الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - الاجتياح العراقي للكويت ... لُعبةٌ غربية و لاعبون عرب /٤

الاجتياح العراقي للكويت ... لُعبةٌ غربية و لاعبون عرب /٤

                                               

                          الدكتور رعد البيدر


الاجتياحُ العراقي للكويت ... لُعبةٌ غَربيَّة و بَيادق عَرَبيَّة / ٤

تَعَثُرات ... ما بعدَ قمة بغداد

إلى حَد ما انتهينا تاريخياً في المقالة الثالثة - لم تتَضِح دلالات قاطعة عن مُقدمات جواب السؤال الأول – الذي تعتمد علية إجابات السؤالين الثاني و الثالث : 

1. هل أخطأت الكويت في سياستها الخارجية تجاه العراق ؛ فعوقِبَت عراقياً ؟
2. هل أخطأ العراق بإدارة الأزمة الكويتية - العراقية ؛ فعوقِبَ دولياً ؟
3. هل كان العراق والكويت ضحيتا لُعبة دولية أكبر من قدرتهما على استيعابها و تفسير أسبابها ونتائجها ؟

                  


في مقالتنا السابقة أعَدنا عجلة التاريخ إلى نهاية قمة بغداد الاستثنائية أواخر أيار / مايو 1990، و انتهينا بمراسم توديع الرئيس العراقي صدام حسين لأمير الكويت جابر الصباح ، وأشرنا إلى ما دار بينهما من تحاور حتى وصَلا إلى سُلم الطائرة ... بيَّنا شكوكنا بما تضمنته عبارات المحاورة ؛ و استوضحنا بمنطقية العَقل عن كيفية توَّصُل المصدر إلى نصوص تلك المحاورة بين شخصين يتحدثان فيما بينهما ؟ إلا أننا من جانب المُحايدة و الوقوف بِبُعد متساوٍ عن طرفي النزاع - عرضناها للقارئ طِبقاً لما نشرها المصدر .
ورَدَّنا تعليق خطي و مُكالمة هاتفية من الصديق العزيز الدكتور علي سبتي الحديثي السفير العراقي السابق – الذي نَثِقُ بدقة ما أشار إليه ثقةً لا يُخالطها شَك ، بصفته شاهد عيان على كل جلسات مؤتمر قمة بغداد باستثناء الجلسات المُغلقة - التي حصلَ على بعض ما دارَ فيها من حوارات ؛ سَربها له الرئيس الليبي معمر القذافي - أثناء مُرافقتهِ لهُ في ذهابهِ وإيابهِ إلى و من جلسات المؤتمر... حيث أوضحَ الدكتور الحديثي - بما معناه :

                

حال انتهاء فعاليات المؤتمر غادَرَ الرئيس صدام حسين بغداد مُتَوجهاً إلى شمال العراق و اصطحبَ معهُ ضيفه الشيخ زايد آل نهيان إلى محافظتي الموصل و دهوك في جولة إطلاع و استجمام ، و تولى نواب رئيس الجمهورية مراسم توديع الزعماء الضيوف . أكد السفير العراقي السابق: أنه كان مُتَواجداً في صالة الشرف خلال توديع جميع الزعماء الضيوف ، مُبيناً أن أمير الكويت قد غادرَ بغداد عائداً إلى بلاده ظُهراً .

   

و أن آخر من غادرَ من الزعماء الضيوف - هو الرئيس الصومالي " محمد سياد بري " الذي بَقيَّ في صالة الشرف مُصِراً على عدم السفر قبل أن يُقابل الرئيس العراقي ؛ فتولى أحد مسؤولي تشريفات رئاسة الجمهورية الاتصال بالرئيس صدام حسين ؛ فبَلَّغَ مسؤول التشريفات بتسليم الرئيس الصومالي مبلغ سبعة ملايين دولار نقداً ، مع ملاحظة أراد إيصالها إليه بالنص " أتمنى أن لا تُستَخدَم منحة الشعب العراقي لقمع شعب الصومال " .
نستنتج أن شكنا في اسلوب المحاورة كان في محله ، و أنها ( مغالطة مدسوسة ) تستهدف غايات ( خبيثة ) . مما يعني أن لا صحة لموضوع المُحاورة التي أُشيرَ لها في المقالة السابقة .
مثلما دُسَّتَ تلك المُحاورة مع حقائق وتطورات الأزمة العراقية – الكويتية بطريقة لا تخلو من ( سوء النية ) فقد اطلعنا على ما يُماثلها من وثائق منشورة في موسوعات ، كُتب ، مقالات ؛ تستهدف مقاصد سيئة للتلاعب بذهنية المُتلقي - ضعيف القدرة على الترابط والتحليل ؛ فحَرَّفَت ذهنيات و قناعات البُسطاء نحو سياسة ( شريرة ) لأحد طرفي اللعبة ؛ هيأت لانفجار الأزمة ، يُقابلها ( براءة و طيبة ) الطرف الآخر . وبذلك فقد مَسَّ الضُر و الظُلم طرفاً بريئاً بقلم ( التدليس ) السياسي – الذي يفتقِد لأمانة و شرف الكلمة ، و تناسى الكاتب قول الله تعالى : " مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ " . يشير المفسرون أن اللفظ يعني الكلام فقط ؛ لكننا نجتهدُ بشمول كلمة اللفظ لكل ما يُعلَن عنه للمُتلقي: " سَمعاً ، قراءةً ، مشاهدةً " وفقاً لمفاهيم الحريات المُتعارف عليها - إعلامياً و قانونياً.
يَتَضِح أن بقاء الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بعد انتهاء المؤتمر ضَيفاً مُكَرَّماً على العراق - هو دالة إيجابية على تخطي ما شكى منه العراق من موقف إماراتي - سواءً كان التَخَطي جُزئياً أو كُلياً . وبحُكم العلاقة الطيبة و الودية بين الرئيس العراقي و الملك فهد - الذي كان هو و الملك حسين بن طلال ( بيضتا قبان ) و عُنصرا تهدئة على نقاط الخلاف في قمة بغداد ؛ مما يعني أن لا وجود لأي اعتراض عراقي على موقف المملكة العربية السعودية بعد ثبوت التزامها بتخفيض حُصتها من انتاج النفط – انسجاماً مع قرارات "الأوبك" الأخيرة ، وفقاً لبيانات هيئة الطاقة العالمية في باريس.
استكمالاً لما انتهينا إليه في المقالة السابقة ؛ سَيُلزمنا تسلسل الأحداث أن نُلامس الكثير من الحقائق بصورة مختصرة دون أن نتعمق فيها ، ونترك للقارئ المُتابع البحث عن تفاصيلها الدقيقة ... منها نصوص كاملة لمُذَكرات , ردود , خطابات , وثائق ؛ لا تتسع السطور لتَدوينها كاملة .

مضى الثُلث الأول من شهر حزيران / يونيو 1990 الذي أعقب انتهاء القمة بهدوء يدعو إلى الطمأنينة عَمَّا كان عليه الوضع قبل انعقادها ، وكأن الخطابات و العواطف المُتأججة قد فقدَت شِدَة زخمها... باستثناء خائنة الأعين و ما تُخفي الصدور – التي لا يعلمها إلا الله جَلَّ في عُلاه ؛ و ذوي النوايا الطيبة أو الخبيثة من المتحَكمين بخطوات اللعبة و اللاعبين .

عُقدَ اجتماع لدول منظمة " الأوبك " في جدة يوم 10 حزيران / يونيو 1990. وبعد انتهاء الاجتماع الذي لم يتوصل إلى صيغة مُلزِمة ، ولا تعهُد بخفض التجاوز في حصص الانتاج إلى معدلاتها المُقررة - دُعي وزير النفط العراقي إلى اجتماع خاص ضَمَّ وزراء نفط كُل من :

المملكة العربية السعودية , دولة الإمارات العربية المتحدة , الكويت , قطَر. أُخبِرَ فيه الوزير العراقي إن هذا الاجتماع هو البديل عن اجتماع القِمة الذي سبقَ أن أشرنا له عندما انفراد الملك فهد بن عبد العزيز و الرئيس صدام حسين بعد الجلسة المغلقة لقمة بغداد .
يَستَنتِجُ المُتابع بأن الإجراء الذي بُلِغَ به وزيز النفط العراقي لا يرقى لمُعالجة انعكاس تجاوز حصص الانتاج النفطي على الجانب الاقتصادي من الأزمة المُمتدة ، و لا يتوافق مع ما كان مأمولاً مِما تعهدَ به الملك السعودي في حديثه الخاص مع الرئيس العراقي.

                 

قام سعدون حمادي نائب رئيس الوزراء العراقي بجولة لثلاث عواصم خليجية - بدأت يوم 25 حزيران/ يونيو1990- مبعوثاً من الرئيس العراقي . استهدفت المهمة نقل رسائل شفوية من الرئيس صدام حسين إلى رؤساء الدول الثلاث و التباحث معهم حول الجاري و المُتَوَّقَع من تطورات الأزمة - بحدود من الصلاحيات المُخوَّلة ، شأنه شأن أي مبعوث . إلا أن ما يُمَيّز حمادي كمسؤول عراقي : دبلوماسيته العالية , سعة أفقه , جديته , أتزانه ...... استصحبَ معهُ مجموعة من الوثائق الورقية - كَسِبق نَظَر ؛ لما قد يحتاجه إذا اقتضت ضرورة مهمته غير اليسيرة . كان ظاهر الجولة هو اقناع زعماء السعودية , الإمارات , الكويت للقبول بتقليل إنتاج كميات النفط و المحافظة عليه ؛ لغرض رفع اسعار في السوق العالمي إلى ما كان عليه سابقاً . أما خفايا الجولة فكانت محاولة للحصول على قروض مُيَسَّرَة " آجِلَة التسديد ".

كانت الرياض العاصمة الأولى التي وصلها المبعوث العراقي . استقبله فيها الملك فهد بن عبد العزيز و اجتمع معه لمدة ليست بالقصيرة ، استمع خلالها بانتباه شديد إلى مطالب واضحة . أيَّدَ الملك فهد مقترح سعدون حمادي بدعوة " الأوبك " إلى عقد اجتماع خاص لإرساء نظام ثابت بين الدول المنتجة للنفط ... ثم عاد ليقول : من المفضل أن نترك الأمور على حالها بالوقت الحاضر، إذ لا ضرورة مُلَحَة تستوجب التَسَّرُع الآن ؛ فخلال الشهر القادم سيجتمع وزراء الدول النفطية في جنيف ، و مما لا شك فيه أنهم سيتطرقون لبحث مسألة تقليل نسب الانتاج في اجتماعهم المُرتَقَب .

أثار سعدون حمادي في لقاءه مع الملك فهد بالرياض و مع الشيخ زايد في أبوظبي موضوع قرض بعشرة مليارات دولار كان قد فاتحهما به الرئيس صدام حسين ؛ لكن كلاهما حاول تخطي الحديث عن موضوع القرض بأسلوب يجمع بين اللباقة و الصمت ؛ فعرف سعدون حمادي من دبلوماسيته المعهودة عدم رغبتهما أن يخوضا في حديث كهذا ، و من جانبه تخطاه بتَهَذُب وعِزَّة نَفس . و في الكويت فاتَحَ المبعوث العراقي الأمير جابر بموضوع العشرة مليارات فكان جواب أمير الكويت : هذا طلب غير معقول ، ليس لدينا مبلغ من المال كالذي تطلبونه . كان سعدون حمّادي مُتهيأ لرفض أمير الكويت للعرض العراقي ، إلا أن أسلوب أمير الكويت كان يختلف عَن أسلوبي الزعيمين السعودي و الإماراتي بالرد على طلب القرض ؛ فعَرَضَ حمادي صفحتين مطبوعتين على شكل قائمة و جدول مفصل بالأموال الكويتية المستثمرة في العالم والبالغة 104 مليار دولار . فوجئَ الأمير بدقة تفاصيل القائمة ، و اقترح أن تدفع الكويت مبلغ خمسمائة مليون دولار كقرض مطلوب التسديد خلال مدة ثلاث سنوات ، واشترط قائلاً : دعونا نُنهي قضية الحدود كأسبقية أولى ، وعندما نوَّقِع الاتفاق على تثبيتها ، سنتحدث عن بقية الأمور .
برغم الآمال التي كانت معقودة على الجولة الخليجية لسعدون حمادي ؛ فقد عادَ إلى بغداد ( خالي الوفاض ) . وما أن وصلَ إلى العاصمة العراقية - حتى أُبلِغَ بتصريح وزير النفط الكويتي - الذي أعلنَ بأن الكويت لن تُقَلِل إنتاج كمية النفط الاضافية ( تجاوز الانتاج المُختلف عليه ) لغاية شهر تشرين أول / أكتوبر 1990 . السؤال الذي طرحه المُراقبون :
لماذا لم يُبَلَغ سعدون حمادي بمضمون التصريح عندما كان موجوداً في الكويت ؟
أجابَ مُراقب مُتابِع : أن الهدف من زيارة سعدون حمادي و نتائجها قد أُبلِغَتَ إلى جهات خارجية حال انتهاء مقابلة سعدون حمادي مع أمير الكويت – وجاءت التعليمات الفورية للمسؤولين الكويتيين ؛ بأن يُدلي وزير النفط الكويتي بهذا النص من التصريح و بهذا التوقيت بالذات ، وفي نهاية إجابته - يتساءل ..... أليس هذا نوع من أنواع الاستفزاز للعراق ؟
من حصيلة عدم تجاوب السعودية مع الدعوة إلى عقد اجتماع خاص " للأوبك " إضافة لعدم التجاوب بموضوع القرض و تصريح وزير النفط الكويتي - استنتج الرئيس صدام حسين وجود تنسيق ومحاولة تستهدف تركيع العراق – وفق ما قاله لأحد المقربين منه .

أشار مصدر عربي ( مَرموق ) إلى نص وثيقة " رسالة خطية " وجهها الرئيس صدام حسين إلى أمير الكويت بتاريخ مُبهَم ( أواخر حزيران – يونيو 1990) يُطالبهُ فيها بإسقاط الديون الكويتية عن العراق . من الناحية الزمنية نرى أن الرسالة قد ترتبط باستنتاج الرئيس صدام حسين عن فشل جولة سعدون حمادي .

حللنا مضمون الرسالة فوجدناها كثيرة الأخطاء و التناقضات غير المتعارف عليها في سياق المُخاطبات المُتَّبَع بين رؤساء الدول – الذي لا يخفى على الرئيس صدام – منها : اسلوب ( صيغة ) الأمر المُلزم بالتنازل عن الديون - المقرون بالتهديد العراقي الواضح و طمأنة الكويت على حدودها . فكيف يُجمَع التناقض في عبارة تهديد ... تتبعها عبارة طمأنة ؟
لم نعثر لردٍ على تلك الرسالة من الجانب الكويتي ( رفضاً أو قبولاً ) و الرفض أولى من القبول ؛ لأن أسلوبها غير مُستَساغ . لذا نستنتج أن الرسالة بإحدى الحالتين : أما مكذوبة بالكامل ، أو مُحوَّرَة النص ( بخبث ) على غرار المحاورة بتوديع أمير الكويت – التي توصلنا لبُطلانِها في بداية المقالة .

          

تلاحقت الأحداث وكان من أقربها تاريخاً قبل انفجار الأزمة مُذَكرة وزير الخارجية العراقي طارق عزيز التي سلَمَها إلى أمين عام جامعة الدول العربية صبيحة يوم 17 تموز / يوليو 1990 ، و خطاب الرئيس صدام حسين في مساء نفس اليوم . نبدأ بما يتعلق بالمذكرة ؛ إذ حضرَ طارق عزيز وزير خارجية العراق يُرافقه سفير العراق في تونس إلى مكتب الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ، وقدم إلى الشاذلي القليبي مذكرة شكوى على الكويت - طالباً توزيعها على ممثلي الدول في الجامعة العربية.
ذُهِلَ الشاذلي القليبي من مَضمون الشكوى ؛ كونها تَختلِفُ عن شكاوى العراق السابقة على الكويت – التي كانت تقتصر على تجاوز الكويت للحد المُتفق عليه في انتاج النفط . أما الشكوى المُقَدمة فقد تضمَنَّت اتهامات : بإقامة نقاط عسكرية كويتية على الأراضي العراقية ، و سرقة نفط استخرجته الكويت من حقل الرميلة العراقي بما يساوي 2,4 مليار دولار .
اقترح القليبي على طارق عزيز التَرَيُّث لمدة 24 ساعة قُبَيل توزيع المذكرة ؛ ليتمَّكَن من إجراء مشاورات مع الكويت , الملكة العربية السعودية ، و التحدُث مع الرئيس العراقي . إلا أن طارق عزيز ردَ عليه قائلاً : لا يُمكِنُكَ التحَدُث إلى الرئيس صدام حسين ؛ لأنه مشغول و وقته لا يسمَح ؛ إذ سُيلقي مساء اليوم خطاباً يتضَمَّن بعض التهديدات التي يتعرض لها العراق ، و التهديدات التي أعنيها مُشاراً إليها في المذكرة التي بين يديك .
أُرسِلَت المذكرة إلى السفارة الكويتية في تونس ، وفورَ وصولها أتصَّلَ سفير الكويت بالأمين العام لجامعة الدول العربية يستوضح منه - هل ستوزع المذكرة أمْ ستؤخِر توزيعها ؟ وما كان من القليبي المشهود له بالهدوء و الرزانة الدبلوماسية إلا الإجابة بأن: ليس أمامي أي خيار سوى توزيعها على الدول الأعضاء، ويتطلب منك اخبار وزير خارجيتكم بمضمون المذكرة ، و برغبتي للتحدث مع أمير الكويت و ولي العهد على عجالة من الوقت .

         

وعندما حان مساء نفس اليوم ألقى الرئيس العراقي خطاباً مُطولاً , متشعب المحاور ، تباينَت على تفسير عباراته آراء المُراقبين . شُخِصَ منه بوضوح كونه رسائل مُتنَوِعة المقاصد ، موجهة إلى جمهور ( ساسة و شعوب ) في داخل العراق وخارجه . تضَمَّن الخطاب تلميحاً و توضيحاً لما يترتب عن أخطار الحملات التي تَشنُها دوائر رسمية و غير رسمية من الأوساط الإمبريالية و الصهيونية ، و إتباع سياسة مُحاصرة اقتصادية و تقنية ضدَ العراق خصوصاً والأمة العربية عُموماً – شبًهَها بالحملة الصليبية ؛ وقد ربَطَ ذلكَ باستحداث مُعرقلات تُعيق الاقتِدار العلمي والاقتصادي للعراق , السعي لإفشال النَجاحات التي تَحقَقت في مَجال التَصنيع العسكري .... نقتبسُ فقرات ( بالنص ) من مضمون الخطاب في أدناه .
شَدَّدَ على " إن القوى الإمبريالية والصهيونية لم تستَخدِم السلاح في حملتها الأخيرة لتقتُلَ به أبناء الأمة حتى الآن. ولم تُهدد بأساطيلها و قواعدها الجوية المُنتشرة في العالم ومنها ما هو موجود أصلاً في المنطقة ؛ لكنها بدَأت تُمارس القتل بطريقةٍ و أدواتٍ أُخرى – هي إضعاف القُدرة التي تحمي الكرامة و السيادة ، وبأسلوب أخطرُ من حيث نتائجهِ من الأسلوب الأول المباشر. إنه الأسلوب الجديد الذي ظهَرَ من بين صفوف العرب ، يستهدفُ قطع الأرزاق بعد أن تم تطويق الأسلوب الأول - الذي كان ومنذ زمن بعيد يستهدف قطع الأعناق " .
و وصف بالقول " إن هذه السياسة الخطيرة ، إنْ سُمِحَ لها بالاستمرار ستعني أن الفائض من أموال العرب - الناجم عن فائض الأموال المُتأتي من إنتاجهم أكثر من حاجتهم سيتراكم في خزائن أمريكا ، فضلاً عن أن قيمته ستتآكّل مع مضي الزمن ، وسوفَ يبقى هناكَ أسير الأهداف الأمريكية - السياسية و المالية . وإن توفير خزين نفطي كبير في أميركا ؛ يُمَّكِنهُا مع إسرائيل ومن يلتقي مؤقتاً مع سياستيهما من التلاعب باستقرار المنطقة وأمنها " .
و ربط السياسة البترولية بالقضية الفلسطينية واصفاً ذلك " بأن السياسة البترولية و الموقف من الصراع العربي- الصهيوني ، والنضال لتحرير فلسطين ستبقى هي المقياس الأساس- الذي من غيره لا وطنية صادقة ولا قومية حقيقية للمُدّعين. وإن هذا سيكون من بين أهم المعايير التي يتضح منها ما هو غَث وما هو سَمين في السياسات ، وما هو أصيل أو مقطوع الصلة عن الأصل، وما هو واضح وأمين أو مشبوه ومرائي" .
وفي ختام خطابة أشار إلى " إننا نشعرُ بالتمَّزُق من داخلِنا ونُعايش الحزن إلى أقصى معانيه. إذ إننا لم نتمنى أن نتحدَث عن حقوق مُغتصبة، والمُغتصب فيها بعض العرب ؛ وإنما كنا نتمنى أن نُركِز في حديثنا، كما هو شأننا دائماً، على الحقوق التي اغتصبها الأجنبي فحسب . ولكن أصحاب السوء هم وحدهم الذين يتحمَّلون أمام الله و أمام الأمة نتائج سيئاتهم - التي أظهروا من مخزونها ما لم نعرفَهُ عنهم من قبْل ، أو كنا نُمَنّي النَفس بما هو غير هذا " .
ثُمَ عاتبَ قائلاً " أنهُم بدلاً من أن يكافئوا العراق - الذي قدَمَ لهُم ما قدَمَ من زهرةِ أبنائه ؛ لتبقى بيوت أموالهم عامرة بالمَزيد المُضاف مما هو مُكتنز، والذي لولا العراق لأصبحَ بأيدٍ أخرى ؛ أساءوا إلى العراق بالغَ الإساءة . وبدلاً من أن يكافئوا العراق على مبادئهِ في الأخوّة ؛ أساءوا فهْم هذه المبادئ المخلصة، وغرزوا الخنجر المَسموم في الظَهر، في الوقت الذي يُواجه فيه العراق الأعداء الأجانب ليذودَ عن الأمة ، ويُبعِدَ عنها وعنه طعنات جديدة ".
" اللهُم ألهِمنا الصَبر إلى الحَدّ الذي ليسَ أمام الصابرين غير ما تعتبرهُ مشروعاً وصحيحاً، يومَ يَفقِد الصبر قُدرَة التأثير. واللهُم اقتل بذورَ الشرِ داخل نفوس حامليها ؛ ليَتَمَّتَع العرب ببذور الخير داخل أنفسهم " .
يُستنتَج من مُذَكرة وزير الخارجية و خطاب الرئيس العراقي :
أن المذكرة هي اشعار دبلوماسي للدول العربية من خلال الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالحالة التي وصَلَت إليها الأزمة بين العراق و الكويت - وفقاً للتفسير العراقي .
و بالتناظر من المذكرة ؛ فأن خطاب الرئيس العراقي بنفس اليوم - هو اشعار سياسي و إعلامي على المستويين الإقليمي و الدولي ، تضَمَّنَ جوانباً مُتعَدِدة – منها:
وصُف و تشخيص المَخاطر التي تَتبِعُها الامبريالية و الصهيونية ، مُعاتبة أوساط عربية مُحددة و مُشخصة ؛ أتهَمَها بتنفيذ أهداف الحملات الغربية و حذَرَها من استمرار مواصلتِها اساليب الضغط وعدم التجاوب مع العراق في شدتهِ الاقتصادية ، وإن ما بعد الصبر والتحَمُل ردة فعل .
قبل أن نختَتِم سطورنا نُبَيّن للقارئ الكريم بأن اللعبة قد انتقلت إلى طور العلانية بعد أن كان مُعظمها سرياً – أبتدأً من قيام الكويت بزيادة انتاجها النفطي يوم 9 آب / أغسطس 1988 بدافع غربي وفق تفسيرات المراقبين و المحللين - إلى مُقابلة " جون كيلي " للرئيس العراقي يوم 12 شباط / فبراير 1990 ؛ الذي جاء إلى بغداد و كأنَ في فَمِهِ صافِرَة الحَكَم ؛ ليبدأ العراق تحركاتهِ و ردود أفعالهِ المُعلَنة - التي راقبتها الولايات المتحدة مُراقبة دقيقة و شديدة ، فأدارت بموجبها الشوط الحَرِّج من اللعُبة .
بالمُذكرة و الخطاب العراقيان تكون سياسة البَلدين قد شابكَت علينا و عليهم خيوط اللعبة ؛ مما سيُلزمنا في المقالة القادمة أن نُجيب عن ثلاثة أسئلة جديدة ؛ لعلها تقودنا إلى أجوبةٍ منطقيةٍ عن الأسئلة الثلاثة المُحيِّرة - التي لازمتنا مع كل مقالاتنا .
الأسئلة الجديدة هي :
1. ما هو رد الفعل الكويتي تجاه مُذكرة الاحتجاج التي قُدِمَت للجامعة العربية ؟
2. هل كان لأحدى الدول العربية سِبقاً بالتحَرُك و القيام بوساطة دبلوماسية لتلافي تعَقُد الأزمة بين العراق و الكويت ؟
3. ما هو موقف الولايات المتحدة الأمريكية من مُذكرة الاحتجاج و خطاب الرئيس العراقي ؟

مُلتقانا في المقالة الخامسة ... بمشيئة الله .

للراغبين الأطلاع على الحلقة السابقة:

https://algardenia.com/maqalat/41223-2019-08-15-10-46-17.html

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

460 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع