الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - ذكريات عنكاوة القديمة عروسة أربيل الحالية- عاصمة كردستان العراق ) ) الجزء الأول

ذكريات عنكاوة القديمة عروسة أربيل الحالية- عاصمة كردستان العراق ) ) الجزء الأول

                                                

                      أيوب عيسى( بيو) أوغنا
                    مهندس معماري/ أستشاري
                     خبير ومحكم دولي وخليجي معتمد
                          مسقط , سلطنة عمان


ذكريات عنكاوة القديمة - عروسة أربيل الحالية- عاصمة كردستان العراق ) )الجزء الأول

بعد نشر( ذكريات من قلعة كركوك) في عنكاوة دوت كوم , بعدة أجزاء , كان التشجيع والردود , بالرغم من قلة الأعداد من القراء الذين عاصروا تلك الحقبة , أسترديت شجاعتي لسرد ذكرياتي عن قريتي القديمة / العصرية الآن ( عنكاوة ) وتشير بعض المصادرالتاريخية بأسم عمكوأباد ( آباد باللغة الأرامية = بلدة ) , وتكتب أيضا ( عينكاوة/ حيث تشير الأسطورة الى تسميتها = عين + كاوة / البطل الأسطوري / الفولكوري الذي ثارضد الظلم ,( كمثال لشخصية روبين هود في الفولكلورالأنكليزي) وتخلد ذكراه في أعياد نوروز/ أعياد الربيع والحب ( أصل عيد فالنتاين الأوروبي) , وربما (عين ) لينبوع مياه الشرب من باطن الأرض الوحيدة في القرية وتسمى (كاريزيه/ كهريز) التي جفت مياهها منذ عشرات السنين لتصبح (عين- كاوة) وأننا بذلك نفتخر بأن يكون البطل /كاوة من أبناء قريتنا الخالدة في تاريخ الفولكلور الكردي !!؟؟ ..

فمن قلعة تاريخية في كركوك الى قلعة تاريخية أخرى في أربيل , فقلعة كركوك التاريخية التي لم يبقى منها سوى الأطلال التي تبكي على تاريخها المجيد وأهمال وزارة تهتم بالتراث ( أن وجدت هكذا وزارة أو حكومة تهتم بحضارة وتاريخ العراق الرافيديني ..) , وكأن التاريخ و التراث العراقي أقتصر على الأضرحة المقدسة . وأهمال تاريخ حضارة وادي الرافدين / منبع ومنشأ الحضارة الأنسانية في سومر وأكد وأور وبابل ونينوى ونمرود وآشور , ويا حسرتاه !!..

  

          صورة تبين قلعة كركوك سنة 1984

    

صورة تبين قلعة كركوك بين الخراب والإندثار ( أنا واقف على ما تبقى من البيت الذي ولدت فيه)

أما قلعة أربيل ( أربا أيلو= أربعة آلهة / باللغة الآرامية) , فأيضا قلعة آشورية, وتتحدث الأسطورة بأن ملك الفرس ( دارا داريوس) لجأ اليها بعد أندحار جيوشه أمام الأسكندر المقدوني ( ذو القرنين ) , وخبأ كنوزه تحتها , ومن حسن الحظ أهتمت حكومة الأقليم بتطوير وحماية هذا الصرح الحضاري وأصبحت قبلة للسياح . ونهنأ مدينة أربيل بتتويجها مدينة السياحة العربية لسنة 2014 .

   

                صورة لقلعة أربيل القديمة

   

                  قلعة أربيل بعد الترميمات
وبالرغم من وجود كتيب صغير والوحيد بقلم / حنا روفو / طبع على نفقة خاصة سنة / 1996
فالآن عنكاوة " الجديدة" أصبحت الآن ملاصقة لأربيل عاصمة كردستان العراق , وقد حلت مكان تلك القرية القديمة والتي لم يعد لها أثرعن ماضيها التليد , وما تم جمعه من تلك الآثارالقليلة من الصناعات اليدوية/ التقليدية للغزل والنسيج والزراعة ومعدات الحياة من أواني وزخارف و وحلى وأزياء تقليدية وصور تذكارية , أصبحت تحت سقف واحد في" متحف عنكاوة " , (تحت أدارة الأخ فاروق حنا , والذي أضاف قبل فترة كتاب موسوع عن عنكاوة و عائلاتها وشجرة العائلة يمكن أقتناؤها منه بسعر زهيد )

   


وعادت الى الحياة من جديد كمدينة متكاملة وتعتبرعروسة أربيل بدون منازع أو منافسة , حيث تتواجد فيها مقرات المنظمات الدولية , لما تتميز به من الأنفتاح و التحضر وقبول الآخر كونها 99% مسيحية وبالرغم من ذلك تم بناء مسجد وتحديد أراضي للوقف الأسلامي
تعود ذكرياتي الى مرحلة تبدأ في نهاية أربعينيات القرن الماضي , حيث كانت قرية ( كلدانية) ومع الأسف لم يبقى من شواهدها القديمة ومبانيها أو بلأحرى مساكنها المتلاصقة المبنية من الطين أثر بعد عين لتبقى ذكرى أمام أعين الجيل الجديد, وأصبحت بفضل العمران الحديث والتطور الأقتصادي كمدينة عصرية بكل معاني الكلمة , حيث تتهافت اليها معظم مقرات منظمات دولية والقنصليات الأوربية , وأصبحت قيمة الأراضي وأيجارالعقارات فيها تضاهي لندن ونيويورك , وعدد الفنادق وبيوت الأيواء المؤثثة بالعشرات ونوادي ثقافية وترفيهية , تضاهي بعض المدن الخليجية عدا دبي وأبوظبي مثلا.
ونظرا لما تتميز به من بيئة آمنة وأجواء مسالمة وصديقة وكرم و ضيافة وحيوية وثقافة سكانها ويتصفون بعادات وتقاليد أجتماعية متحررة وليبرالية متجانسة مع طبيعتها الدينية والأثنية ( كلدو وآشور) المتسامحة وحتى تقديم المشروبات الكحولية والخمور . وتم بناء مسجد أسلامي بدأت سماعة الآذان تنافس أصوات الأجراس في كنائسها .
وأصبحت قبلة اللاجئين , نتيجة التهجير القسري والتنكيل وحتى القتل ضد الطوائف المسيحية من قبل الأرهاب والتعصب الديني الظلامي , في مدن الوسط والجنوب , وخاصة بغداد والبصرة , وكذلك من الموصل / سهل نينوى بجرائم و وحشية داعش التي لا مثيل لها في التاريخ , وأيضا من سوريا ..
ولم يبقى أي أثر لتلك القرية الهادئة لما يذكرني بتلك الأيام من الطفولة البريئة حيث كنت أقضي عطلة الصيف في بيت جدي وجدتي , لأنني ولدت في قلعة كركوك , حيث كان والدي يعمل لدى شركة نفط العراق , ولاتزال تلك الذكريات وكأنها في الأمس القريب أتذكرأزقتها الضيقة الترابية وبيوتها القديمة وأراضيها الزراعية الشاسعة حيث كانت سنابل الحنطة والشعيرو أزهار عباد الشمس تملأ الروابي المنبسطة في فصول الحصاد , وتزرع في الصيف الرقي والبطيخ وغييرها من الخضروات والقليل من الأشجار المثمرة .
وكان عدد من سكان شقلاوة ( المصيف الصيفي المشهور على سفوح الجبل ) , يجلبون على حميرهم سلات كبيرة مملوؤة بأنواع الفواكه وخاصة العنب , والرمان والعنجاص والتين وكذلك الجوز والبلوط الأخضر , وفي عنكاوة كانوا يقومون بمقايضتها بالوزن/ الميزان , بحبوب الحنطة والشعير , وأتذكر زوج خالة والدي / أخت والدته , الشقلاوي ( حنا خوشناو والد أسحق العنكاوي) , يأتي الى بيت جدي ويصعد على سطح البيت وينادي :- دوار نا ترى , دوار نا ترى
( بالكردي = يعلن بصوت عالي هلموا الى العنب )
وكان السكان يعيشون على الزراعة وتربية المواشي والبقر , وكل يوم في غروب الشمس كانت قافلة من الآلاف من القطيع مجتمعة ترجع من المراعي الخصبة وتحت رعاية راعي واحد لكل القرية , وكان الغبار والتراب الذي يتطاير من تحت أقدامها ظاهر للعيان على بعد أميال , وكأنه عاصفة ترابية وكانت الحيوانات تعرف طريقها كل الى مقره دون أن يضيع أي واحد منهم وأذا ألتحق خروف بقطيع آخر , لأي سبب من الأسباب يتم أرجاعه الى طريقه وبدون عناء , وعندما كانت القطعان قريبة من القرية كان بأنتظارها البنات الصغار والنسوة لجمع فضلاتها من الأرض , و التي كان يعمل منها عجين على شكل أقراص رقيقة دائرية بحجم الصحون و تلصق على جدران البيوت لتجفيفها بالشمس وكانت تستعمل كوقود تحت الأواني للطبخ وحتى للتدفأة , لأن الأشجار كانت قليلة ولندرة الحطب , وكانت أغصان الأشجار يتم شراؤها ونقلها من القرى الكردية المجاورة على سفح الجبال , حيث كانت تستعمل كجسور لبناء سقوف تلك البيوت مع الحصير المحلي الصنع وطبقات من الطين للسطوح والتي كانت تستعمل للنوم في ليالي الصيف الحارة وكانت الطيور الصغيرة العصافيرالسوداء / زرزور , تدخل الغرف وتبني أعشاشها في السقوف بين سيقان الأشجار , حيث أصوات الفروخ كانت كالموسيقى السمفونية/ الكورال , في غياب أجهزة الراديو ولو بندرة آنذاك , وكان لعمي المرحوم صليوا / موظف/خبير زراعي , يملك راديو يستمع الى أخبار لأذاعة (بي بي سي) , وكان يرسل البطارية الكبيرة والثقيلة يوميا الى أربيل لشحنها .
و من أحدى طرائف ذلك الزمان , عندما قام أحد المعلمين بشراء راديو يعمل على نفس النوع من البطارية, وبدأ صوت المذيع ينبعث منها , سأله والده مستغربا ومتعجبا من هذا الأختراع
) . ياولدي أين يختبأ هذا المذيع !!؟؟..)
ونظرا لألتصاق البيوت بعضها ببعض , كانت السقوف الطينية , أيضا تستعمل كوسيلة قصيرة للأنتقال بين أطراف القرية , وكان النوم فوق تلك السطوح في ليالي الصيف والهواء الطلق المنعش وتحت قبة السماء الصافية المملوؤة بمليارات ( في ذلك الوقت لم نعلم بهذا الرقم , وحتى المليون) , من النجوم المتلألة بالأضوية والألوان البراقة في ظلام الليل الدامس , نظرا لعدم توفر الكهرباء كان الناس يستعملون الفانوس والشموع للأضاؤة , ولعدم وجود أجهزة الراديو كان الكثير منهم يسهرون على السطوح لتبادل القصص والأحاديث , وخاصة حول سرير جدي الكبير/ المرحوم الشماس ججو ( والد جدتي / والدة أبي) , حيث كان يمتلك صوتا رخيما ملائكيا ويشدو لهم أناشيد فولكلورية/ دينية ربما ملهمة من ملحمة جلكامش والألياذة والأوديسة الأغريقية ,ورثائيات أنشادية ( شبيهة برثائيات/ كربلائية في عاشوراء ) وعن المجاعات الكبرى , و مرض الطاعون والسرد الأنشادي بلسان ملاك الموت (عزرائيل) وذكر أسماء الأفراد والعوائل المنكوبة و هو ينتقل من بيت الى آخرتاركا وراؤه الموت والدمار وتسمى ( دوروكياثا / باللغة الآرامية/ السورث) ولقد ورث والدي المرحوم الشماس عيسى منه ذلك الصوت وكان في العديد من المناسبات الدينية والأعياد يشدو لنا وللضيوف ما حفظه , وقبل رحيله عن الحياة بعمر مديد , ولكن لم يصل الى عمروالده مروكي الذي رحل بعمر قياسي في عنكاوة ( 113) , وتم تسجيل تلك الأناشيد من قبل الأخ العزيز أمير المالح ( مشكورا) , مؤسس الموقع الألكتروني ( عنكاوة دوت كوم ) , الذي أصبح موسوعة للأخبار والأحداث والمقالات والصورللعنكاويين في أنحاء العالم كنموذج مصغر للفيسبوك www.Ankawa.com
لتبقى ذكرى للأجيال الحالية والقادمة ,( وتجدر الأشارة الى مناسبة حزينة ومؤلمة حيث كنا في عزاء لرحيل الفقيدة , والدتي في بيت أخي الدكتو فريد , في كمبردج / بريطانيا , بعد أن قمنا بمراسيم دفنها في تلك البلاد في الغربة , وبينما كنا صامتين نذرف الدموع , خطر ببالي فكرة أذهلت الجميع , وطلبت من والدي أن يتلو علينا ما تيسر له من تلك الأناشيد الدينية , كأحسن ذكرى لوداع الوالدة العزيزة التي رحلت الى جوار معبودتها التي كانت تصلي لها ليل نهار / مريم العذراء , رحلت بدون ألم وهي نائمة , عن عمر يناهز (90) عام , وفجأة رفع رأسه وظهر البريق بعينيه وبدأ بالتلاوة بصوت رخيم وساد الحضور جو من التواصل الروحي مع روح الفقيدة وكأننا في مجلس لأعادة الأرواح !! .
ولكنه رحل مأسوفا عليه , بعدها بفترة قصيرة عن عمر يناهز (103) عام ( بالرغم من تدخينه للسجائر العراقية في شبابه لأكثر من أربعين سنة ) , لأنه لم يتمكن من العيش بدونها , وبعد زواج سعيد دام لأكثر من (75) سنة , حيث تزوجت وهي بعمر (14) سنة , وتم دفنه في نفس القبر لتمتزج بقايا عظامهم مع بعض , فأن لم يشفعه خدمته الطويلة كشماس يخدم الكنيسة , فأن صلوات زوجته ستكون شفاعة كافية لترفعه معها الى جوارربها والقديسة مريم العذراء .
ولقد ورث أخي الكبير (حبيب) بعضا من ذلك الصوت العذب , حيث كان يغني في حفلاته الخاصة مع الأصدقاء والأقارب بعض الأغاني الطربية الكردية , وخاصة الشبابية التي أنتشرت في نهاية خمسينات القرن الماضي ( بعد ثورة 14 تموز1958 ) , منها أغنية ( هاور صت هاور , وهاي برده برده , وأري ليلي ليلي وغيرها ) وتقول بعض المقاطع من تلك الكلمات الرومانسية
هاور صت هاور روشي نت بينم / كريانم دي نانم والله مردم آبينم
هاي برده برده د برو بروكم بردا / صت جارم موتم ناويم / أيتر بسه بيت ناليم
أري ليلي ليلي ليلي أوف هاور ليلي عمرم ليلي / مالكم بوتويا جاوكم بوتويا
( المعذرة لعدم الترجمة خوفا من الأطالة !!..)
مع الأسف بدأ الجيل الجديد بنسيان ذلك التراث الأصيل والتاريخ القديم , ورحيل الرواد القدماء , دون أن يتركوا أرثا ثقافيا وأدبيا لأن معظمهم كانوا أميين لايعرفون الكتابة حتى بلغتهم الأصلية (الكلدانية /الآرامية/ السريانية) , عدا رجال الدين وقلة من الناس , وحتى القساوسة كان عددهم قليلا , بحيث أضطرت الكنيسة أن ترسم رجال متزوجين كقساوسة كالقس المرحوم / توما عظمت , بالرغم من أن رجل الدين الكاثوليكي لايتزوج , وبعد أن تم فتح مدرسة دينية/ فرنسية ( السيمينير) للآباء الدومينيكان , لتعليم الطلاب لتخريجهم كقساوسة في أحدى الأديرة/ مار يوحنا , بالقرب من الموصل / سهل نينوى , ونظرا للمكانة العليا والأحترام والتقدير لرجال الدين الذين كانوا أيضا كمحكمين في قضايا وخلافات عائلية وغيرها , فكانت كل عائلة تحبذ أن يتم قبول أحد أبناؤها في السيمينير , ولذا ألتحق بها , أخي الكبير / كوركيس ( جورج) ولكن قبل رسمه كقس , حبذ حياة مدنية ,حيث كان لهم حق الأختيار بكامل رغبتهم لدخول حياة كنسية وأعطاؤهم الفرصة الأخيرة للأختيار , وأصبح شماسا كوالده , ولديه عدة كتب باللغة الكلدانية/ السورث واللغة العربية في الشعر وعدة ترجمات الى العربية من اللغة الفرنسية , وهكذا كانت الدراسة في المعهد شاملة وكاملة لعدة لغات , وعلوم مختلفة لاتقتصر على اللاهوت والأنجيل , ليكون القس ملما بأمور حياتية ومعرفية يمكنه خدمة رعيته , ولم توجد مدارس قبل أستقلال العراق وتأسيس الدولة, فأول مدرسة تم وضع اللبنات الأولى لها , في عشرينات القرن الماضي , تم أختيار عدد من الشباب وأرسالهم الى بغداد عاصمة الدولة العراقية الجديدة , لأختبارهم ليتم قبولهم في معهد المعلمين الأبتدائية في بغداد , بأسئلة عامة بسيطة , لكي يتخرجوا بعد فترة قصيرة كمعلمين في أول مدرسة أبتدائية , و كنا نضحك على المرحوم والدي / عيسى بأنه رسب في ذلك الأمتحان , لأنه لم يعرف ما هي عاصمة العراق
وهو في بغداد !!؟؟..
وكانت أول زيارة لهم لمدينة كبيرة , التي أبهرتهم بمبانيها وشوارعها وحركة السيارات والعربات , والأهم من ذلك النساء بزي حديث أوروبي ( بدون حجاب) , وكان المنظر خلابا الى درجة فأن بصره تاه بالنظر لما حوله وهو يمشي , وأصطدم بعمود كهرباء , ووقع أرضا , وكان لايزال يتذكر وجه تلك السيدة العصرية / الحنونة التي هرعت لمساعدته .
وتمكن عدد لايتجاوز أصابع اليد الواحدة من تلك المجموعة , ومنهم معلم مشهور في عنكاوة , أسمه لوقا ( وتسمية المعلم بلغتنا هي = رباني ) , ونجح بسؤالين :- ماهي عاصمة العراق , وعاصمة فرنسا وبعض الأسئلة الحسابية) , وهذا الصفة ( رباني) كانت تطلق على السيد المسيح من قبل تلاميذه وأتباعه , وكان رباني لوقا وكما أتذكره جيدا صارما وشديد العقاب ليس فقط لتلاميذه ولكن أيضا لبقية الصغار , حيث كنا نختبأ عند قدومه ورؤيته من بعيد , لأنه كان يمنع الطلاب من التسكع واللعب في الأزقة , بدلا من وجودهم في البيت يدرسون ويواظبون دروسهم , وكان من حسن الأقدار أن يطرق باب شقتي في لندن أثناء دراستي أبنه الذي كنت أتذكره من زمن الطفولة وكان نظرا لهندامه الأنيق وأختلاطه مع شباب أكبر منه سنا ولايلعب معنا ويجادلهم بشتى المواضيع رغم صغر سنه وقصر قامته وكأنه قزم , وجاء ليقابلني عند وصوله الى لندن لأكمال دراسته, فكانت مفاجأة في غاية السعادة لأرى ذلك الشاب الذي أصبح بقدرة قادرطويل القامة !!.. , وتعرفت عليه قبل أن ينطق بكلمة , حيث جاء وبيده قنينة من مربى التين , التي كنت أعشقها من المرحومة والدتي , وكانت سعادتي وأنا أطير من الفرح ولنتذكر تلك الأيام الحلوة الغابرة في عنكاوة القديمة .
والى معهد لتخريج المعلمين في بغداد , تقدم معظم خريجي الثانوية العامة في السنوات التالية , للألتحاق بها والتخرج بعد سنتين كمعلمين , ولذا أصبحت مهنة المعلمين محترمة بحيث أصبحت العوائل تحبذ تزويج بناتها بمعلم / كموظف حكومي , بحيث أصبح معظم المعلمين في أنحاء القرى الكردية وأربيل هم عنكاويون ( لذا لهم الفضل في تدريس أجيال من الطلبة الأكراد) , وتم أفتتاح أول نادي للمعلمين في عنكاوة , والآن ونتيجة الهجرة سواء القسرية أو لحياة أفضل , تمكن العنكاويون من تقلد المناصب العليا والمهن العلمية والأدبية والهندسية المختلفة في قارات العالم الأربعة نظرا لمستوى كفاؤتهم وأبداعهم وأخلاصهم في العمل وسيرتهم الذاتية ذكورا وأناثا , وأصبحت الأمية في عنكاوة الجديدة , من ذكريات الماضي السحيق .

ومن أهم معالم القرية وشريان حياتها كان منبع المياه من عين تحت الأرض , خارج القرية بمسافة عدة كيلومترات , وتجري الى القرية كجدول مائي ينتهي بما يشبه بحيرة صغيرة/ حوض مائي
ويتذكر والدي عن حادثة في طفولته عن محاولة للسباحة والغطس , فيها , بغرس قطعة حديدية في الحافة مع حبل يشده الى يده كطريقة بدائية لأنقاذ نفسه من الغرق , وبعد أن تم أكتشاف أمره من قبل جدي , كان عقابه عسيرا تذكره طيلة حياته !!..
وكان يتصدرالحوض دولاب / عجلة ضخمة تعمل كالطاحونة ترفع الماء بأكياس جلدية الى مزرعة
خاصة لايجرأ أحد من الدخول اليها لشخص مجهول لايعلم أحد عن هويته , ومن الصدف الغريبة والعجيبة , أن أحد المتجنسين الألمان من أصل عراقي قابلته في مسقط / سلطنة عمان في أواخر ثمانينيات القرن الماضي , يبحث عن أستثمارات في المنطقة , ولكوني العراقي القديم ومن أوائل العراقيين الذين أستقروا في مسقط منذ بداية سبعينات القرن الماضي , وكمهندس معماري , كنت أول من يرحب بمثل هؤلاء الضيوف , وعندما علم بكوني عنكاوي الأصل , أفصح لي عن اللغز المحير عن هوية ملاك تلك المزرعة , بأنها كانت محتكرة من قبل آباؤه وأجداده بصك منذ العهد العثماني !!.. , هكذا كانت العدالة والمعاملة الظالمة التي كان السكان يعانون منها , بحيث يتم تمليك شريان الحياة لقرية بأكملها الى من لا حقوق له بها على الأطلاق , لأن العين المسماة ( كاريزيه) وربما كما جاء أعلاه/ عين كاوة , كانت تنبع من الجبال البعيدة عن القرية تم حفر مجراها تحت الأرض كقناة مائية بلأحجار كنفق ضيق يتخلله فتحات تم حجبها لتجنب التخريب أو قطع شريان الحياة من الأعداء وموت السكان من العطش , وهذه الطريقة في الري وأيصال المياه أشتهر بها الرومان , وتشبه الأفلاج العمانية ( جمع فلج) , والتي لاتزال من أهم طرق الري وتوفير مياه الشرب في القرى والأرياف في سلطنة عمان .
وكانت هذه القناة أو الجدول الذي يخترق أطراف القرية , يستعمل لمياه الشرب وخاصة في أوقات الفجر لصفاء ونقاوة المياه بعد ترسب ما يتعلق به من شوائب خلال اليوم , حيث كان أيضا يستعمل لسقي الحيوانات وخاصة قبل ذهابها الى المراعي وبعد عودتها في الطريق الذي كان بأمتداد مجرى الجدول , ومن أهم مراكز سقي الخيول كان في منطقة تم تغطيتها بالحجر والكونكريت مقابل قهوه/ جايخانة سلمان المشهورة والوحيدة في القرية وكان لديه جرامافون قديم لأسطوانات كردية لمغنين مشهورين من أمثال كاويز آغا وعارف جزراوي . وكان له مصباح غاز أبو الكيس المضيء , يملأ المنطقة بالضوء , نظرا للظلام الدامس وخاصة في ليالي الشتاء الخالية من ضوء القمر .
وكانت القناة المائية تستعمل لغلي حبوب الحنطة في براميل وتجفيفها لصناعة البرغل بعد طحنه في طاحونة بواسطة قرص كبير من الحجر يتم تدويرها من قبل الحمير . و أيضا لترطيب أغصان البردي بتركها منغمسة في الماء لكي تصبح لينة للأستعمال لنسج (الحصيرة) وغيرها من السلات/ والأواني .
وحادثة طريفة لموضوع " الحصيرة " كان مع الشاعر االغنائي / كريم العراقي , ونحن في سيارة الدفع الرباعي في طريقنا من عمان/ الأردن الى بغداد في بداية تسعينات القرن الماضي , ولم أسمع ألا أغنية واحدة لكاظم الساهر( عبرت الشط على مودك خليتك على رأسي ) , وبعد أن عرفني كريم بأنه يكتب العديد من كلمات أغانيه , والتي أطربنا بكاسيتات من تلك الأغاني الرائعة طيلة السفرة الطويلة , ولكن لم تعجبني كلمات أحدى تلك الأغاني حيث تشير الى سعادته وحبه لمحبوبته هانئا ولو على حصيرة , وشعرت بأن الحصيرة غير ملائمة للعشق والغرام , وخاصة ما أتذكر من قساوة النوم عليها في طفولتي في عنكاوة , ولكنه سارع للقول بأن كلمات تلك الأغنية كتبها كاظم الساهر بنفسه !!....
ودعاني للحضور الى مهرجان بابل ليعرفني به وأستمع لأغانيه في تلك الحفلة والتي نتيجة التزاحم للأعداد الغفيرة من معظم أنحاء العراق وغيرها من الدول , فقد العديد أرواحهم تحت الأقدام , وكما يحدث عادة في أحتفالات الهندوس في المعابد الهندية سنويا وغيرها من الأماكن , وبعد رجوعي الى مسقط وكما وعدتهم , أتفقت مع صديقي/مدير عام فندق الشيراتون / العراقي الأصل , بدعوة كاظم الساهر لأقامة حفل وسهرة غنائية في الفندق لأول زيارة له الى سلطنة عمان , وبعد أن تم نفاذ البطاقات نظرا للأقبال الهائل من المعجبين به , وتم تقديم نسخة من جواز سفره وصورشخصية للحصول على تأشيرة الدخول الى السلطنة , ويا للكارثة والعجب العجاب تم رفض الطلب بدون أبداء أسباب !!..
وتبين لاحقا أن كاظم قد غنى أغنية لصدام حسين في عيد ميلاده ( ومن كانت لديه الشجاعة ليرفض ؟؟؟..) , وأضطر الفندق لدفع قيمة تلك التذاكر لمن طالب بها , ولكن حفلاته العديدة بعد ذلك التاريخ كانت في غاية النجاح وطريقه مفروشا بالورود من معجباته ومحبيه)
( المعذرة للأطالة وتغيير الموضوع !!..)
ولنرجع بالذاكرة الى عنكاوة والقناة المائية /كاريزيه :-
وكنا نحن الصغار ننتظر قدوم الخيول لشرب الماء حيث كنا نتسابق في حث كل منها للشرب من القناة / الجدول , بالصفير من أفواهنا , ونفرح أذا بدأ الحصان بالشرب بتمديد رقبه الى سطح الماء , ولست أدري أن كان ذلك حافزا لها للشرب , وخاصة وأنها عطشانة , وربما هذه كانت عادة متبعة . ولا يتذكر الجيل الجديد شيئا عن (كاريزيه) لأنها جفت مياهها وأصبحت مدفونة تحت أساسات المباني والعمارات الحديثة .
يا حيف على كاريزيه وعلى تلك الأيام والذكريات الطفولة البريئة .
وكنا نحن الصغار نتشوق الى الذهاب اليها للسباحة في الحوض الصغير في فوهة المنبع ( المفتح بلغة السورث) , وكان الأهالي يأتون بالحمير المحملة ببراميل ( وادريه/ بلغة السورث) ليملؤوها والرجوع بها الى القرية , لذا كان ماء الشرب يتم حفظه في التنور وما يسمى بالسورث ( حبانة) خزان مصنوع من الطين المجفف و نظرا للمسامات يتم تبخر الماء من سطحه الخارجي ويحافظ على برودته وأستعماله للشرب و طهي الطعام وأتذكر جدتي وهي تستعمل ماء في طاسة صغيرة للغسل , أولا لوجهها وما يتساقط منه في الصحن لعدم سكبه وهدره , وبعدها تغسل يديها وأخيرا رجليها لما تبقى منه في الصحن .
وكان الطريق الي كاريزيه وخاصة في غروب الشمس كان يعتبر طريق الحب والعشاق حيث كان الشباب يسرحون ويمرحون مع خطيباتهم وحبيباتهم , خاصة في فصل الربيع حيث أزهار الربيع (زهورالنيسان) الحمراء والصفراء والبيضاء كانت كبساط من الحرير الملون تغطي المزارع والحقول وكان يتماثل مع أزياؤهم الملونة والبراقة وأشرطة الحلى الذهبية وطاس الذهب على قبعاتهم , وتتلألا مع ضوء الشمس , وكما يقول الشاعر:-
يسرن زرافات الى مسرح الهوى كما سار للمرعى الخصيب قطيع
و هذا الطريق أيضا كان يسلكه الشاب قبل ليلة زفافه برفقة واحد أو أثنين من المتزوجين وأصحاب الخبرة , ليلقنونه أسرار الدخلة على عروسته , لأن الحب الأفلاطوني هو الوحيد الذي كان قد مارسه مع خطيبته , وكنا نحاول نحن الصغار تتبع خطاهم لنسترق السمع لبعض تلك الأسرار المحرمة على الكبار و المتزوجين ( فما بالك ونحن أطفال صغار!!..) , ولاأزال أتذكر أول سر بلغ الى سمعي وهو :- أستعمال المخدة , ولم أتمكن من فهم هذا اللغز المحيرحينذاك !!....
وأطلب من الذين عاصروا هذه الفترة أن يثروا الموضوع بذكرياتهم وتعليقاتهم ولو نقلا عن آباؤهم لأحياء الذاكرة للأجيال الحالية والقادمة لأنه تراث عريق وتاريخ حضاري و أنساني .

 

ذكريات عنكاوة القديمة /عروسة أربيل الحالية/ عاصمة كردستان العراق
( الجزء الثاني)
لقد عانى السكان المسالمين البسطاء في عنكاوة , عانوا الأمرين من العهود السابقة وخاصة خلال العهد العثماني ( العصملي) , لقد كانت عنكاوة فريسة لكل ظالم ومستبد , وضحية سهلة للثأر من أهلها بالقتل والتنكيل وسرقة محاصيلهم ومواشيهم بما يسمى بالغزوات والجهاد في سبيل الله , لأنهم على ديانة نصرانية , تعتبر لديهم وتنعت بالكفر , وهم أهل الكتاب/ الأنجيل ويعبدون نفس الله
ومن العجيب في تاريخ الأمم وحضارتها , أن يمنع ويحرم ذكر/ أستعمال كلمة (الله) من غير المسلمين في أكبر دولة أسلامية من حيث النفوس , وأصبح قانونا يعمل به ويعاقب من يخالفه اليوم في أندونيسيا .
وكل عائلة كان لها ما تنقله ذاكرتهم من تلك الأهوال , وما حدث لجدي من الأب ( مروكي/ بيو
و جدي من الأم ( حنا فرنسيس) , مآسي أنسانية بحق , لقد أعتاد الجنود المسلحين ( الجندرمة) العثمانيين الأتراك , غزو هذه القرية وغيرها من قرى وأرياف سهل نينوى ( تلكيف وألقوش وكرمليش وبرطليه وبعشيقة وبغديديه وقرى الآثوريين عمادية وديانا وحرير وباتاسيه وغيرها الكثير من القرى الجبلية التي تم تكريد ( العديد منها في عهود سابقة ) , وكان هؤلاء الأرهابيين هم بحق أجداد أرهابي القاعدة وداعش والنصرة والجهاد وأخوان وأخوات الأخوان المسلمين , في العهد الحالي , يثيرون الرعب بين السكان , حيث كان يتم من بين تلك الأهوال , أختطاف الشباب والرجال لأرسالهم الى الجبهة في الحرب العالمية الأولى ( سفر بولك = سفر بيوك/ الحرب الكبرى بالتركية) , فكان الشباب والصبية يهربون لينقذوا بحياتهم , سواء عن طريق السطوح الطينية للبيوت المتلاصقة , أو الأختفاء ولو تحت الأرض , وهذا ما حدث لجدي من الأم , حيث لم يتمكن من الهرب , فأختبأ تحت قبو ضيق تحت عنبر الحبوب , وبعد مغادرة الغزاة بغنائمهم ( الحلال) , لم يتحرك في مخبأه بعد رحيلهم , وبعد أن جروه من رجليه وجدوه جثة هامدة نتيجة الأختناق وأصبحت والدتي يتيمة الوالد بعمر أربع سنوات .
وكان قد لجأ الى عنكاوة مع أخته كأطفال آشوريين / آثوريين ( وكذلك غيرهم من الأرمن) , كلاجئين , نجوا من أهوال المذبحة الكبرى ( جينوسايد/ ) في تركيا العثمانية في سنوات 1915/1916 , ليلقى هذا المصيرالأسود والهلاك على يد أبناء هؤلاء الطغاة .
أما ما حدث لجدي من والدي فكان أغرب من الخيال , تمكنوا من القبض عليه وأرساله الى جبهة القتال , ولكنه هرب بأعجوبة وتمكن من المشي مئات الكيلومترات عائدا الى قريته , ولكنهم قبضوا عليه مرة ثانية وحكموا عليه بلأعدام في محكمة شرعية في أربيل و ولكن القاضي بحكم أنسانيته وسماحته !!؟؟.., أعطاه سبل النجاة من حبل المشنقة , أما أن يسلم ( أسلم تسلم) , أو أرساله مع آخرين تحت الحراسة المشددة الى الجبهة ليموت هناك , وطبعا رفض العرض الأول وقبل بالثاني وسيق مشيا على الأقدام , وتمكن من فتح ثغرة مع أثنين آخرين في حائط الحصن على الحدود التركية الحالية ويهرب , ولم تتمكن الجندرمة من اللحاق بهم وتمكنوا من الهرب والرجوع مرة ثانية الى عنكاوة مع رفيقه اليهودي ( ورغم وعورة الطرق والعواصف والأمطار , والمجاعة الكبرى ) . )
وبعدها تم تهريبه الى بيته في أربيل متنكرا بملابس نسائية بصحبة والدي كصبي يافع ووالدته ( جدتي) , وبالرغم من المجاعة والفقر المدقع للسكان فأن والد اليهودي أصر على وضع قطعة من النقود ( مجيدية) بيد والدي لأنقاذ أبنهم الوحيد الذي أعتبروه في عداد الموتى .
ولقد عاش جدي مروكي/ بيو , الى عمرطويل كأكبر معمر في القرية (113 سنة) , ولقد عهد حياته لخدمة معبد صغير يبعد عن عنكاوة مسافة حوالي (4 كيلومترات) , فكان يذهب مشيا على الأقدام , كل يوم أحد ليشعل الشموع في مذبح/ معبد صغير تعلوه قبتان للسيدة العذراء / المريم , وكان يتحدث عن حوادث خطيرة من ما كان يلاقيه في الطريق من تهديدات بقتله على يد فرسان مسلحين يملأ الحقد والكراهية قلوبهم , وأنه دائما ما كان مجبرا لتنظيف ما قاموا بتدنيسه بفضلاتهم داخل المعبد الصغير , فبعد أن كانوا ينامون داخله ليلا من البرد , ونهارا من شدة الشمس كانوا يتركون فضلاتهم قربانا لمن يقدسون أسمها في ديانتهم من قبل أفراد ولو قلة , في قمة الجهل والتخلف لأن عنكاوة أصبحت اليوم في أمن وأمان وسلام مع جيرانها في القرى الكردية , نتيجة سياسة الأنفتاح والتعليم التي تنهجها حكومة الأقليم . .
وكانت المناسبات السعيدة لنا نحن الصغار هي حفلات الأعراس أيام الأحد و التي كانت شبه أسبوعية , حيث كان الأحتفال في الهواء الطلق في الميدان العام للقرية , تتخلله رقصات الدبكة الكردية والآثورية ( كولشينيه ) مع أصوات وأنغام االمزمار و الطبلة تملأ السماء ( دول و زورنة / بالسورث) , وكان أشهر عازف مزمار في المنطقة بأسرها هو كردي من أربيل , يسمى (خضر/ خدر بالكوردية, لأن الضاء كانت محتكرة للعرب الناطقين بالضاء) , وبعد وفاته ورث أبنه نفس الحرفة , ومن أغرب ما أتصف به هو قابليته العجيبة وكأن في رأسه كمبيوتر , حيث كان يتلقى النقود وحتى قطع ذهبية ( الليرة) من الراقصين والراقصات لما يسمى ( الشاباش) , من المتبرع الى آخر يذكر أسمه وهو يلوح بالنقود أمام الجميع , ويتنافسون لرفع سقف الشاباش , وبعد عدة ساعات من الرقص حيث البنات والشباب يد بيد , وتلك الأصوات التي كانت كموسيقى الروك أنرول ويرقصون جنبا الى جنب بحركات متجانسة , والشباب والرجال , وأيديهم متشابكة بيد فتاة أو أمرأة صديقة أو غريبة دون أن يثير أي أستغراب أو شكوك أو حساسية , لأن أهل القرية كانوا يعرفون بعضهم بعضا من قريب , ويشاركون في الأفراح والأتراح بكل عفوية وأحترام متبادل يتمتع الصغير قبل الكبير بتلك الأفراح والمسرات .
وفي أيام الأحد بعد الرجوع من الكنيسة , كانت الفتيات الشابات بملابسهم التقليدية الملونة وحليهم وكأنهم على موعد غرامي مع خطيبهم , يجتمعن ويجلسن القرفصاء على الأرض الترابية , في لعبة تسلية وحيدة لديهن وتسمى ( التراب/ أوبرا بلغة السورث) , وليس برميه على بعضهن البعض كما يحدث في أيام سقوط الثلوج , ولكن بلعبة تشبه ( السبحة العراقية, حيث يتنافس فريقان لأخفاء المحبس في الأيادي , والتعرف على من يضمها بين أصابعه ) , ولكن في هذه الحالة كانت قطعة نقدية صغيرة , يتم دفنها تحت أكوام من التراب الأحمر الجاف حسب عدد اللاعبات , وتقوم أحداهم بتحريك يدها بين تلك الأكوان الصغيرة وتعيد تكوين الأكوام , وتتركها لتحزر الأخريات أين توجد العملة النقدية ومن تحرز تكون من نصيبها , وكنا نحن الصغار نجتمع حولهن نمعن النظر في تلك اللعبة بشيء من العجب لسرعة وخفة الحركات اليدوية والأصابع ونمعن في الوجوه الجميلة و نظرا لصغر أعمارنا فأن وقوفنا خلفهم أو حتى الجلوس بينهم لم يثير أي أهتمام ولكن العشق الصبياني الفطري كان حاضرا .
وكان بائع يحمل صحن كبير فوق رأسه وفيه حلويات/ جوكليت , مكسرات /جرس ( وأسمه توما الأعور / توما كورا) , كان يحوم كالفراشة فوق تلك الزهور في تلك التجمعات النسوية ويجلس بجانبهن وفي حانوته المتنقل يوجد كل ما لذ وطاب , وكان دائما مرحب به وهو الذكر الوحيد الذي لم يثير أية شبهة أو تساؤلات ويجلس بينهم ويداعبهم بالكلام والغمزات واللمسات والضحكات , وكأنه (مخصي) جالس بين " حريم السلطان " .
وأتذكر الآن وجهه الصبياني وعيونه الصغيرة حيث سمي بلأعمى لضعف بصره تحت نظارات زجاجية سميكة , وربما كانت البنات يعرفن طبيعته (وأقول ربما) المخنثة , فلا حرج من وجوده بقربهن وربما بعلم أولياؤهن بذلك أيضا , ولا أنكر بالرغم من صغر أعمارنا كنا نحسده على تلك المعاشرة البريئة معهن . ..
بينما الذكور كانوا يلتهون بلعب ( الدعابل) , بالرغم من الكرات الزجاجية الملونة كانت نادرة وغالية الثمن في ذلك الزمان , فكانوا ينحتون الكرات من أحجار (وكان أبن عمي/ شمعون خبيرا بذلك ) , أو يلعبون بالعظام /( قعبيه/ بالسورث) ( فقرات المفاصل المجففة من عظام الخروف ) ,
أو جلسات الغناء والسمر وشرب العرق المحلي الصنع , وكانت جدتي (حنى ككو) والدة أمي , مشهورة في صنع الخمو / العرق أبو كلبجة من العنب / وتم تخليد أسمها في أغاني هؤلاء السكارى .
وكان يذكر لنا المرحوم والدي , عن حكايات طريفة له مع أصدقاؤه حيث كان كل منهم يأتي بدجاجة مشوية وأبريق خزفي من العرق , ويجلسون يتسامرون ويغنون ويشربون من أواني معدنية ( طاسات) سادة/ بدون ماء , وبعدها كانت تحدث الغرائب والعجائب نتيجة سكر بعضهم , فأحدهم دخل على البيت وهو يترنح من السكر وهدد وهو يمزح , زوجته بالقتل بعد أن حمل بندقية قديمة وأطلق النار في الهواء , ونتيجة هول الطلقة النارية التي صمت الآذان , وقعوا على الأرض من الخوف , فعندما نظر الى قميصه الأبيض , فوجده ملطخا ببقع حمراء داكنة ظن أنها دماء زوجته, فنهض مذعورا الى الخارج وهو يصرخ :- قتلتها , قتلتها , أرحموني , النجدة , النجدة !!!..
, وهرع الجيران ليشاهدوا هو وزوجته تركض وراؤه تصرخ به
لقد فجرت قارورة عصير الطماطة على الرف , يا مجنون !!.. :-
وفي حكاية أخرى حيث كانوا يعملون النكت ( براكتيكال جوكس / بلأنكليزية) ببعضهم البعض , فأحدهم كان معزوما لحفلة في بيت أحدهم , وبعد أن نفذ الطعام , طالب بالمزيد وهو سكران رسمي
فأنتهزوا هذه الفرصة لتلقينه درسا لاينساه , فجمعوا قطع الفلين من فوهة بعض الزجاجات ( التبادور/ بالسورث) , وقاموا بقليها بمعجون الطماطة والدهن الحر , الى أن أصبحت حمراء شهية اللون والبخار يتطاير فوقها, وتقديمها له في صحن , وبعد أن التهمها بشراهة وكأنه يأكل تكة لحم خروف , وكأنه لم يتذوق أكثر شهية منها وطالب بالمزيد , وهم مستلقين على ظهرهم على الأرض , ميتين من الضحك
ومن الطرائف الهزلية لأحدهم , ففي رحلة له من عنكاوة الى كركوك لزيارة أبنه , بالسيارة , حيث كان الركوب بالسيارة حينذاك نوعا من المغامرة الشيقة و خاصة لأول مرة , بالرغم من حشر النفرات فوق مقاعد خشبية وطسات الطريق نتيجة الحفر في الطريق الأسفلتي و طول المسافة بسرعة لاتتجاوز( 40) كلم في الساعة , فعندما وصلوا بالقرب من بيت أبنه في كركوك على الطريق
فتوقف السائق ليسمح له بالخروج , فرفض قائلا
أنني دفعت الأجرة الكاملة , وأرغب للركوب الى الكراج العام !!.. , مرددا :- ( باري ويلايين , حول الكراج براكوين / بالسورث ) !!..
وكان الجراج ( في وسط المدينة) , بعيدا عن منزل أبنه , وحبذ المشي من الجراج على قدميه حاملا أمتعته لأن لذة الركوب بالمسافة الأضافية بالسيارة , كانت تساوى ذلك العناء والتعب , وكأنه طفل يركب على مرجوحة , أو ما يسمى ( جرخوفلك/ العجلة الكبيرة مع المقاعد كطاحونة الهواء .
وكانت العربانات التي يجرها حصان , هي وسيلة النقل من الجراج الى موقع سكن الزائرين من عنكاوة الى أقرباؤهم في كركوك, فلما سأل سائق العربة / العربنجي , أحد هؤلاء عن عنوان بيت أبنه , أجاب وهو يردد :-
ذلك البيت بالقرب من عمود الكهرباء !!..
وكأن عمود الكهرباء هو الوحيد في المدينة وأهم معالمها المعروفة للقاصي والداني . ) )
وكان يوجد شخص مشهور في عنكاوة والوحيد الذي يمتلك سيارة قديمة للنقل بين عنكاوة وأربيل و كانت بطارية السيارة دائما ميتة , وكان مشهد طبيعي ومألوفا للجميع رؤيته أمام السيارة يضرب الهندل بدون جدوى , و بعد محاولات يائسة لتحريك الهندل , كانت الطريقة الوحيدة الباقية والتي يتوقعها الجميع , هي دفع السيارة لتشغيل المكينة , وأصبحت ظاهرة دفع السيارة والجميع يردد :- زوبولا توماس , زوبولا !!!.. /بالسورث = أدفعوا توماس أدفعو
ويضطر الركاب وخاصة الرجال للنزول لدفع السيارة قبل أن يركبوا فيها , فكانت الأصوات تعلوا صغارا وكبارا في كل محاولة الدفع وهم يجتمعون حولها ويضحكون , بحيث أصبح هذا التعبير فولكلوري/ هزلي متداول في العديد من المناسبات التي تشمل بعض المحاولات للحصول على شيء جماعي أو فردي . و
هكذا كانت الحياة بسيطة وبدائية , يمزحون مع بعض برحابة صدر بدون حزازات وعداوة , لأنهم يشعرون بأنهم جميعا على قارب واحد , دون ان يخل أحد بتوازنه وهو يشق بحارا مضطربة وأجواء مشحونة بالكراهية والحقد الظلامي الأسود , لذا يتم التواصل واللحمة بينهم , بالرغم من أنهم لاينتمون الى عشائر وقبائل , وانما الى عوائل بأسماؤها والتي تم صك مرادفا لها , لهؤلاء الأشخاص نتيجة حدث أو فعالية أو الهزل وحب النكتة ويكنون بها وتصبح مطموغة عليهم ولايعرفون أنفسهم ألا بها , ونظرا لغرابة الكثير منها لألفاظها التي هي هزلية بلغة السورث (ولكن مقبولة بلغات أخرى) , وأقول هزلية تثير الضحك ولكن دون أن تمس مشاعر أو أحتجاج أو ضغينة , فمثلا أسم عائلتنا ( أوغنا ) , فعندما يذكر أحدهم مثلا : عيسى أوغنا , لايعرفه أحد بذلك الأسم ألا بعد أضافة :- عيسى بيو , وأسماء آخرى مثل :-
متي طيطي , حنا جيلا , يوسب ستة , شميكا , صليوا كلاوة , حنو ككو , و باوي باوا = بطرس بولس ( الذي جاء لزيارتنا في مسقط/ سلطنة عمان مع زوجته الثانية/ الجيكوسلوفاكية , ولم يتغير قط بعد أكثر من (30) سنة , رأيته في عنكاوة القديمة , وكان لايزال يحتفظ بصوته الشجي وفي حفلة عيد رأس السنة في البيت , غنى لنا بالكردية , الأغاني الكلاسيكية التي يتقنها لكاويس آغا , و التي أطربت الحضور دون أن يفهموا من معانيها شيئا .
ولقد كان لشباب عنكاوة دور بارز في الحركة الكردية , لأنهم كانوا مسيسين , وذو أفكار ماركسية وتقدمية , نظرا لتعليمهم العالي وأفكارهم المتفتحة , ولقد حمل الكثير منهم السلاح في صفوف المقاتلين الأكراد في ثورات الزعيم الخالد الملا مصطفى البرزاني , في الجبال وأستشهد العديد منهم سواء أثناء المواجهة مع قوات صدام حسين , أو المعارك الدائرة بين الفصائل الكردية .) .
وأتذكر أثناء زيارتي لعنكاوة عن طريق البر/ طريق القجخ من تركيا , في زمن صدام حسين , فكان مقابل دار أهل زوجتي مقرللحزب العمال الكردستاني ( الباكاكا ) وكانت المناضلات الكرديات بملابسهن القتالية يختلطون بالسكان و بظهور علني في أرجاء عنكاوة ( وهذا يدل على تعاطف ومساندة شعبية لهم برغم المخاطرلأيواء هؤلاء المطلوبين أحياء أو أموات للسلطات التركية القمعية وحتى الصدامية العراقية ) .
ولقد تم تكريم عدد منهم في مناصب هامة في حكومة الأقليم في أربيل , وكان أشهرهم , (فرنسو حريري) , وكان يعتبر الذراع الأيمن للملا مصطفى , ونتيجة السياسة الحكيمة لرئيس الأقليم مسعود البرزاني , تم حماية المناطق والقرى المسيحية , وأرجاع أهاليها الى عدد من قراهم الأصلية , وكان لفرنسو الفضل الكبير في ذلك ولكن يد الغدر والأرهاب الأسود نالت منه وأغتيل بخسة ودناؤة وبدون حراسة شخصية تحميه , ولكونه مسيحي , و بالرغم من ذلك التاريخ المشرف والمكانة اللائقة به في حكومة الأقليم , ويشكر للرئيس مسعود وعدد من وزراؤه أن كانوا يمشون أمام جنازته الشعبية المهيبة , نظرا لتاريخه النضالي وأعماله وأنجازاته العظيمة. وكان الجميع يعلم بهوية هؤلاء القتلة من الأحزاب الأسلامية الأرهابية , دون أن يردعهم أحد في ذلك الوقت !!....
وعن ذكرأسم الملا مصطفى , أضيف بأنني صافحته مرتين عند عودته الى أرض الوطن من المنفى في موسكو , وكان ذلك ضمن الأستقبال الشعبي له في نادي الضباط في كركوك سنة 1960 , ووقفت في الطابور مرتين ليكون لي الشرف بمصافحته , وفي المرة الثانية تذكر وجهي وأبتسم , ومن منكم صافح الزعيم الخالد / الملا مصطفى البرزاني مرتين في حياته ؟؟
وعن نشاطي في الحركة الكردية , كنت مع عدد (2) من الطلبة الكرد في جامعة ليفربول , وهم نزار عثمان ( المهندس المعماري المعروف) , ولطيف رشيد ( وزير الري العراقي عن الائتلاف الكردي في برلمان بغداد) , حيث كان الحركي / دارا , يأتي ألينا من لندن في مناسبات مختلفة لأبلاغنا بأخبار الحركات وحادثة طريفة لي في آخر زيارة لي الى عنكاوة/أربيل في المطارقبل عدة أشهر , فعندما قدمت جوازي العماني والصورة بالملابس العمانية الرسمية ( مفروضة في البطاقات الشخصية والجوازات) , وأنا أتكلم معه بالكردي أستغرب وبدأ يتصفح الجواز والصورة عدة مرات , وطلب مني الأنتظار , وبعد رجوعه طلب مني مراجعة الأمن قبل مغادرتي ...
ويحز في قلبي أن أسمع عن أفراد من الكرد , لازالوا متطرفين ويؤمنون بالعقائد الظلامية وينتمون للمنظمات الأرهابية التي تلطخ سمعة الأكراد المتسامحة والمتنورة نتيجة السياسة الحكيمة المتبعة الآن في أنحاء كردستان العراق , حيث يتم التركيز على حقوق المواطنة وحقوق الأنسان وأن كانت لاتزال الأفكار القديمة والعادات , موجودة وبقوة , مثل ختان البنات الأجرامية والعنف الأسري وخاصة ضد المرأة , حيث عدد المنتحرات أصبح موضوعا لدى منظمة الأمنستي العالمية ...
ولكن المستغرب والمستنكر, أن يكون كردي عضوا في التنظيم العالمي للأخوان المسلمين
يحضر أجتماعاتهم العالمية في قطر وتركيا وأوروبا , دون مساؤلة من أحد , بعد أن أثبت هذا التنظيم الأرهابي بأنه المدرسة التي تخرجت منها جميع المنظمات الأرهابية والجهادية , كالقاعدة / أيمن الظواهري , والجهاد الأسلامي وجماعات داعش والنصرة وأخوانها وأخواتها حول العالم !!....
واقول وأردد المثل الكردي المعروف :-
أنتم وتلك الجماعات الأرهابية , كجا مرحبا ؟؟
( المعذرة من الصعب ترجمة / كجا مرحبا بالعربية )

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

436 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع