طلال -

واما أحلامنا الورديه بالخدمة العسكريه كانت بتلك الفتره هي ساحة العرضات وتفكيك السلاح وأعادة تركيبه وتطبيق الفرضه والشعيره وسحب الاقسام والتأكد من عتلة الأمان والنوم بالقاعه واليوم انت مسؤوليتك خفر قاعه وبالخفارات الليليه والحراسه وكلمة السر وكيف تعمل وتبذل جهدا لكي لا تنام ليلا وأنت بالواجب ويا ويلك أن اصطادك الضابط الخفر وأنت نعسان او نايم او ناسي كلمة سر المعسكر وهكذا الحال ترتيب فراش السرير صباحا وتصفيط البطانيه بشكل احسن منه من ترتيب اسرة فنادق الخمسة نجوم وهكذا الحال مع دفتر الخدمه العسكريه فعليك تجليده والحفاظ عليه وحتى يمكنك لطع جلدته ليكون بشكل ابهى من قبل زنابير الأنضباط العسكري بالشوارع

ومن ذكرياتي عن الخدمه العسكريه هو الهروب ليلا من معسكر تدريب مدرسة الفرقه المدرعه العاشره بمعسكر الرشيد والألتحاق به فجرا قبل الساعه السادسه فجرا وهذا يذكرني بأنه خلال هروبي الليلي مع جنود كثيرين كالعاده تم تبليغ كل السرايا بأن غدا فجرا سيتم عمل تدريب اطلاق نار حي بالتدريبات وتم اخبار كل الجنود بضرورة فتح الفم عندما يتم اطلاق النار من الرشاشات قرب الراس وانت تزحف على الظهر تحت الأسلاك الشائكه وبالطين وحامل لكل معداتك العسكريه وهي معلومات لم تصلنا بسبب عدم تواجدنا مما ادت بـتمزق غشاء الطبله لأذني لانه بالعاده الانسان غالق لفمه وبهذه الصوره فصوت الطلقات الناريه قرب الراس وبفعل عدم التوازن بالضغط من خلال قناة اوستاكي السمعيه تمزقت الطبله لاذني ولم يتم ترقيعها طبيعيا الا بعد حوالي ستة اشهر لأنني بعدها طيلة الوقت كنت اعاني من الام خرخشه ورنين وصدى اصوات وكانت مزعجه جدا بالحياة اليوميه

وطبعا اجمل اللحظات !!!! التي تعيشها بالعسكريه حينما تأتيك القصعه وتوضع على الأرض ونتجمع نحن الجنود حولها عذرا من التشبيه الذي قد يصدم البعض منا كالكلاب الجائعه حيث الجندي لا يعامل كأنسان بل نحن افراد يملكهم نظام ويملكك العسكري الأعلى منك رتبة عسكريه وما عليك سوى احترام وتطبيق القوانين فترانا نتهاوش من اجل اكل اللحمه اولا وكم من مره تحترق الشفايف او اللسان او الفم لأنك ان لم تأكلها بسرعه فضاع نصيبك وهكذا كانت الخدمه العسكريه ببلادنا حيث يحط من كرامة الجندي وهي الضريبه التي علينا دفعها لتبيان انك محب للوطن في حين الطبقه العسكريه والسياسيين للأنظمه التي تقود البلاد يعيشون حياتهم المترفه على حساب ابناء البايره

التعليمات العسكريه المتبعه في اكثر بلدان العالم المتحضر قد تغيرت كثيرا عما كانت عليه سابقا والكثير الآن من دول العالم الثالث وخاصة بالدول العربيه تسير على التعليمات القديمه والتي بلت منذ عقود كثيره ولم يعد يحق للمراتب العسكريه العليا اختراق او الأجحاف بكرامة منتسبيه الأقل رتبة ولم يعد الحق لهم لأستغلال الجنود والمراتب العسكريه الدنيا كمراتب الجنود والعرفاء ولم يعد هناك كالسابق تواجد - مراسل ضابط - الذي كان يعمل كالخادم او العبد للضابط حيث المراسل او الساعي كان يعتني بفراشه ويصبغ حذاء او بسطال الضابط وبعباره اصح لم يكن لهذا الجندي كرامه بل كرامته مخترقه من ريسه وهي شغله كانت مكروهة من كل مراتب الجيش الدنيا اي الشخص الذي يقوم بهذه المهمه معروف عنه انه فاقد للكرامه وطبعا بعض الجنود كانوا يفضلونها لبعض المزايا والفوائد الآنيه كعدم مشاركتهم الجنود الآخرين بالتدريبات العسكريه الصباحيه والمهام العسكريه المعروفه اعتياديا

ايضا هنا لا اريد ان انسى الأستغلال الا انساني والغير أخلاقي من قبل مراتب الجيش العليا من حيث تكليف بعض مراتب الجيش او الجنود بمهمات شخصيه خدمة لعوائلهم او بيوتهم او ابنائهم لا علاقة لها على الأطلاق بوظائفهم العسكريه مقابل منحهم اجازات اسبوعيه او يوميه, هنا لا اريد ان انسى الصلاحيات والميزات التي تعطى للضباط وخاصة من ناحية الواسطات او الحصول على ميزات تميزهم عن ابناء شعبهم وكأنهم تابعين لطبقه اجتماعيه من طبقة الذوات او من اصحاب الشأن , ما احب ان اشير اليه الآن وفي كل دول العالم المتقدم هذه الصلاحيات والأمتيازات لم تعد موجوده وكرامة مراتب الجيش وخاصة جنوده محفوظه قانونيا, وهنا لا انكر ان كثير من العسكريين العراقيين هم من الناس النبلاء والشرفاء ومن ضحوا بالغالي والرخيص من اجل بلادهم ولكن بالمقابل كان موجود هذا العرف السيء بالمجال العسكري

كلما اتذكر هذه الأمور بحياتنا وخاصة فيما يتعلق بالخدمه العسكريه تعرف ان الأنسان ببلدنا لم تكن له كرامه وكرامته مسلوبه وانا بالستينيات كنت اتذكر ان البعض من العراقيين يتطوعون بالجيش العراقي بخدمة قدرها خمسة سنوات وبعدها يتسرح اي ان المواثيق والعقود كانت تحترم بشكل قانوني ولكن ابتداءا من سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي اعرف جنود مكلفين بخدمة العلم وليسوا متطوعين خدموا الخدمه الألزاميه التي يجب ان لا تتجاوز الثمانية عشر شهرا فخدمتهم تجاوزت الثلاثة عشر عاما او اكثر ولم يتسرح وكيف ان البعض منهم للتخلص من هذه الخدمه المقيته والمعاناة التي كان يعانيها حتى ان كان هو الوحيد الذي يرعى اهله وعائلته ووالديه وكيف ان البعض منهم كان يرمي الطلق الناري على قدمه لكي يجد عذرا يسمح بخروجه من الخدمه العسكريه والكثير منا يعرف العديد من النكات التي تتعلق بايجاد عذر صحي لكي يتم اعتباره بما يسمى- سلاح سز - اي غير صالح للخدمه العسكريه

هنا احب ان اسرد هذه الحكايه التي رواها لي صديق فرنسي من اصل فيتنامي خدم بالجيش الفرنسي خلال حرب التحرير الجزائريه اي نهاية خمسينيات القرن الماضي وهو يتذكر كيف ان فرنسا عملت لتزوير نتائج تقرير المصير من قبل الشعب الجزائري آنذاك بالطلب من المواطنين اختيار البطاقه الزرقاء بدل الحمراء للمطالبه ببقاء الجيش الفرنسي بالجزائر حيث كانت الجزائر وقتها محافظه فرنسيه من وراء البحار فيقول زميلي وصديقي هذا وهو بالخدمه العسكرية ايامها هناك اتى لزيارة معسكرهم جنرال فرنسي معروف بدوره الكبير بالحرب العالميه الثانيه وأسمه يعتلي العديد من اسماء الشوارع الآن في فرنسا فقال لي وأنهم بحالة الأستعداد والجنرال يتفقد صفوف الجنود بالمعسكر ولكنه عجبا توقف امامي ولا اعرف السبب ولكن يبدو انه صغر سني وقامتي وكوني من اصل فيتنامي اوقفته بعد ان مر امامي وبعدها تقدم بالمسير ولكنه بعد ذلك تراجع عدة خطوات وأذا بيده يمدها على شفتي فمي ويبعدهما للأعلى والأسفل وأنا على الثبات وعدم التحرك حسب التعليمات العسكريه فطلب الجنرال من القائد العسكري للمعسكر ان يؤتى بطبيب اسنان عسكري من وحده عسكريه خارج العاصمه الجزائر ويجري اللازم للعناية بأسناني

وهكذا تمت الأجراءات الفوريه وبعجله كبيره جدا اتى طبيب اسنان وقام بأجراء العديد من التدخلات لجعل اسناني تظهر بشكل جيد ومقبول ولكن ما اريد ان اشير اليه بهذه الحكايه رغم كون عمل الجنرال عملا انسانيا من اجل احد جنوده ولكنه بطريقة فتحه للفم بشكل يعتبر غير اخلاقي اي انه ليس كالحيوان لكي يتم فحص اسنانه بهذه الطريقه وامام كل السرايا العسكريه وهنا احب ان اذكر انه عندنا بالعراق قديما وانت تذهب للعلوه لشراء الأغنام فالشاري يقوم بفحوصات مختلفه ومن ضمنها فتح فم الخروف لكي يرى طبيعة اسنانه وهي مؤشر لحالته الصحيه الجيده او المريضه وهكذا الحال قديما لشراء الحصان او الجمل فهي اسلوب معين للفحص وكذلك فتح الفم هو لمعرفة عدد اسنان فمه وبالتالي هي مؤشر لعمر الحيوان ان كان شابا او عمره اقل من عام او انه عجوزا

ختاما كرامة الجندي والعسكري هي من كرامة الشعوب ومن كرامة الوطن وهكذا يكون الأستشهاد والدفاع عن ارض وشعب الوطن رساله أمينه لا يمكن التخلي عنها اما ان يكون العسكريين وبالذات القاده من الدرجات العليا ولا يحترمون هذه القيم وهذه المبادئ فهذه هي الطامة الكبرى للشعوب والدافع للخيانه والهزيمه

اختم المقال بالتحيه والأكبار الى منتسبي الجيش العراقي البطل الذي كان ولا يزال درعا امينا لصيانة الوطن وكذلك تحية اكبار وأجلال لكل شهداء الجيش العراقي وهنا يعصف بي الزمن لتذكر النشيد الوطني بالصف الأول ابتدائي ونحن نقرأ بالقراءه الخلدونيه

أنا جندي عربي,,,,بندقيتي بيدي

أحمي فيها وطني,,,,من شرور المعتدي

وطيگ طيگ طاگ

 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

497 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع