الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - التسامح قيمة أخلاقية تساعد على بناء المجتمع وتطوره

التسامح قيمة أخلاقية تساعد على بناء المجتمع وتطوره

                                                 

                            قاسم محمد داود

التسامح قيمة أخلاقية تساعد على بناء المجتمع وتطوره

يعني مفهوم التسامح فيما يعنيه العيش بسلام مع الآخرين بدون مشاكل وتقبل أفكارهم وممارساتهم التي يختلف معها الفرد وكذلك الإقرار بممارسة كافة الحقوق والحريات في المجتمع ضمن الحدود والقوانين المعمول بها في هذا المجتمع، ففي المجتمعات المتطورة تقتضي المصلحة الجماعية لأفراد هذا المجتمع تغليب عوامل التسامح وأبعاد عوامل التعصب، أي بالعكس مما يحدث في المجتمعات المتخلفة التي لا تزال ترزح تحت التخلف والامية والجهل حيث ينبش افراد هذه المجتمعات زوايا الماضي بحثاً عن أحداث ووقائع تغذي عوامل التعصب والكراهية. واهمال العوامل التي تعزز الترابط بين أفراد المجتمع وتساعد على نشر المحبة بين الناس، وزرع التسامح لكي ينعكس أثره على حياة الفرد والمجتمع ويبرز من خلاله العديد من الدلالات التي تلامس قلوب البشر فينغرس فيها الاحترام والمودة، ويظهر هذا المفهوم في نواحي الحياة المتعددة، حيث يسود قبول الناس لبعضهم بعضاً وقدرتهم على التعايش فيما بينهم واحترام كل منهم معتقدات الآخر حتى وأن اختلف عنه في معتقده. لا شك ان التعصب وعدم التسامح الذي يسود مجتمع ما ليس كله ناتج عن عوامل آنية إلا ان هذه العوامل تكون هي ما يعطي شرارة الانفجار لما يكنهُ هذا المجتمع في باطنه، ان عدم التسامح والكره الذي يسود مجتمع ما يظهر عبر تراكم تخطى محطات من التسامح والوئام عبر التاريخ وناتج من نواتج أو منجز من منجزات السياسة في كل العصور.

في المجتمعات المتطورة يكون الانتماء للوطن اولاً، ولأن الانتماء في المجتمعات المتخلفة لا يكون للوطن انما للدين والطائفة والقومية والقبيلة والمنطقة. كل هذه الانتماءات تساعد على تفكك المجتمع الى مجتمعات صغيرة متناحرة فيما بينها يؤجج تناحرها وصراعها عوامل حديثة وأخرى تاريخية قديمة، فمن العوامل الحديثة تلاعب السياسيين وأصحاب المصالح بطرق شتى مستخدمين الدين او القومية او المذهبية في إذكاء نار الصراع في سبيل تحقيق مكاسب مادية او الحصول على زعامة او منصب سياسي. ومن الأمثلة على ذلك استخدام الدين والطائفة حيث يتم رفع الروح الطائفية والتطرف الديني لدى فئات المجتمع ويتم اللعب على هذا التطرف ليتم كسب أرضية اجتماعية وأنصار من الذين يتوهمون انهم ينصرون الدين والطائفة في حال اصطفافهم خلف هذه الزعامات التي ترفع الروح الطائفية من اجل المكاسب السياسية والمادية، وكثيراً ما أشعلت هذه الزعامات المتصارعة اللاهثة خلف السلطة والمال حرائق حروب عبثية وقودها أبناء الفقراء والمحتاجين والمعدمين الذين يزج بهم في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.. حروب المصالح والامزجة والولاءات المقيتة لقيادات تلهث للتربع فوق كرسي السلطة حتى ولو كان ذلك فوق جماجم البشر من فقراء هذه المجتمعات، الذين دفعتهم الظروف المعيشية القاسية والحاجة المريرة وقسوة الفقر وانعدام فرص العمل الى الالتحاق بها. كما ان عدم توزيع الثروات الوطنية توزيعاً عادلاً يضمن لكل فئة من فئات المجتمع حقها في ثروات الوطن والعيش برفاه واطمئنان على أي بقعة منه يعد من الأسباب والعوامل التي تزيد من فرقة المجتمعات وتوسيع انقساماتها. لأن عدم توزيع الثروات الوطنية توزيعاً عادلاً يترك اثراً سلبياً في النفوس ويوحي بوجود استبداد واستئثار بهذه الثروات من قبل فئة معينة وترك الملايين المحرومة من أبناء المجتمع تعاني من شظف العيش مما يدفعها نحو البحث عن سبل للحصول على حقوقها المغتصبة حتى وان كانت عنيفة. ومن العوامل المساعدة في خلق هذه الصراعات التدخلات الخارجية التي تجد في تفكك المجتمع وأضعاف الدولة ما يخدم مصالحها دون أي حساب لمصلحة المجتمع الذي زرعت فيه الفرقة. وكثيراً ما ساهمت التدخلات الخارجية في نشر الأحقاد الطائفية وروح الفرقة والانقسام الذي يكرس ضعف المجتمع ويحول دون قيامه بأنشاء دولة قوية قد تشكل تهديداً سياسياً وعسكرياً واقتصاديا لهذه الدول الطامعة. ولا ننسى العامل الذي هو حاضن لكل العوامل الا وهو الجهل والامية، بما لهما من تأثير في حياتنا العامة والخاصة، مما يسبب التعصب وهو اعتقاد يتسرب الى النفوس ويقود الى التعصب الاعمى وكره الآخر ويشتت المجتمع، لأن تلك النفوس تجهل الحقائق فيتحول المجتمع الى تجمعات سهلة الانقياد من قبل الزعامات الدينية والسياسية وشيوخ القبائل التي توجهها كما تريد نحو الأهداف التي تخدم المصالح والمنافع الشخصية لهذه الزعامات التي استغلت هذا الجهل وزرعت الفرقة العرقية او الطائفية، من اجل تمرير مصالح ما هنا او هناك. وللماضي دوره الكبير حيث تتمحور عوامل التاريخ التي تذكي نار الفرقة والتناحر والصراع بين فئات المجتمعات المتخلفة حول حوادث معينة وقعت في ازمنة قديمة لم يعد لمسبباتها أي وجود الا انها لازلت من أسباب التعصب والكره والحقد بين افراد المجتمع رغم الكثير من أسباب التقارب والالفة لكن الإرث التاريخي لهذه المجتمعات بين حدث ورواية واسطورة ويمتد الى حقبة زمنية غابرة يثار في كل مرة ليخلق عقائد وأراء متصادمة مع الاضطرار الى الشراكة في الأرض مع وجود النظرة المتخلفة التي لا ترى في التسامح والتغاضي سوى الضعف لذلك تصير البندقية اعلى صوتاً من الكلمات فيدخل المجتمع في دوامات من العنف والعنف المضاد ويزداد العنف عندما يكون الصراع دينياً أو طائفيا حيث يتغذى العنف على مخزون ( القداسة ) التي تتغذى بها كل طائفة من اعتقاد راسخ في انها على حق وان الطرف الآخر على باطل وتتسارع عجلة العنف بفعل تغذية الطرفين للنار التي شبت بالحقد المتبادل ، الذي يصير معه العنف لدى الجماعة الدينية ( جهاداً مقدساً ) ذا آليات ذاتية التشغيل والتوالد. ان الكثير من الحروب الاهلية اندلعت بسبب تصارع الاساطير التي لا يُمكنها أن تتعايش مع بعضها البعض وهي في معظمها دينية أو قومية جاءت من ازمنة قديمة لكنها صارت غذاء لحروب حديثة بعد ان تحولت في اذهان معتقديها الى حقائق مقدسة لا تقبل الشك في صحتها وان الموت في سبيلها شهادة وشرف ما بعده شرف. في هذه الحروب العبثية يذهب الفقراء ليقاتلوا بعضهم بعضاً، ولأنهم ضحايا هذه الوهم المقدس، وحدهم الذين يعذبون، يتضررون، ويقتلون. بينما القابضون على الاساطير من رجال السلطة والدين والمال السادة، فهم " يحركون المشهد من خلف الكواليس، يبعثون الروح في الأسطورة، ويبقونها حية في الوعي الجماعي وذلك عبر أنظمة، ومنظمات ومجموعات سلطوية" تستخدم الاساطير من أجل مصالحها وغاياتها. انها حروب وصراعات يخوضوها الفقراء عنهم بالوكالة وهم يسترخون في أماكن بعيدة يجنون الأرباح ويتقاسمون المصالح والمناصب بعد ان تضع هذه الحروب اوزارها. الأغنياء لا يموتون في الحروب، اما الفقراء فهم مجرد ارقام في " حروب الاساطير هم الخاسرون الدائمون ". لقد وصل العلم الى حقيقة ثابتة وشبه نهائية وهي: " ان اختلاف الأعراق خرافة ما بعدها خرافة " اما الدين والطائفة فلم يكن لنا يد في اختيارهما كما انها ليست إلا معتقدات وأفكار يمكن تغيرها بطرق كثيرة وهذان العاملان أي (العرق والدين) عندما سخرا لغير أهدافهما الحقيقية كانا السبب في الكثير من الآلام والحروب للبشرية وفي مقتل ملايين البشر وتشريد ملايين غيرهم، ومزقت مجتمعات واوطان على طول مسيرة التاريخ المعروف للبشرية، نحن نعيش اليوم ما يمكن تسميته "هوس الهوية" ونقسم انفسنا الى هويات مختلفة وقد وصل اختلافنا الى حد الاقتتال في الوقت الذي يثبت العلم والدراسات الحديثة ان هذا الاختلاف ناتج عن اختلاف الثقافات والبيئة ويمكن التغلب عليه بالوعي والتنمية الاقتصادية والبشرية.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1093 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع