الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - العولمة و "كورونا"

العولمة و "كورونا"

                                                    

                             قاسم محمد داود

العولمة و "كورونا"

ما هذا الذي يحدث مشاهد تتماثل مع أحداث أفلام الرعب التي نراها على الشاشات، حالة رعب تجتاح العالم من كائن مجهري لا يرى إلا بعد تكبيره خمسة آلاف مرة، الحياة تكاد تتوقف تماماً، مدن كانت تعج بالحياة تتعطل، مطاعم وفنادق تغلق، وسائل المواصلات تتوقف، مقاهي تخلو من روادها. باغت وباء كورونا مئة بلد وأخترق القارات وعمم الهلع، وهز الاقتصاد العالمي وزاد التخبط في العلاقات الدولية، ويبدو في الأفق تصدع العولمة نتيجة احتدام التنافس بين قوى العالم الكبرى في مسعى إعادة تشكيل النظام الدولي، وكما هو معروف فأن التاريخ ليس نتاج ما نتوقعه، لكن ما حدث هذا العام 2020 ليس حرباً عالمية تعيد تشكيل خريطة العالم الجغرافية والسياسية كما سبق أو عملاً ارهابياً كبيراً أو انهيار مالي، بل فيروس مفترس غامض يجتاح "القرية الكونية" التي هي نتاج العولمة، ويدلل على مكامن الضعف في هذا النظام العالمي وعلى الخلل في نماذج التطور والعولمة والحوكمة التي لم تكن من صنع العالم الفقير ودوله التي تسمى بالنامية أنما من صنع الدول المتقدمة، باغت انتشار فيروس كورونا الجديد الجميع من نقطة انطلاقه وهي احدى القوى العالمية المتحكمة في العولمة و في الاقتصاد العالمي الى باقي دول العالم وأخذ يتجول ويتحكم في أعمال " القرية الكونية"، وأحدثت آثاره المباشرة والجانبية اهتزازاً اقتصادياً في الأسواق النقدية وسوق النفط ووضعت على المحك أنظمة الصحة في العالم وأشكال إدارة الأزمات. كذلك شكلت اختباراً للأنظمة السياسية بمختلف اشكالها لمقدرتها في الحد من تصاعد وانتشار الوباء.
الأوبئة ومسبباتها من الفيروسات ليست جديدة بل هي رفيقة الوجود الإنساني، وهناك من العلماء من يقول إنها سابقة على وجود الإنسان ذاته على سطح الكرة الأرضية، كما ان التاريخ يذكر لنا ان البشرية على مدى العصور عانت من أوبئة رهيبة، حصدت آلاف البشر في كل بقاع المعمورة. من الطاعون إلى الجدري والكوليرا والأنفلونزا التي يقال انهم لم يكتشفوا لها علاج لحد الآن وغيرها من الأوبئة والأمراض. في تلك العصور كان سكان الكوكب قلة، يسكنون تجمعات ومدن صغيرة متباعدة، يقضي أغلبهم حياته في عمل مرهق كي يؤمن قوت يومه. ولم يكن يسافر من مكان الى آخر وان سافر يحتاج الى أيام واحياناً شهور، وفي كثير من الأحيان لا يسافر طيلة حياته. فاذا حل وباء على مدينة فقلما ينتقل بسرعة إلى غيرها، بل إن بعض المدن المتقاربة لا تسمع بما حل بجارتها من وباء قاتل إلا بعد زوال الوباء، فلم تكن هناك طائرات ومطارات ولا وسائل النقل الحديثة المتطورة والسريعة ومسافرين كثر ومجموعات من السواح يجوبون العالم ينقلون المرض خلال ساعات، كانت الحياة بسيطة. وجاء زمن العولمة وصار العالم قرية واحدة. العولمة لم تكن لتتجسد عالمياً لولا التطور في الصين الجديدة التي فتحت أبوابها لكل الجنسيات وصارت مصنع العالم على حد تعبير أحد السياسيين. سنة 2020 كانت سنة للصين عملاق الاقتصاد العالمي بلا جدل، استيقظ العالم على كائن غامض يسمى فيروس كورونا، انطلق منها إلى بقاع الدنيا التي دخلت حالة رعب عززته وسائل الأعلام التي تبحث عن الأثارة لم تشهدها منذ الحرب العالمية الثانية، في أسابيع قليلة ارتجت ملايين البشر في كل القارات رعباً من قاتل غامض طار من مدينة ووهان الصينية، وحط في كل العالم وراحت وسائل الأعلام تعلن حجم الإصابات، وتتحدث عن الأعراض وسبل الوقاية المطلوبة، أنه داء العولمة الرهيب، حيث تصدر البضائع ورؤوس الأموال والأفكار والامراض عبر الحدود الجغرافية والسياسية. في السنوات الماضية، تحدث العالم عن فيروس ضرب بلداناً في وسط أفريقيا، اسمه " إيبولا" لكنه لم يرعب العالم، بل هناك من لم يسمع به، لأن البلدان التي تفشى بها لا علاقة لها بأغلب الدول، بلدان فقيرة ومعزولة ليست إلا أسواق لسلع الصين الرخيصة، وامراض أخرى كانت ضحاياها تعد بعشرات الآلاف، لم تهز الدنيا، العولمة غيرت كل شيء في العالم، بما لها وعليها، الإصابات تجاوزت المائة ألف، والقتلى آلاف في كل أنحاء العالم، لأول مرة في التاريخ الإنساني يشترك العالم، عالم الكبار حيث الاقتصادات الكبرى والدول المتقدمة، والبلدان النامية والفقيرة، في حالة طوارئ واستنفار وتحالف من أجل عدو واحد، هو وباء مرعب اسمه كورونا، ماذا لو ولد هذا الفيروس في صين ما قبل الطفرة الصناعية والتطور الهائل الذي حدث فيها يوم كانت مغلقة أبوابها بوجه العالم ؟ بالتأكيد لن ينتشر كما انتشر اليوم، فالبلاد لم تكن مصنعاً ولا متجراً للعالم، ولم يكن أهلها يجوبون العالم حاملين عقودهم ومشاريعهم وتجارتهم، وربما لن نسمع به أبداً، الصين الجديدة عمود مهم من أعمدة العولمة فهي المصنع والسوق والسياحة والقوة الاقتصادية، أنها العولمة التي نعيشها اليوم، التي جعلت من وسائل الاتصال الحديثة الفيروس الذي كشف السر الذي يخفي الأوبئة، ورغم ذلك هناك ما يبعث على الريبة في تصريحات رسمية لقادة بعض الدول المتقدمة التي تمتلك مراكز بحثية متطورة، تتحدث عن إصابات تصل الى 70% من سكان هذه البلدان وموت 150 مليون شخص في بلد واحد، ثم هناك مؤشرات أخرى يضعها الباحثون في حساباتهم عند أعداد تقديراتهم وسيناريوهات الازمة، منها الإجراءات المرتبطة بضهور المرض، فعندما يصل الامر الى سابقة تاريخية مثل وقف الطيران بين الولايات المتحدة وأروبا لمدة شهر وعندما تخصص الدول عشرات المليارات من الدولارات لمواجهة الأزمة، بالإضافة انهيار البورصات العالمية، وهبوط أسعار النفط، تصبح السيناريوهات المتشائمة هي الأكثر ترجيحاً لأن القرارات السياسية هنا تقوم على معطيات وحقائق عدة تقدمها مراكز أبحاث رصينة. لقد فرض القاتل المتسلسل برنامجه على العالم وفكك "القرية الكونية" والمدن وحولها منعزلات وجزراً تقيم وراء بحر من الكمامات.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

573 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك