الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - يا خيول الغرباء

يا خيول الغرباء

إبراهيم الزبيدي



1- أطرب زرياب الرشيد، فهمس اسحق الموصلي في أذنه :

إما أن تذهب في الأرض الواسعة، وإما أن تقيـم على كرهي مُستهَدفاً لسهامي.

أَسقطوا العصفور في الماءِ، وشبّت فوق عينيه ضبابه

طوَّحوا بالزهرة البكر على شوك الحديقة

طردوا النحل، أقاموا في الضحى قوس كآبه

شيدوا خلف زجاج المخزن الليلي كهفاً من دواوينَ عتيقة

علقوا كفّاً وعيناً حذر الحاسد في كل خرابَه

وعلى باب الضريح

طبعوا كفين بالحنّاء: من أُعطي مرادَه؟!

منعوا الشاعر من كل سفر

وأقاموا في القصائد

أيُ جلاد هو الصبح الذي

يخرج من حزن المواعيد الحبيسة

ومن الحب الجريح

ومن الصمت الذي يعقب ضحك الغرباء!!

آه فري يا عصافير الشجيرات اليبيسة

قبل أن ينشب في اللحم الرصاص

ووداعاً أيها الضحك النقي

يا خيال الشعراء



2 -

يمتطي زرياب ريش الحلم الطائرِ، يجتاز المسافات المضامة

يتخطّى الشَجَن الغافي على الرمل، يغني:

ها أنا الآن أجيءُ

طائراً يعطي زمامَهْ

لنسيم الشفق النازل من كف الغمامة

خرجت كل مدينة

من وراء الليل والتمّت عليه الطرقات

لترى القادم وهجاً وعطوراً ونوافيرَ ضياء

هارباً عبر البراري من بلاد الشجر النابت في بحر ضغينة



3 -

وغضب زيـادة الله بـن الأغلب أمير القيروان على زرياب وقـال له:

إن وجدتك في بلدي ضربت عنقك

يا أمير القيروان

عوديَ اليابسُ يعطيك دماً غير دماء الخلفاء

ويعرّيك من الثلج الذي يسكن قلبك

سيدي... لستُ أرى فيك الذي تبصره فيك البطانة

وأنا الآن أمامك

هل ترى فيَّ الذي لا يبصرون؟!

في دمي أحمل تيجاناً وعرشاً وممالك

لن ترى كل حوافيها البعيدة

أو ترى كل شواطيها المديدة

أنا بغداد العذاباتِ الطواحينِ المخيفة

أتحدى فيك بغداد الخليفة

فتضاءل

جرَّ عن وجهي كلابك

وتضاءل

قبل أن ينهض في الصدر الرصاص



4-

وقيل عن زرياب في الأندلـس:

لولا أن خلفاء زمانه نصروه على حُساده لراح ضحية

يا زمان الوصل في أندلسي

من ضحى بغداد آتٍ

حاملاً عودي كما تحلم أحلم

بالغد المتّقد السابح في آخر ماء الصبر في القلب الحزين

يا زمان الوصل يا قبة عطر ومرايا

أُبصر الساعة فيها ألف ساعة

وأرى وجه الحبيب

مثلما يبزغ في قلب الغريب

فرح العودة للدار فيبكي ويغني ويشمّ الغرباء

أشرقت فيه كما يشرق في بحر المساء

سفن الآتين من بعد غياب

واحتوتهُ

خبّأت أحزانَه في ضحكها الراقصِ..

وارتاح من الخوف الذي كان متاع الخلوات



5-

وأخيرا كثيرا ما تمنى زرياب لو أنه يموت بين أهله وعلى أرضه الطيبة.

عاد زرياب من الحلم إلى الحلم فما أبصر أهلَهْ

رُدَّ يا زريابُ لا تنسَ ولا تبخل على أهلك دمعاً يا مجير الأبعدين

وتقطّع غربةً حباً، فما زال الخليفة

قائماً كالسيف كالنار كبحر الظلمات

بين زنديك وأهلك

كدرٌ ماؤك، شوكٌ تحت جنبيك الحرير

والبنفسج

وزغاريد الصبايا كالسكاكين تلاقيك

وأنتْ

قدم تجهل أرض الآمنين

يا زمان الوصل في أندلسي

لم يكن وصلك إلا حلماً

في الكرى

أو خلسة المختلسِ...

واتبعيني يا خيول الغرباء

نحو بغداد التي ليس تنام

في انتظار العائدين.

 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

812 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع