الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - عن الذي يتغنَّى بعبد النَّاصر ويتخلَّى عنه إكرامًا للعندليب

عن الذي يتغنَّى بعبد النَّاصر ويتخلَّى عنه إكرامًا للعندليب

                                            

                         سيمون عيلوطي


عن الذي يتغنَّى بعبد النَّاصر ويتخلَّى عنه إكرامًا للعندليب

من أبسط شروط النَّشر المعمول بها في الصَّحافة عامَّة، وما يخصّ الرَّد أو مناقشة فكرة ما، يطرحها هذا الكاتب، أو ذاك، فإنَّ الواجب الأخلاقيّ، المهنيّ، والصَّحافيّ، الأدبيّ يقضي كما جرت العادة بين الكتَّاب، أن يردّ الواحد منهم على الآخر في نفس وسيلة الإعلام التي نشرت المقال موضوع الردّ عليه. لا أعترض على حقّ مشروعيَّة الرَّد الذي تكفله أسس الديمقراطيَّة، وفي مقدّمتها: حريَّة التَّعبير عن الرَّأيّ، واحترام الرَّأيّ الآخر، ومن المفيد أن أذكّر أنَّ النّقاش الموضوعيّ يثرى الحركة الأدبيّة ويجعل الكاتب يحسّ بأنَّه لا يكتب في فراغ، بل يوجد من يقرأ له، ويناقشه سواء اتفق معه في طروحاته، أو لم يتَّفق. لذا، فإن ذلك الكاتب الذي ردَّ على سلسلة مقالاتي حول بليغ حمدي، لو تحلَّى بقليل من المسئوليَّة، لردَّ بنفس وسيلة الإعلام التي ما زلتُ أنشر فيها سلسلة تلك المقالات، وقد كان من الأجدر به أن يتريَّث قليلًا ولا يستجيب لبصلته المحروقة حتَّى أنجز البحث. 

أسوق هذا الكلام لأقول بأنني حين شرعتُ في الكتابة عن تجربة بليغ حمدي الفنيَّة والحياتيَّة، شعرتُ أنني أسير في عالم سحريّ تملأه المتناقضات التي تجمع بين بهجة الموسيقى، وبين فوضويَّة الفنَّان الإشكاليَّة، والمثيرة للجَّدل، ما دعاني إلى أن أنوّه من خلال البحث الذي ما زلتُ عاكِفًا على كتابته، وما زلتُ حتَّى هذه اللحظة أنشر حلقاته تباعًا على صفحتي في "الفيس بوك"، أنّني أواجه في تحقيقي تفاوتًا ملحوظًا في المصادر حول نفس الواقعة في حياة وفن هذا المبدع. وأشرتُ إلى أنني سأقوم عند إصدار هذه السّلسلة في كتاب، بإضافة ملاحق أعرض عبرها أهمّ المصادر التي تتفاوت فيها الرّواية حول هذه الواقعة أو تلك، لأستطيع بعد ذلك أن أدوّن استنتاجاتي وملاحظاتي بشأنها، خاصَّة أنَّ الحديث يدور عن فنَّان لمع نجمه في عالم الفنّ بسرعة، وأصبحت حياته نتيجة لصراحته، وطيبته، وانفتاحه مكشوفة على وسائل الإعلام، ما جعل التَّأويلات تتعدَّد من حلوله، وتتفاوت رواية مصادرها.
الكاتب الذي استعجل في الرَّد، لم يعجبه ما نقلته عن لسان الأديب محمود عوض المعروف بمصداقيَّته العالية حين صرَّح في برنامج تلفزيوني، عنوانه: "حبايبنا مع الشَّاعر أحمد فؤاد نجم" أن بليغ حمدي رفض طلب عبد الحليم حافظ أن يثني في أغنية "عاش اللي قال" على الرَّئيس المصريّ محمَّد أنور السَّادات، باعتباره صانع النَّصر في حرب 1973 التي عبرت فيها القوات المصريَّة قناة السُّويس. "كاتب الرَّد"، اعتمد على كتاب ذكريات حليم، "قصَّة حياتي"، يقول: إنَّ بليغ لحَّن الأغنية، ولكن الرَّئيس السَّادات هو الذي طلب منه ألا يذكر اسمه فيها. هذا المصدر لم تأكده مصاد أخرى، فبقيَ محسوبًا على صاحبه، وبطبيعة الحال، "لا أحد يقول عن زيته عكر". لا أريد في هذه العجالة أن أذكّر صاحب الرَّد، وهو من عشَّاق جمال عبد النَّاصر، بأنَّ العندليب كان يعتبر منشد الثورة الناصريَّة، فكيف بجرَّة قلم يتخلَّى هذا "المنشد" عن مبادئه، وقناعاته، وتراثه الغنائيّ لناصر والناصريّة، ويقفز ليغنّي للسَّادات الذي لم يترك نقيصة سياسيَّة وأخلاقيَّة واحدة لرموز الناصريَّة والناصريّين إلَّا وألصقها بهم، وباتهامهم، بمناسبة وبدون مناسبة بالعمالة للاتحاد السوفيتي، لتقويض حكمه؟!.
كما لم يعجبه طرحي حول الخلاف الذي وقع بين بليغ حمدي وعبد الحليم حافظ بسبب تفضيل حليم أغنية فاتت "جنبنا"، ألحان محمَّد عبد الوهَّاب على أغنية "هو اللي اختار"، ألحان بليغ حمدي. وبحسب المصدر الذي اعتمدته، وهو للكاتب أيمن الحكيم، صاحب كتاب: "موَّال الشَّجن - سيرة وأوراق وألحان بليغ حمدي"، فقد "بدأ حليم بروفات وتجربة الأغنيتين، ثم هاتف عبد الوهَّاب" ليخبره أنَّه شغَّال مع "بلبل" وتعبان، فقاله له عبد الوهَّاب لازم أجي أطمَّن عليك، وأثناء بروفة بليغ، وجد عبد الوهَّاب أن لحن بليغ مُبهج، في حين أن لحن "فاتت جنبنا" لعبد الوهَّاب كلاسيكي جدًا. وانصرف عبد الوهَّاب من منزل بليغ، وهو يخشى أن يخطف لحن بليغ الأنظار، والأسماع، والشعبيَّة، فما كان منه إلا أن هاتف حليم وأبلغه بذلك. ووفق رواية محمد عشوب بهذا الصَّدد فإنَّ: "عبد الحليم كان لا يقوى على إغضاب أستاذه عبد الوهَّاب، لذلك قرَّر غناء لحنه وتأجيل لحن بليغ، واتَّصل به قائلًا: يا بلبل إحنا هنأجّل لحنك وهغنّي لحن عبد الوهَّاب، فغضب بليغ وقاله ليه (لماذا) أنا بقالي سنة شغَّال فيه، إزاي تقولي أجله؟". ووقع الخلاف الذي استمر لسنوات".
الكاتب في ردّه يأخذ رواية حليم حول هذه الواقعة، ومفادها: أنَّ بليغ حمدي لم ينهي اللحن، وهو بالتالي يحتاج إلى تعديلات وتمرينات، وأنَّ صحَّة حليم لم تساعده على ذلك، ممَّا اقتضى تأجيل الأغنية.
الحقيقة أنَّ روايتي لهذه الواقعة تحقَّقتُ منها من أكثر من مصدر موثوق، غير أنَّ التحقيق الذي سأجريه في الملاحق عند إنجاز البحث حول والوقائع التي أورتها، سوف يبيّن صحّة هذه الواقعة، والتَّشكيك في تلك.
أمَّا بخصوص أغنية "تخنوه" التي تعتبر باكورة ألحان بليغ لحليم، فإنَّ المصدر الذي اعتمدته على لسان الصحافيّ القدير وجدي الحكيم، مدير البرامج الفنيَّة في إذاعة صوت العرب والتلفزيون المصريّ آنذاك، يُعتبر من المصادر الموثوقة الصادرة عن رجل أعلام يتمتَّع بمصداقة تحظى باحترام الجميع.
المثير للاستهجان أن هذا الكاتب رد على موضوع ما زلتُ استعرضُ فيه العديد من الأمور ذات الصّلة ببليغ حمدي بما فيها علاقته بعبد الحليم حافظ، ولم أصل بعد إلى طرح استنتاجاتي وملاحظاتي حول هذه المسألة أو تلك. والغريب أيضًا أنه لم ينشر رده، كما جاء أنفًا، بنفس وسيلة الإعلام التي نشرتُ عبرها سلسلة مقالاتي حول بليغ حمدي، كما يقتضي الواجب الأخلاقي، أو أصول النشر. أملك من سعة الصَّدر ما يجعلني أرحّب بنشره على صفحتي الخاصًّة في "الفيس بوك"، وأضمّه أيضًا إلى ملاحق كتابي، بعنوان: "بليغ النَّغم-قراءة جديدة عن بليغ حمدي" الذي سيصدر لاحقًا. هو لو فعل ذلك ولم أنشره بدوري على صفحتي، لكان من حقّه أن ينشره في الصحيفة التي يراها مناسبة، مع الاحتفاظ بحقّه إن رغب بنشره على حبال الغسيل، أو إذا شاء على صنوبر بيروت. هو لم يفعل ذلك، بل تجاوزني باسم الصَّداقة التي يدَّعيها وذهب إلى إحدى الصّحف، ليردَّ عليَّ ردًا "بلاشيًا"، احتوى على الكثير من المغالطات والمواربة، ثمَّ عاد ونشر نفس المقال على صفحته في "الفيس بوك"، كما قام بنشره أيضًا في العديد من المواقع على الشَّبكة العنكبوتيَّة، قبل أن ينشره أخيرًا في جريدة الاتحاد في عددها الصَّادر يوم الثلاثاء 18-6-2019.
"صاحب الرَّد" لم "يحذّرني مداعبًا" كما ادَّعى في رده بأنه سيقوم بنشر رد معاكس في حال نشرتُ القصَّة، إنَّما حرَّض أحد أصدقائه لمهاجمتي وتسخيف رأيي، ثمَّ تركني وانسحب.
لا أعرف ما هي الدَّوافع المبطَّنة التي تحثّ هذا الإنسان على مهاجمة كلّ من يكتب في مجال الفنّ. تحضرني في هذه المناسبة مهاجمته التي نشرها في جريدة الاتحاد قبل نحو ثلاثين عامًا لكتاب: "قضيَّة وثلاث رجال" الذي يتناول فيه مؤلفه الدّكتور زهير صبَّاغ تجربة الشّيخ إمام، وأحمد فؤاد نجم. ذهب في تحليله آنذاك لهذا الكتاب القيّم إلى أمور لا ترمي إلَّا للتَّهجم المقصور، شأنه في ذلك شأن ما فعله معي ومع غيري من الذين كتبوا في مجال الفنّ.
من جهتي، فأنا لم أعر اهتمامًا لتهديده ووعيده بأنه سيعاود الرَّد إذا دعت الضَّرورة لذلك!!... بالنسبة لي انتهت اللعبة.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

372 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع