الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - ماذا تبيع يا ولدي ..؟

ماذا تبيع يا ولدي ..؟

                                          


                  للشاعر عصمت شاهين دوسكي

  


                 ماذا تبيع يا ولدي ..؟

* صرخة الوالد والوليد
* عدم تطبيق العدالة الاجتماعية
* قصيدة من صميم الشارع

بقلم أنيس ميرو - زاخو

إن الأديب إن لم يتفاعل مع محيطه الاجتماعي لا يكون أديباً متكاملاً ومتميزاً لكي ينال حب قراءه ومتابعيه يجب أن يكون قريبا من معاناتهم ومآسيهم لينقل هموم شعبه عبر طبقاتهم الاجتماعية المختلفة ،فهو يحمل رسالة إنسانية يحاول من خلال كتاباته وقصائده أن تصل للعالم .
هنالك فئة نالت المكاسب والعيش الرغيد وفئات تبحث عن رغيف الخبز وقد يصبح هذا الرغيف مزورا للفقير و تخلط معه مواد أخرى بعد التجرد من المشاعر الإنسانية.
ومن متابعتي لكتابات هذا الأديب عصمت شاهين دوسكي المتنوع بقابليته شعراً ونقداً وكتابة مقالات و قصص وروايات غالبيتها تكون من نبض الأحداث وهموم الشارع و نقل أخبار الكوارث ومعانات البشر.
إن الأديب عصمت دوسكي ذو الحس المرهف والذي يحمل هموم الإنسانية عبر ما يكتبه ويشخص الأحداث و المصاعب برؤية قيمة بل نادرة ودقيقة تلمس الأرواح والقلوب والضمائر، ولا ننسى حسه المرهف بكتابة غزلياته الممتعة التي نبحر معها في عوالم النقاء والشفافية والعاطفة الجياشة ، والذي أعاد اغلب الفئات العمرية كبراً لمرحلة المراهقة الثانية .للبحث عن الذكريات وأحداث أيام زمان.
إن كتاباته مثلا عن الموصل عبر روايته الواقعية التي تعتبر وثيقة إنسانية عالمية بوجه الطغاة والظالمين " الإرهاب ودمار الحدباء "
واحدة من الشهادات الحية التي عانت منها البشرية ،
وكذلك قصيدته " العبارة " كارثة العبارة التي غرقت في نهر دجلة " عبارة جزيرة أم الربيعين " التي ذاعت صيتها وأخبارها و حرمت المقصرين من النوم الهنيء عبر تجييشه للشارع العراقي والعالمي بحادث العبارة وما حل بكوكبة من الشهداء ولازال قسم منهم مفقودين . إن هذا الأديب أجج الضمير الوطني والدولي حينما تبنى لإبراز هذه الجريمة والتي قلبت أفراح مدينة الأنبياء الموصل لأحزان بعد لم تنتهي.
وأحداث كثيرة اجتماعية عن دور المرأة في المجتمع الذي يعتبر شاعر الحب والإحساس وعن الثقافة في قصيدة " ثقافة القبور " التي ميز فيها ثقافة القبور عن ثقافة الحياة وغيرها من الحالات الفكرية البارزة ،هكذا يجب أن يكون الأديب أميناً مع شعبه ليشخص معانات قطاعات كثيرة ، تحير بنفسها كيف تدبر رزقها اليومي وهم الغالبية رغم موارد العراق التي تذهب للمافيات و السارقين والفاسدين من الذين تجردوا من شرفهم الوطني .
وقصيدته " ماذا تبيع يا ولدي ؟ " التي مطلعها :

(( ماذا تبيع يا ولدي
الجبابرة باعوا كل شيء
حتى العشق باعوه بلا ماعون
ماذا تبيع يا ولدي
في زاوية الدار
والفقر يجري فينا كمس مجنون
ماذا تبيع يا ولدي
في صينية الزاد
ألم يبقى طعام في البيت ليأكلون ؟ ))

من هذا الوجع الإنساني بين السبب والمسبب يبيع في صينية الزاد وهي وجدت للطعام في البيت " ألم يبقى طعام في البيت ليأكلون ؟ " أسئلة تحتاج من المسؤولين جواب ، هذا الأديب يحمل هموم مواطنيه وهم الأغلبية التي لم تجد رغيف الخبر ولا عيش كريم .
وفي قمة الألم يصور لنا الشاعر قمة الظلم والقسوة عبر نسيان تطبيق " العدالة الاجتماعية " التي هي حق لكل فرد في المجتمع عامة ، حق العيش الكريم الذي يبعد الأيدي عن السرقة والقتل والجهل والفساد .
(( ماذا تبيع يا ولدي
لم يبقى شيء في البلاد لم يباع
حتى الضمير المكنون ...؟
ابشر خيرا يا ولدي ..!!
عظماؤنا على العرش نائمون
وأنت يا ولدي تضع رأسك على الجدار
تعلم الفقراء من شدة الظلم كيف ينامون !! ))
فحينما يباع الضمير ماذا ننتظر أكثر ؟ فكل شيء معرض للبيع ، إنه تجسيد لواقع مؤلم وصرخة والد ووليد بوجه من باعوا ضميرهم للطاغوت وفسدوا الأرض والإنسان والفكر ليرسم الشاعر جدلية الواقع المأساوي بين الطبقات التي أوجدها كبار الفاسدين في المجتمع .
(( ابشر خيرا يا ولدي ..!!
بيتك آيل للسقوط
والملوك في صروحهم بالجنان ، يتنزهون
ابشر خيرا يا ولدي ..!!
تلبس بقايا الناس
وهم في حيرة مما يلبسون
شوارعك أرصفتك يا ولدي
بالحواجز والأسلاك مزينة
وشوارعهم كالمرمر عليها يمشون )) .
يقول الإمام علي كرم الله وجهه " لو كان الفقر رجلا لقتلته " لما له من تأثير على الفرد والمجتمع ، وهنا الشاعر عصمت دوسكي كأنه يواسي المجتمع وما آل إليه من ضعف وفقر وجهل وفساد وانكسار وانحلال حينما يقول : " لا تبك يا ولدي " وهذه الصورة تظهر في كثير من التدهور وشدة الحزن بحيث لا تجد منفذا للخلاص .
(( لا تبك يا ولدي إن لم تبع شيئا
الفقراء يدخلون الجنة
وهم .... !! لا ادري أين يدخلون
تحمل هموم الحياة يا ولدي
وأنت كالورد اليانع
آه وآه مما سيحملون
ماذا تبيع يا ولدي لتحيى
وهم أحياء ماذا يبيعون ..؟ ))
حينما يضع الشاعر الولد في مكانه الحقيقي المدرسة وتوفير الكتاب والقلم والزاد والرعاية التي تأتي من المعنيين أولا ثم من العائلة التي هي جزء بنائي للمجتمع السليم ، فلو كانت العائلة مكتفية ذاتيا وماديا لما حمل الولد صينية البيت ليبيع في الشارع وفي زاوية البيوت والطرقات ليتعرض إلى كثير من التناقضات السلبية . فأين الكرامة الإنسانية وكيف نبني حضارة علمية وأولادنا في الطرقات يبحثون عن رغيف خبز من خلال بيع شيء ما . ؟ وحينما يكون ماعون البيت فارغا تحدث أشياء كثيرة وهو تحذير غير مباشر للمعنيين والمجتمع والعائلة والفرد وللإنسانية عامة .
((أين مدرستك يا ولدي
أين دفاترك وكتبك وشهادتك
أين أقلامك مما يكتبون ..؟
الوطن ينتظر من يبنيه
كيف نبني الوطن وكلنا متسولون ..؟
الجرح عميق يا ولدي
) وما ظلمناهم ولكن
كانوا أنفسهم يظلمون )
ماذا تبيع يا ولدي
إن لم يمتلأ
في النهاية أي ماعون ..؟ )) .
الشاعر عصمت شاهين دوسكي الذي عانى الكثير من المعاناة والمآسي بسبب تناقضات وسلبيات في الثقافة العصرية والرؤى الاجتماعية يظهر للعالم للإنسانية الأزمات وبظهورها تظهر الحلول إن أرادوا حلا . وهولا يقل شأنا من نجيب محفوظ في رواياته الشعبية ولا الأديب إحسان عبد القدوس في رواياته الاجتماعية النفسية ولا محمود درويش في قصائده الوطنية ولا نزار القباني في الحب والرومانسية ولا عبد الله كوران في قوميته ولا لطيف هلمت في قصائده الرمزية ولا علي الحريري في غزله الصوفي وعلى جميعنا أن نهتم بهذا الأديب وبمن سار على دربه الإبداعي فكريا وثقافيا واجتماعيا .

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

543 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع