الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - خطاب الكاظمي بين الوعود والواقع

خطاب الكاظمي بين الوعود والواقع

                                                   

                           ولاء سعيد السامرائي

خطاب الكاظمي بين الوعود والواقع

أصدر مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء الجديد بعد اول اجتماع لمجلس الوزراء أمرا بأطلاق سراح جميع المتظاهرين الموقوفين والتحقيق بأعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات التي شهدها العراق منذ بدء ثورة تشرين واغتيل فيها أكثر من ألف متظاهر٬ وحماية حق التظاهر وعدم التسامح مع أي اعتداء يتعرض له المتظاهرون وقال ان هدف الحكومة هو تحقيق تطلعاتهم المشروعة٬ أضافة الى خمسة عشرا قرارا تخص عمل الوزارات وترشيد الهياكل الإدارية وبالأخص تشكيل "خلية الطوارئ للإصلاح المالي" لا تذكر في أي من تفاصيلها قضية مكافحة الفساد او وضع حد له اطلاقا والذي هو احد أسباب خروج التظاهرات والثورة على حكومة الخضراء ! لكن وبعد فورة الأيام الأولى لتعيين الكاظمي الذي جاء بعد تلكؤ حكومي طال امده فشل في تمرير محمد توفيق علاوي والإبقاء على المقال عادل عبد المهدي ٬ والدعاية التي رافقت تكليفه وإعطاء فرصة لما سيقوم به من "إصلاحات تستجيب" للتظاهرات ولمطالب الشعب العراقي٬ تتبدى اليوم حقيقة بعض الوعود واهمها اطلاق سراح الموقوفين والتحقيق بأعمال العنف والقتل التي شهدتها التظاهرات؟ بالرغم من ان خطاب مصطفى الكاظمي الذي اعقب تكليفه كان صريحا بأنه سيكون مع الشعب ومع التظاهرات الا ان الواضح لهذا اليوم أيضا هو ان ما وعد به وصرح عنه في خطابة لا علاقة له بما يجري على ارض الواقع. بل ان ما يحصل من انتهاكات بحسب المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب هي أكبر بحساب الفترة الزمنية منذ تكليف الكاظمي. فقد وثق المركز وكذلك المتظاهرين اختطاف السيدة ام علي التي تعتبر من اول الذين نصبوا خيمهم في ساحة التحرير وسبق للمليشيات ان حاولت خطفها قبل أسابيع لكن المتظاهرين تمكنوا من منع ذلك وفضح الجناة المعروفة انتماءاتهم لبعض المليشيات بالفديو. ليس ذلك فحسب بل ان القتل واختطاف الناشطين والاعتداءات على ساحات التحرير والحبوبي وكربلاء والبصرة لم تنقطع بل تزايدت من قبل المليشيات التابعة لمقتدى الصدر ولمليشيا ثأر الله التي سبق لها ان اغتالت الصحفي احمد عبد الصمد وزميله المصور صفاء غالي في البصرة قبل عدة اشهر. ومن الغريب جدا عدم وجود أي رد فعل على تصرف سائق وزير المالية بدهس المواطنين الذين احتشدوا لمطالبة الوزير الجديد بصرف رواتبهم التقاعدية التي امر عادل عبد المهدي بقطعها لهذا الشهر عشية تكليف الكاظمي مكانه.

اما الأكثر اجراما بحق المتظاهرين والعراقيين المظلومين هو ما حصل هذه الأيام وبتحد صارخ للكاظمي هو ما جرى لابن الناشط عدي الزيدي القاصر سواء في السجن والتعذيب ام مثوله امام ما تسمى بالقاضية التي استدعته للمحكمة. عادل الزيدي لا يتجاوز السابعة عشر من العمر ٬ خرج مثل كل الشباب يطالب بحقه واسترجاع العراق من خاطفيه ٬ أهتم في ساحة التحرير بإسعاف اقرانه من القنابل المسيلة للدموع والخانقة ٬وقد قبضت عليه قوات الشغب وهو يسعف احد الشباب وقيد ومعه سبعة احداث فجلدوا بالاسلاك الحديدية بعدها تم نقلهم الى سجن مطار المثنى بدلا من اقتيادهم الى سجن الاحداث الموجود في بغداد. وحينما عرف المحقق ان عادل هو ابن الناشط عدي الزيدي انتشى فرحا لانه كما قال يبحث عن الاب منذ اشهر وان ابنه قد سقط عليه من السماء. فكانت مكافأته بسجنه في زنزانة مظلمة لا تزيد عن متر واحد وتركه فيها ثلاثة أيام دون طعام او شراب ليبدأ بعدها التعذيب وإبراز التفنن بطرقه من جلد بالاسلاك وصعق بالكهرباء والاغراق بالماء مثل سجن أبو غريب سيء الصيت والكي باعقاب السكائر وطرق أخرى ؟ حكى لنا السيد عدي الزيدي قائلا ان الضابط الذي عذب ابنه كان يضع فديو يمثل رسالة منه وجهها قبل اشهر الى قاسم سليماني قائد الحرس الإيراني قبل اغتياله من القوات الامريكية في العراق ثم يبدأ بتعذيب ابنه حتى نهاية الفديو ويقوم بذلك يوميا قائلا للشاب :سأعذبك بقدر ما قام به ابوك من اعمال ويرد عليه الشاب وما دخلي بما فعل والدي ٬ لكن الضابط يمعن "ويجبر" عادل على ركوب دراجة مرسومة على الحائط وان لم يفعل يجلده ويسقيه مزيدا من العذاب٬ ومن ثم اجبره وهو معصب العينين على توقيع اعترافات لم يتفوه بها. بعدها تقرر نقل الشاب القاصر الى عمليات بغداد وتصور ان ذلك سيكون اقل الما له ٬ لكنه وجد الضابط نفسه يقوم بالتحقيق معه من جديد ويخبره بأنه قد وقع على اعترافات تخص والده ٬ فرد الشاب لا لم اقل لك ذلك فبدأ بضربه مرددا هذه الأوراق التي وقعت عليها ستبقى فيها اعترافك بان ابوك بعثي ويلتقي بابنة صدام حسين وعمك منتظر الزيدي متظاهر مسالم . وقال الضابط لعادل: غدا سنذهب الى قاضي التحقيق واذا تفوهت بكلمة فسترى ماذا سأفعل بك ٬ سأعيدك الى هنا واشبعك ضربا. ستقول للقاضية والدي بعثي والتظاهرات مدسوسة باستثناء التيار الصدري وعمي منتظر وليس لهم علاقة ٬ من يقوم بالشغب هم جماعة والدي عدي الزيدي .
وعندما وصل الي المحكمة في اليوم التالي وجد الضابط يجلس مع القاضية أيضا فقال له قبل ان تبدأ القاضية بالكلام: لقد اعترفت امامي وهذه هي الاعترافات وقالت القاضية للشاب القاصر تبصم هنا ٬ ابوك بعثي فسكت قالت له لا تسكت قل نعم ٬ فصرخ الضابط وقال للقاضية ربما يريد ان نعود للتحقيق معه اذن؟ فبصم الابن على الاعترافات. هذه هي القاضية التي تحكم بالقانون في المحاكم العراقية والتي تتواطئ مع الجلادين في اجبار المسجونين بالتوقيع على اعترافات تحت التعذيب ٬ لكنها لا تقتصر فقط على هذه الإجراءات بل انها نفسها ترفض طلب أي معتقل تحت التعذيب لتحويله الى المستشفيات لعلاجه ٬ فقد منعت عادل الزيدي مدة ثلاثة أشهر من الإسعافات حتى تندمل الجروح وتتم كتابة تقارير في صالح المحققين وتم التلاعب حتى بالتقرير نفسه اذ اقتصر على ذكر بعض الجروح وليس كلها. وقد حكمت هذه القاضية على الشاب القاصر بالسجن مدة ستة اشهر بعد قضائه أصلا ستة اشهر سابقا ٬ بتهم كبيرة واضحة لقمع المتظاهرين واجهاض الثورة العراقية ٬ وهي الترويج لحزب البعث وقلب نظام الحكم ودعم والده من السيدة رغد صدام حسين وكذلك اعتبار والده احد المحرضين على اغتيال قاسم سليماني. عادل عدي الزيدي ٬ شاب لم يبلغ سن الرشد سجن وعذب لمدة أربعة اشهر في سجون ليست للأحداث وبشكل غير قانوني لانه تظاهر بشكل سلمي دون مخالفة لأي قانون٬ لكن من سجنه ومن عذبه أرادوا ان يكون الاب الناشط الوطني تحت حبال واسلاك تعذيبهم وعندما لم يتمكنوا من اعتقال الاب وجدوا في الابن غايتهم فلم يبخلوا بكل ما لديهم من سلطات في أذية شاب صغير لا حول له ولا قوة.
في المحكمة وجهت محامية عادل الزيدي سؤالا للقاضية قائلة ان رئيس الوزراء أمر باطلاق سراح المعتقلين من المتظاهرين فلماذا تحكمين عليه بالسجن فأجابتها القاضية: اطلبي من الكاظمي ان يطلق سراحه لكنني لن افعل. فهل ان أوامر رئيس الوزراء الكاظمي لا قيمة لها ام ان الحقيقة هو ان امره بأطلاق سراح المسجونين هو فقط لذر الرماد في العيون لانه ولهذا اليوم لم يتأكد اطلاق سراح أي سجين من المتظاهرين ولم يصدر أي قرار لاي جهة امنية او مليشياويه بالامتناع عن الاعتداء على ساحات التظاهرات او الامتناع عن الخطف والاغتيال للمتظاهرين والناشطين ولم يعاد من تم اختطافه من قبل الأجهزة الأمنية او المليشيات. بل على الغالب لن يطلق سراح أي متظاهر لنفس التهم الموجهة للشاب القاصر عادل الزيدي.
هذه هي الحكومة الجديدة التي وعد رئيسها بأنه سيكون مع المتظاهرين وسيكون مع الشعب ولن يقبل باستخدام اسمه للحصول على مكاسب ! ان التمثيل على العراقيين وخداعهم لن يستمر طويلا لان اصغر طفل عراقي فهم الاعيب الخضراء وحتى قبل القاء الكاظمي خطابه بعد التصويت عليه ردد شباب التظاهرات: لن نترككم تسرقون العراق !
ولاء سعيد السامرائي
16/5/2020

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

577 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع