الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - البخور والعطور في حضارة العراق القديم

البخور والعطور في حضارة العراق القديم

                                                           

                           د.صلاح رشيد الصالحي


البخور والعطور في حضارة العراق القديم

كان استخدام المواد العطرية والبخور واسع الانتشار في جميع أنحاء الشرق الأدنى القديم، وأشارت المصادر المسمارية بأهمية طقوس التبخير، سواء في المجالين الديني أو الخاص، ويبدو أن الرائحة اللطيفة المنبعثة من خلال حرق المواد العطرة كان عنصرا لا غنى عنه، فقد وردت في ملحمة كلكامش، وعلى لسان اوتا-نبشة (Uta-napištim) وهو يروي كيف حصل على الخلود: ( أخرجت القرابين وقربتها للرياح الأربعة، وضعت بخورا على قمة الجبل، نصبت سبعة قدور وسبعة (أخرى)، كدست أسفلها قصبا، ارزا، وآسا، استنشقت الآلهة الاريج، استنشقت الآلهة الأريج الطيب، فتجمعت الآلهة كالذباب على صاحب القرابين)، هنا البخور والعطور رافقت قرابين سيد الطوفان اوتا-نبشة للآلهة العظام، وفي الهياكل الدينية السومرية والمصرية كان التبخير بالطيوب مألوفا، كما ذكر هيرودوتس (المؤرخ اليوناني 480 ق.م) بان (البخور كان مستعملا في بابل)، لكننا لا نعلم في أي وقت أدخل البخور لأول مرة إلى بلاد الرافدين، ومع هذا هناك إشارات تدل على معرفة السومريين بالبخور والعطريات منذ زمن قديم جدا، وأشار المؤرخ هيرودوتس بان البابليين يحرقون زهاء طنين ونصف الطن من البخور سنويا في مهرجان آكيتو السنوي (Akitu) (رأس السنة البابلية) الذي يصادف بين 1-12 نيسان (نيسانو) من كل عام، ولذلك اعتبر التبخير والعطور من مستلزمات حضارة العراق القديم، وسواء كان بخور أو عطور فان لكل واحد له مجاله الخاص :
1- البخور: يعتقد ان معرفة استخدام البخور كان منذ الالف الثالثة والثانية ق.م، وربما منذ عصور ما قبل التاريخ، وشملت المواد العطرية المستخدمة في محارق البخور: العرعر، شجرة الأرز، الطرفاء، والسنط (الصمغ) واللبان والمر، وعلى الرغم من أن النصوص المسمارية لا تقدم وصفا دقيقا لحرق البخور، إلا أنها تسرد المواد التي يصنع منه البخور، وتصف الاستعدادات لطقوس التبخير وخاصة طقوس التطهير وتنقية الجسد من الأرواح والشياطين، وكانت مواقد البخور تصنع من الطين، أو الحجر، أو المعادن النفيسة، كما تذكر النصوص أيضا أن موقد البخور كان ممتلئا بالفحم المحترق وانه يستخدم في الشعائر الدينية، أو يدخل في مستحضرات التجميل، أو ضمن طرق العلاج من الامراض، كذلك استخدم في مراسيم دفن الموتى، وتعطير الهواء في مكان الوفاة، من أجل إخفاء رائحة الموت التي تخيم على منزل المتوفي، وقد اعتقد القدماء أن البخور يقرب الانسان من الآلهة لان العطر المنبعث من حرق (البخور) والمواد العطرية كان بمثابة إله يرافق الآلهة ويجعل الناس أقرب إليهم، وأطلق على البخور مصطلح قُطرانَ (qutrinna) كما في العبارة قُطرانَ ولا إصين (qutrinna ul iṣṣin) (ولا يشتم البخور)، وفي مصر القديمة أطلق على الدخان المنبعث من الراتنج المصري (بمعنى الصمغ الذي يستعمل بالبخور) أسم (sntr/snTr. antjw and kAp.t – kyphi).
كانت العطريات ثمينة للغاية، ولذلك تم الاهتمام بالطرق التجارية من أجل السعي وراء مكونات البخور والعطور، فسارت القوافل لتصل إلى المناطق النائية، كذلك ابحرت السفن لنفس الهدف من أجل جلب اللبان والمر (من جنوب الجزيرة العربية، وعُمان) ، كما جلبت القرفة من إفريقيا، والهيل من الهند، وكان سوق هذه المواد قويا للغاية، حيث كان الطلب يرتكز على أفضل أنواع البخور واغلاها ثمنا، وفي هذه الحالة يمثل الذهب، واللبان، والمرّ، كل من الملك، والكاهن، والاضحية على التوالي، عموما أصبحت الرائحة العطرية جزءا أساسيا في الشعائر الدينية، فهي تساعد الناس على الصلاة، والشفاء من الامراض، وحتى عندما يحل الموت فللبخور وجود، وأيضا يدخل في تحضير العقاقير، وفي النصوص المسمارية نقرأ استخدم الخشب المعطر في بناء المعابد، مثل خشب الأرز وخشب الآس، وقدمت تلك الاخشاب من أجل خدمة الآلهة، ولدينا دعاء إلى الإله مردوخ كبير آلهة بابل(Marduk) حيث أعلن نبوخذنصر الثاني ملك بابل (634-562) ق.م وهو يصلي: (أنا أمسح جسمي كل يوم بالزيت، وأحرق البخور، وأستخدم مستحضرات التجميل حتى تجعلني استحق عبادتي لك)، وعندما ازدهرت بابل في عصره شيد القصور، والحدائق في قصرة وفي مدينته بابل لعامة الناس، فجلب نباتات متنوعة من المناطق التي غزاها مثل أشجار الفواكه، وشجيرات البخور، والحيوانات الصغيرة مثل الغزلان.
2- العطور: تسمى الزيوت التي تستخدم لصناعة العطور حِلصو (hilṣu)، أو كِصرو (kiṣru)، أو صِلتو (siltu)، فقد وصلتنا وصفات لعمل العطور وردت في الكثير من النصوص، ففي أحدى الوصفات نقرأ: خذ (6) لتر من السمسم واضف اليه أعشاب عطرية مثل: خشب الأرز، والسرو، والآس، وخشب البقس، وعطر القصب...)، اما من يمارس صناعة العطور فقد ردت في إحدى النصوص امرأة تدعى كاشا (Kaššā) تحمل اللقب (rabītu ša bīt Šarrat-Sippar) وهي ابنة نابو-شودون-اوصر (Nabu-chodon-uṣur) من مدينة سـﭙار، استلمت صوف لعمل ملابس للإلهة انثى، وكانت تحضر الزيوت المعطرة أيضا، أما صناعة العطور فقد احتكرت من قبل عائلة سين-ايلي (Sin-ili) التي صنعت العطور في مكان يدعى بيت-حِلصي (Bit-hilşi) والبناء عبارة عن صرح ديني يقع تحت مسؤولية كاهن يلقب شانكو بيت حِلصي (šangû-bit-hilşi)، على العموم عرف استخدام العطور منذ العصور السومرية ففي وصفت طقوس الزواج التي تقام في يوم رأس السنة، أو يوم الطقوس أو (يوم القمر الجديد)، فهناك نص يعود لعهد شو-سين (2038- 2030) ق.م رابع ملوك سلالة أور الثالثة: (..تقوم الكاهنة العظمى بالاستعداد لهذه المناسبة، فتغتسل بالماء والصابون، وتطيب جسدها بالدهان، والعطور وفمها بالعنبر، وزينت عينيها بالكحل، وارتدت اجمل ثيابها النفيسة، وتلبس الأساور والخواتم والقلائد المصنوعة من الذهب والاحجار الكريمة استعداد للقاء الإله (يقوم بدور الإله إما الملك أو الكاهن الأعظم).
كما كانت العطور ضمن الجزية أو الهبات المفروضة على الممالك المنهزمة بالحرب كما ورد في قائمة الهبات التي قدمت للملك شلمانصر الثاني (1031-1019) ق.م ملك آشور والتي تبرع بها إلى معبد الإله آشور والمعابد الأخرى وتتضمن كميات من خشب الارز (dam erêni)، وكمية من العطور قدمت لنهر دجلة (Idiglat) كقرابين لما للنهر من قدسية لدى الاشوريين، أما في بابل فكان الرجل البابلي يتعطر قبل خروجه من المنزل كما أشار المؤرخ هيرودوتس بان الرجال في بابل استخدموا العطور بكثرة، ونحن لا نملك نص تاريخي يؤكد ذلك في فترة نبوخذنصر الثاني، ولكن بالتأكيد هناك نباتات وطرق لإعداد العطور واستخدام الكحل (كخلو Qukhlu) وهي معروفة منذ فترة قديمة، وأيضا عرفوا المسك (مسكانو Musukanu) ونباتات عديدة، ولابد من القول ان استخدام العطور لا يعني ان رجال بابل كانوا منحرفين! لكن من المحتمل وجود الخنازير والكلاب في الأزقة مع وجود النفايات والازبال، وعدم وجود قنوات تصريف المياه القذرة التي كانت تجري في ازقة بابل تجعل رائحة الجو كريهة خاصة في جو تغلب علية الحرارة المفرطة فالعطور تقلل من تلك الروائح العفنة.

    

شكل المباخر: مبخرة على شكل مكعب استخدمت لفترة طويلة في العراق القديم (اليمين)، مبخرة منصات البخور أو الأعمدة توضع في المذبح على اليمين واليسار أو واحدة فقط (الوسط)، مبخرة صغيرة يسهل حملها والتنقل وفق الطقوس الدينية (اليسار)
المباخر: وجدت محارق للبخور في العديد من مواقع بلاد الرافدين، إلا أن التمييز بين موقد البخور وباقي الفخاريات هو أبعد ما يكون عن الدقة، لان النصوص تشير بأن اشكال موقد البخور التي يتم فيها الحرق هي وعاء فخاري بسيط وهو الأكثر شيوعا، ولكن كيف يمكن تحديد موقد البخور؟ إذا كان الوعاء يحتوي على فتحة لفتيله أو مجوف لوضع الزيت وهناك آثار حرق على الحافة فمن المؤكد أنه مصباح (سيراج)، أما الحرق في وسط الوعاء الفخاري فهو موقد البخور، وقد عثر خلال التنقيبات الاثرية على خزفيات في مدينة نيبور (في محافظة القادسية)، وفي تل الرماح (محافظة الموصل)، فمثلا في معبد إنانا (Inanna) في نيبور عثر على (50) وعاء خزفي في غرفة الخلوة وراء المذبح، ومن المؤكد أن معظمهم كان يستخدم لحرق البخور والمواد العطرية، ومن المحتمل جدا أن تكون بعض الاوعية الصغيرة كانت عبارة عن مواقد للبخور، أما الأوعية الموجودة في موقع تل الرماح فهي أكثر من (20) وعاء عليها آثار الحرق ومعظمها أوعية صغيرة بقطر يتراوح من 8 إلى 13 سم، وتم تصنيف وعاء واحد فقط منها على أنه مبخرة، كما تم العثور على ثلاثة من هذه الأمثلة في غرفة المعبد في تل البراك (على بعد 42 كم من مدينة الحسكة في سوريا) كانت آثار الحرق واضحة من الداخل ويعود تاريخها الالف الثانية ق.م، علاوة على ذلك، تشير النصوص الآشورية إلى ثلاثة أسماء لمواقد البخور: وهي نيجناكو (nignakku) وشا تيليتي ( ša tēlilti) وهذه تكون اوعية صغيرة لحرق البخور ويتم حملها بسهولة وليست ثابته، وشيختو (šeḫtu) وهي مباخر كبيرة وتكون ثابتة.
أحد أنواع المباخر التي يمكن تفسيرها على أنها مبخرة بدرجة من اليقين هو ما يسمى بـ (موقد البخور المكعبة)(شكل1 اليمين) ، وهو موقد بخور صغير على شكل مكعب له أربعة أرجل، تم العثور على أمثلة منه في جميع أنحاء الخليج العربي، وبلاد الشام، وبلاد الرافدين، وظل قيد الاستخدام لفترة طويلة جدا حتى الفترة الإسلامية، فقد عثر على مجموعة فريدة منه في تل حلاوة (Tell Halawa) في منطقة البليخ (Balikh) في سوريا، وهذه المباخر لها شعبية في الألفية الثانية ق.م، وأقدم مثال لها في الخليج العربي يعود إلى نهاية الألفية الثالثة ق.م في موقع رأس الجنز (Ra’as al-Jins) في عُمان، ويحمل آثار حرق في القعر، أما النموذج الاخر من الاوعية اطلق عليها (منصات البخور أو الأعمدة)، وهي مجموعة وجد منها العديد في مواقع بلاد الرافدين، وفقا للباحث (Andrae) تم استخدام هذا النوع من الحامل الذي يطلق عليه اسم الماني (Räucherstander) بانه حامل موقد البخور (الشكل 1 الوسط) كما عثر على نفس منصات حرق البخور في موقع تل أربيد (Tell Arbid) (في حوض الخابور قرب الحسكة في سوريا) في معبد يرجع تاريخه إلى فترة نينوى (5) في الخلوة بالقرب من المذبح، وكان هناك تجويف في الجزء العلوي من الجسم يتناسب مع حجم الوعاء المخصص لحرق البخور.
تجارة البخور: من أهم السلع القيمة التي حملها عرب الجنوب إلى مدن الشمال هما اللبان والمر، وتم تقييمها على قدم المساواة مع المعادن الثمينة أو الأحجار الكريمة، وقد استلم سرجون الثاني ملك آشور الجزية من (ايتا- امرا) (Itamara) ملك سبأ كما ورد في النص: ( من مكرب ملك يمنات..)، ومكرب بقلب (ك) إلى (ق) يصبح (مقرب) ويعني (الكاهن) لأنه قريب من الإله فهو لقب ديني، والحقيقة كانت هدية وليست جزية، لان السبأئيون يرغبون في التعاون مع الاشوريين لضمان استمرار طرق التجارة من جنوب الجزيرة العربية (اليمن) إلى شمالها (فلسطين وسوريا) والتخلص من منافسة عرب الحجاز (مكة والمدينة) الذين احتكروا الطرق التجارية وخاصة تجارة البخور والتوابل والعطريات، فنمت المدن المزدهرة في الواحات في شمال غرب الجزيرة العربية مثل تيماء (Taima)، وديدان (Dedan)، ودوما (Duma)، وأصبحت القوافل تسير وفق طرق ترتبط بمصر، وبابل، وبلاد الشام، وآشور ، وربما كانت السيطرة على طرق التجارة المربحة هي التي حفزت نبونائيد (556-539) ق.م ملك البابلي ان يؤسس لنفسه مقر الحكم في تيماء، أما الموقع الاخر فهو (مگان) وقد اتفق الباحثين بانها منطقة عُمان حيث تضم جبالها معادن القصدير والنحاس، وكذلك اللبان والمر وهما من مكونات البخور، وفي نص اشوري من عهد آشورناصربال الثاني دفع معظم حكام بلاد سوخي (الفرات الأوسط) الجزية (منداتو) وتضمنت:(الفضة، والذهب وبكميات كبيره، والعاج، والبخور، والاخشاب، والملابس الزاهية الألوان، والكتان)، وهذه المواد تدل على غنى بلاد سوخي في هذه الفترة، وبما أن الحصول على البخور والعطريات مهمة لمعابد بلاد الرافدين ومصر فان اتصال التجار في كلا الدولتين قد تحقق لجلب البخور، ومن وجهة نظر الباحث (Frankford) كانت جنوب الجزيرة العربية أو الشاطئ الصومالي، لعل بعثاتهما التي كانت ترسل لجلب البخور والافاويه كانت تلتقي هناك، أو لعل السماسرة كانوا يطلعون المصريين على ما أنجزته الحضارة السومرية .
استخدامات البخور
1- البخور والآلهة: يقام في معابد (يطلق على المعبد بيت الإله، وكل من يعمل فيه هم عبيده) بلاد الرافدين طقوس يومية لتقديم الطعام إلى الإله، كما هو واضح في المراسيم البابلية حول تقديم الغذاء للتمثال المقدس (التمثال بالأكدى صلمُ (ṣalmu) وهو قريب من اللفظ صنم) وتدعى تلك المراسيم (فتح الفم) (pīt pî) وقبله يسبقه (غسيل الفم) (mīs pî)، ونحن نعرف بأن التماثيل المقدسة صنعت من الخشب وتغطى بالمواد الثمينة، وهي عادة الذهب والاحجار الكريمة، وهذه الزينة تحتاج إلى صناع مهرة مثل النجارين وصاغة الذهب وصناع الجواهر، ومن ثم فان مراسيم فتح الفم هدفه حتى يستطيع الإله ان يأكل ويشرب ويشتم رائحة البخور الذي يحرق مع كل وجبة طعام، كما في النص الآتي: (ṣalmu annû ina la pīt pî qutrinna ul iṣṣin akala ul ikkal mê ul išatti) (هذا التمثال، بدون فتح الفم لا يشتم البخور، ولا يأكل الغذاء، ولا يشرب الماء)، وبعد انتهاء وجبة الغذاء، فإن الطعام نفسه كان يعاد توزيعه على العاملين في المعبد، ويرسل حصة منه إلى الملك، فهو طعام مبارك فيه، وفي عيد اكيتو البابلي يقوم كاهن (المثماث) بتطهير معبد ايساكيلا (معبد مردوخ) من أجل طرد الارواح الشريرة، وتتم طقوس التطهير برش جميع الجدران المعبد بمعنى الزوايا الاربعة (الأركان الأربعة ترمز إلى الاتجاهات الرئيسية الأربعة وإلى الرياح الأربع التي هي أسلحة مردوخ) بمياه دجلة والفرات، ثم يضرب المثماث الطبل المقدس حتى يسمع صوت دوي قرع الطبل في جميع ارجاء المعبد، وذلك من أجل إخافة الارواح الشريرة وطردها، ثم يلي ذلك استخدام النار والبخور في المبخرة داخل المعبد، ويكرر هذه الإجراءات باستخدام النار والبخور بدلا من الماء، وبعد انتهاء المثماث من طرد الارواح الشريرة لا يمكن أن يدخل الخلوة حيث تمثال للإله مردوخ مرة أخرى لان هذا الكاهن أصبح نجسا.
كما استخدم البخور في الاحتفالات الدينية فعندما يسير موكب الآلهة بعد ترك (parak Šīmāte) في معبد ايساكيلا يأخذ موكب الآلهة طريقه إلى بيت اكيتو، فيسير الملك البابلي في المقدمة، وخلفه مباشرة بيل (تمثال مردوخ) وبيلتيا (Bēltīya) (تمثال صربانيتم زوجة مردوخ)، بعد ذلك تأتي الإلهة عشتار مع الإلهة تشميتو (Tasmetu) (زوجة الإله نابو)، وترافق مسيرة الآلهة حرق البخور مع رائحة العرعر لتضفي على جو الاحتفال الرهبة والقدسية، هذه التظاهرة الكبرى تأخذ طريقها أسفل شارع الموكب الذي يمر خلال باب عشتار الرائعة، ويرافق الموكب الكهنة والموسيقيين، وتؤدى الرقصات ذات الطابع الديني وحركاتهم تتناغم مع اصوات المغنيين وهم يرددون أغنية يشيدون بمدينة بابل، إنها مراسيم فرح برفقة الآلهة والآلهات، ويشارك في الموكب الموظفين والوجهاء في بابل وشخصيات من المدن المجاورة، والجميع يقدم الهبات والقرابين إلى المعبد، ومن الطبيعي أن نتصور التأثير النفسي لهذا الموكب على عامة الناس في بابل، عندما يشاهدون تماثيل الآلهة برفقة الملك، وقد ارتدوا الملابس الجميلة، ويسيرون بفخر وهيبة عبر شوارع المدينة في حين يحتشد الناس على جانبي الطريق ويسجدون للآلهة عند مرورها امامهم، وعندما يصل الموكب إلى ضفة الفرات، يصعد الجميع على متن قوارب في نزهة نهرية في نهر الفرات، ثم ينزل الموكب الآلهة على الرصيف المشيد من خشب الارز، ليأخذوا الطريق الذي يؤدي إلى بيت اكيتو لتكملة بقية المراسيم الاحتفالية.
2- البخور في المعابد: من المعروف ان العراقي القديم يتصف بالتدين الشديد، فشيد الزقورات العالية في المدن الكبرى فعند نزول الإله من السماء يكون في حالة تعب عندها يستريح في الزقورة، كما أن الكثير من المدن في جنوب العراق هي مدن مقدسة مثل الإله سين (إله القمر) ومعبده وزقورته في مدينة أور، وآنو (إله السماء وأبو الآلهة)، ومعه إنانا (عشتار) (سيدة السماء) ومعابدهم في مدينة اوروك (الوركاء)، وانليل (إله الجو والمسؤول عن تعيين الملوك أو خلعهم) في مدينة نفر، وأوتو (شمش) (وهو إله العدالة والحق) في مدن سـﭘار ولارسا ايضا، ونينكرسو (إله الحرب) في مدينة جرسو، و ننورتا في مدينة نيبور، ونابو (إله الحكمة) في مدينة بورسبا، ومردوخ في بابل، وآشور في مدينة آشور ...الخ، وحتى القرى فيها مزارات للآلهة، وكان لكل إله مهرجان ديني خاص به وفق مواعيد ثابته حفظها الناس وشاركوا في احيائها، لذلك كان الرجال والنساء والاطفال يشدون الرحال مشيا أو على ظهور الحمير أو فوق العربات لحضور الاحتفالات، وعيونهم شاخصة لترى الزقورة المعلم الوحيد العالي الذي يرى من مسافة اميال وقلوبهم تخفق لملاقاة الإله، وعندما يصل الزائر إلى المعبد اذا كان باب المدخل من الأمام فستكون غرفة الإله (الخلوة) أمامه مباشرة، وإذا كانت باب المدخل جانبية فسوف يدخل ويستدير بزاوية 90 درجة ليشاهد الخلوة أمامه، وتكون الاضاءة المعبد من خلال عدد من الفتحات الدائرية الصغيرة في اعلى الجدار قريبة من السقف (ولا زالت تستعمل هذه الفتحات في اكواخ الطين في جنوب العراق)، والهدف منها دخول الضوء وتغير الهواء، وحتما يكون الضوء الداخل للمعبد خافت فيثير الرهبة في قلب المتعبد، وهو يسمع تراتيل الكهنة تارة بصوت عالي وتارة اخرى همهمات خافته، وهناك من يجلس مع كاهن يحدثه عن طالعه ومستقبله، وهناك كاهن آخر يطلق عليه كالو (kalû) (الرادود) يقرا ابيات حزن للإله وتمجيده وحوله يجلس الزوار في حالة بكاء ونحيب، وتنتشر في المعبد رائحة البخور، وما أكثر الهموم التي يحملها الناس على اكتافهم فحتما هذا المتعبد سيأخذه البكاء ومن ثم افراغ الهموم بالقرب من باب الخلوة فلا يحق للناس ان يشاهدوا تمثال الإله (فقط في عيد رأس السنة البابلية وانها فرحة لا توصف)، وبعد هدوء المتعبد يأخذ بنصيحة الكاهن بان يتبرع للمعبد (بيت الإله) بما يملك من فضة إذا كان غنيا، أو شعير إذا كان فلاحا، أو سمك إذا كان صائد اسماك...الخ، وإذا كان فقيرا معدما لا يملك شيئا فعليه الخروج من المعبد والانتظار حتى يحصل على وجبة طعام مجانية من الموائد الاحتفالية لان الإله يحب عباده المخلصين.
3- طقوس للموتى: في المصادر المسمارية ينبغي على الإنسان في بلاد الرافدين قضاء ساعاته الأخيرة على سريره الخاص، محاط بالعائلة والأصدقاء، ويحرق البخور بكثرة، وبعد أن يتوقف تنفس الانسان، تبدأ طقوس لتمكين الروح (etemmu) من المغادرة، حيث يجلس شخص (غالبا كاهن بسيط) على كرسي بجانب السرير المتوفي ليرتل فقرات من الادعية للإله مردوخ، ومن ثم يتم تحضير الجثة للدفن: يتم غسلها، ومسحها، وارتداء رداء أحمر (الأحمر لون الدم) أو يلف بقطعة من الكتان أو حصيرة من القصب (بارية بالعراقي)، وأثناء السهر عند جثة الميت (taklimtu) يتم وضع الممتلكات الشخصية والطعام والشراب والصنادل حول المتوفى فهذه الأشياء سترافقه إلى القبر، مع بعض الهدايا للآلهة الذين يحكموا هناك وهما الإله نركال وزوجته اريش-كيكال لضمان الترحيب بالمتوفى، ثم يحرق البخور وتوضع المشاعل حول السرير، وتستمر المراسيم الدفن ثلاثة أيام، أما عن تكاليف الدفن فقد كانت باهضه، يأخذ مسؤولو الدفن سريرا ومقعدا جنائزيا جنبا إلى جنب مع الملابس التي توفي فيها الشخص، وكمية من الحبوب، والخبز والبيرة، وعملية الدفن فرصة للابتزاز ولذك سعى اوركاجينا (Uru-inim-gina) ملك لـﮔش (2340) ق.م تخفيض الرسوم الجنائزية عندما شرع الإصلاحات، وفي ثقافة بلاد الرافدين من الضروري جدا دفن الميت حتى يحصل على القرابين الطعام والشراب ولأن القبر بمثابة (بيت) للموتى حيث يمكن التواصل بينهم وبين الاحياء، واذا لم يدفن الانسان تبقى روحه هائمة تؤذي الاحياء.
كانت فترة الحداد مهمة خلال الطقوس الجنائزية تستمر مراسم الحداد لوفاة الشخص لمدة سبعة أيام، ولم يكن المشيعون يشملون فقط العائلة والأصدقاء فقد يحضر الجيران أيضا والذين كانوا يرتدون ملابس الخيش أو الملابس الممزقة، الغير المغسولة، ويرمون على انفسهم الرماد، واحيانا يكون هناك المشيعون المحترفون الذين يندبون ويصرخون باسم المتوفي وتمزق النساء ملابسهن وشعرهن ويخدشن وجوههن، ويكون الرجال صاخبين يبكون بصوت عالٍ، وعند زيارة قبر المتوفي يتم حرق البخور اعتقادا منهم بان الموتى يستنشقون رواح العطريات، وقد يوضع الطعام مثل الخبز والعسل والحبوب وأحيانا اللحم فوق القبر، بينما يتم سكب الماء والبيرة والنبيذ وسوائل أخرى على القبر، وقد توضع المجوهرات والملابس على تمثال للمتوفى، إذا كان غنيا، ويتم استدعاء الموتى بالاسم، لمنع الأشباح الأخرى من الاستفادة من القرابين، كانت هذه المناسبات فرصة للمعيشة والتواصل مع الموتى، أو طلب المشورة منهم أو الترجي منهم للتوقف عن ازعاجهم في الاحلام، ويمكن إجراء المحادثة الفعلية مع الموتى من خلال وسيط يطلق عليه (مربي الأشباح)، في نهاية الزيارة تبحر أرواح الموتى في قوارب للعودة إلى العالم السفلي.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

447 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع