الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - لا تغضب

لا تغضب

                                                      

                           د. محمد السقا عيد
                     استشارى طب وجراحة العيون
                   عضو الجمعية الرمدية المصرية

لا تغضب

لا يوجد شخص لم تمر عليه لحظات من الغضب الشديد، أو الشعور بأنه يرغب في أن يكسر ويحرق كل ما هو موجود حوله ، فالغضب جماع الشر ، ومصدر كل بليّة ، فكم مُزّقت به من صلات ، وقُطعت به من أرحام ، وأُشعلت به نار العداوات ، وارتُكبت بسببه العديد من التصرفات التي يندم عليها صاحبها ساعة لا ينفع الندم .

إنه غليان في القلب ، وهيجان في المشاعر ، يسري في النفس ، فترى صاحبه محمر الوجه ، تقدح عينيه الشرر ، فبعد أن كان هادئا متزنا ، إذا به يتحول إلى كائن آخر يختلف كلية عن تلك الصورة الهادئة ، كالبركان الثائر الذي يقذف حممه على كل أحد .
الغضب شيء طبيعي، وعادة ما يكون شيئاً صحياً ولكن وفق معايير معينة لأنه عاطفة بشرية. وإذا وصل الإنسان إلى نقطة عدم التحكم يصبح مدمراً ويؤدى إلى مشاكل عديدة ... مشاكل في العمل، مشاكل في العلاقات الإنسانية، أو مشاكل في الحياة العامة.
أعراض الغضب
تظهر الكثير من الأعراض عندما يغضب الإنسان، فيتغير النفس و يبدأ الجسم بالارتعاش و تزداد ضربات القلب ، كما يصاحب الغضب ارتفاع في ضغط الدم و تغيرات في إفراز الهرمونات، وعندما يغضب الإنسان فإنه قد يصمت أو تزداد سرعته في الكلام مع توتر و حركة يصاحبها شد في العضلات، و يقوم المرء بالنفور و الحسد و الغيرة و يتحول سلوكه إلى سلوك عدواني و يشعر بالاكتئاب و القلق و تقل نسبة الرضا عن الذات و الشعور بالأمان، و تكثر الشكوى تزامناً مع حالة القلق إضافةً إلى إبداء الآراء السلبية و الإدانة و عدم القدرة على النوم.

وتختلف حدة الغضب من شخص لآخر، فهناك أشخاص يغضبون لفترة قصيرة وثم يهدئون بعدها، ويوجد أشخاص يحتاجون الكثير من الوقت كي يهدؤوا ويرجعون إلى حالتهم الطبيعية، ويختلف تحكم كل إنسان بغضبه عن الآخر، فيوجد بعض الأشخاص يحاولون التحكم بغضبهم أمام الآخرين ويحاولون إخفاءه قدر الإمكان عن الناس، ولكن في المقابل يوجد العديد من الناس لا يستطيعون التحكم في غضبهم أو السيطرة على أنفسهم لحظة الغضب، فقد يصرخون أو يكسرون ما حولهم أو قد يؤذون أنفسهم أو غيرهم.
التغيرات التي تحدث في جسم الإنسان عند الغضب
تحرض الانفعالات الشديدة والضغوط التي يتعرض لها الإنسان كالخوف والغضب الغدة النخامية على إفراز هرمونها المحرض لإفراز كل من الأدرينالين والنور أدرينالين من قبل الغدة الكظرية.
يؤدي ارتفاع هرمون النور أدرينالين في الدم إلى تسارع دقات القلب، وينذر باختلاطات سيئة، فهو يعمل على رفع الضغط الدموي بتقبيضه للشرايين والأوردة الصغيرة، كما أن الارتفاع المفاجئ للضغط قد يسبب لصاحبه نزفاً دماغياً صاعقاً يؤدي إلى إصابة الغضبان بالشلل النصفي ، وقد يصاب بالجلطة القلبية أو الموت المفاجئ،وقد يؤثر على أوعية العين الدموية فيسبب له العمى المفاجئ، وكلنا يسمع بتلك الحوادث المؤلمة التي تنتج عن لحظات غضب. كما يحرر الجليكوجين من مخازنه في الكبد ويطلق سكر العنب مما يرفع السكر الدموي.
أما ارتفاع هرمون الأدرينالين فيزيد من عمليات الاستقلاب الأساسي ويعمل على صرف كثير من الطاقة المدخرة مما يؤدي إلى شعور المنفعل أو الغاضب بارتفاع حرارته وسخونة جلده. كما ترتفع شحوم الدم مما يؤهب لحدوث التصلب الشرياني ومن ثم إلى حدوث الجلطة القلبية أو الدماغية، كما يؤدي زيادة الهرمون إلى تثبيط حركة الأمعاء ومن ثم إلى حدوث الإمساك الشديد، وهذا سبب إصابة ذوي المزاج العصبي بالإمساك المزمن.
مثال
كان هناك طفل يصعب إرضاؤه , أعطاه والده كيس مليء بالمسامير وقال له : قم بطرق مسمارا واحدا في سور الحديقة في كل مرة تفقد فيها أعصابك أو تختلف مع أي شخص.
في اليوم الأول قام الولد بطرق 37 مسمارا في سور الحديقة.
وفي الأسبوع التالي تعلم الولد كيف يتحكم في نفسه وكان عدد المسامير التي توضع يوميا ينخفض. اكتشف الولد أنه تعلم بسهوله كيف يتحكم في نفسه ,أسهل من الطرق على سور الحديقة. في النهاية أتى اليوم الذي لم يطرق فيه الولد أي مسمار في سور الحديقة.
عندها ذهب ليخبر والده أنه لم يعد بحاجة إلى أن يطرق أي مسمار.
قال له والده: الآن قم بخلع مسمارا واحدا عن كل يوم يمر بك دون أن تفقد أعصابك.
مرت عدة أيام وأخيرا تمكن الولد من إبلاغ والده أنه قد قام بخلع كل المسامير من السور. قام الوالد بأخذ ابنه إلى السور وقال له: بني قد أحسنت التصرف, ولكن انظر إلى هذه الثقوب التي تركتها في السور لن تعود أبدا كما كانت.
صفوة القول
وأختم كلامي عن الغضب بمقالة ظريفة وهادفة للدكتور عائض القرني مؤلف الكتاب الشهير "لاتحزن " يقول فيها :أجمل وصية من الرسول صلى الله عليه وسلم وقد جاءه رجل غضوب فقال: أوصني، قال: «لا تغضب» فردد مراراً قال: «لا تغضب»، فالغضب خُلُق عدواني مدمّر يفتك بالشخصية. وغالب الشرور والفتن والثارات والأحقاد من الغضب، والضرب والشتم واللعن هي ثمرة الغضب، والحرب والقطيعة والكيد والمكر من بنات الغضب. ما أسوأ الغضب وما أبشعه وما أمرّه!، إذا استولى الغضب على الإنسان شلَّ أخلاقه وأفسد ذوقه وأذهب مهابته وحلاوته وصار مكروهاً ممقوتاً مسخوطاً عليه مغضوباً عليه من الله ثم من الناس.
لا تغضب أيها الإنسان حرصاً على عقلك وسمعتك وصحتك وأعصابك ودينك ومستقبلك، فالحياة أصلاً لا تستحق دقيقة واحدة من الغضب؛ لأنها زائلة زائفة تافهة.
لا تغضب أيها الإنسان؛ لأن مع الغضب أمراضاً مزمنة كالسكري والضغط والجلطة والنزيف والتّشنج والقلق والاضطراب.
لا تغضب أيها الإنسان فإن مَنْ كفَّ غضبه كفَّ الله عنه عذابه، فهنيئاً للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين.
ينبغي علينا في زحمة الحياة وصخبها أن نذكّر أنفسنا بكلمة واحدة نكتبها أمام أعيننا في بيوتنا ومكاتبنا تقول الكلمة: «لا تغضب» يكتبها المسؤول والعالم والمدير والتاجر والموظف والزوج، وإذا استطعنا أن ننتصر على أنفسنا ونقهر غضبنا فسوف يقل القتل والخصام والشجار والطلاق والقطيعة والشحناء والبغضاء والأمراض والهموم والأحزان، وسوف ننعم بحياة ملؤها السلام والسعادة والأمن والسكينة، وصدق الله تعالى، حيث يقول: «وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ»

أفلام من الذاكرة

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

578 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع