الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - ذكرياتي عن قلعة كركوك القديمة و مدينة كركوك

ذكرياتي عن قلعة كركوك القديمة و مدينة كركوك

                                                        

                       المعمار أيوب عيسى أوغنا

    

 آخر زيارة لقلعة كركوك 1984 مع أخواني جورج ودنحا و بنات أخواتي

   

ذكرياتي عن قلعة كركوك القديمة :-
        من ذكريات قلعة كركوك (1 )

كركوك التاريخية تتمثل في قلعة كركوك التي يعود تاريخها الى ما قبل السبي البابلي , ولايزال المسجد الوحيد في القلعة بمنارته القديمة شاهدا حيا يؤرخ تاريخ السبي البابلي الذي تجسد علي أرضها , وترك أسم النبي التوراتي / دانيال , أسما على مسمى للمسجد نفسه ( مسجد دانيال بيغامبار) بالتركمانية / والفارسية , أو مسجد النبي دانيال ولا يزال قائما بمنارته ويعلوها عش اللقلق وهو منتصب على قدم واحدة وكأنه حارس وحامي المسجد , وينظرون أليه بخشوع ولايجرأ أحد على أزعاجه أبدا .

       

ولايزال السرداب تحت المسجد حيث تم أحتجاز النبي دانيال في تلك القلعة من قبل جيوش الملك البابلي ( نبوخذنصر) , بعد رجوعه للمرة الثانية من أخضاع دولة يهوذا والسامرة , وهو يقود العديد من الأسر النبيلة وحتى أعضاء الأسرة الحاكمة بعد هدمه أورشليم والمعبد اليهودي , في ما يعرف تاريخيا بالسبي البابلي , لذا كان موقع المسجد هو معبد يهودي منذ ذلك التاريخ , وحتى بداية خمسينات القرن الماضي , كان حشد من اليهود يأتي من مختلف أنحاء العراق يجتمعون حول المسجد ويؤدون صلاة عيد الغفران , ولم يتمكن اليهود من الأنعتاق من أسرهم والعودة الى أورشليم , ألا بعد عدة قرون بعد هزيمة بابل على يد الملك الفارسي (كورش) العظيم , حيث وعدهم بالعودة وأعادة بناء المعبد , ثمنا لمساعدته في فتح بابل والقضاء على الأمبراطورية البابلية/ الكلدانية , ولقد وفى بوعده لهم بالعودة لمن رغب بذلك , ولقد أحتفظ بالمدينة العامرة التي كانت تشتهر بالجنائن المعلقة التي تم ذكرها في التوراة والأنجيل , والأسطورة بأن نبوخذنصر بناها لعروسته ( الميدية) , لكي لاتحن الى موطنها في الجبال في دولة ميديا بعد معاهدة الصلح معهم ( كما تذكر الكتب المدرسية) , ومن الجدير بالذكر فأن عدد كبير من اليهود أستقروا في بلاد ما بين النهرين وكان لهم تأثير بارز في الحياة الثقافية والفنية وصياغة الذهب والفضة , وكان لليهود محلة خاصة بهم في القلعة , ومن أشهر الأسماء ( عرب أوغلو) اليهودي , حيث كان حارسا لمدرسة ثانوية الصناعة في منطقة ( المصلى) , في القلعة وشهرته الواسعة في معالجة الكسور والعظام وكنت محظوظا لتلقي العلاج من يده , بعد أن وقعت أرضا وأنكسرت يدي اليسرى , أثناء عراك مع أحد الطلاب خارج مدرسة الخالدية الأبتدائية للبنين , حيث قام والدي بأصطحابي أليه وفي يدنا دجاجة , حيث كان يمتنع لأخذ الفلوس , كان علاجه معظم الأحيان مجانا , ( ومن يقول بأن كل يهودي بخيل وطماع يحب المال ..) . و بالرغم من أندثار معظم معالم القلعة التي أصبحت أطلالا وآثار لهضاب ترابية كانت يوما ما مدينة مكتظة و آهلة بالسكان , بدروبها وأزقتها الضيقة وبيوتها المتلاصقة , ولم يبقى فيها سوى عدد محدود من البيوت المأهولة لتثبت بأنها أقدم قلعة في التاريخ لاتزال مسكونة وعلى قيد الحياة . وما تميزت به المدخل الرئيسي حيث المدرج العريض على جانبي سفح الهضبة المرصع بالأحجار من قاع النهر ( خاصة صو) , ولقد خلدتها الأغنية التراثية التركمانية :- " قلعدا ديبندنا بير داش أولايدوم , كلانا , كيدانا يولداش أولايدم ...." . (وترجمتها :- حبذا لو كنت حجرا في منتصف طريق القلعة لكي أصبح صديقا للصاعد والنازل ) . والجسر القديم ( الجسر الحجري / طاش كوبرى) المؤدي أليه حيث كانت منصة صغيرة لشرطي المرور في المقدمة , تسيطر على القليل من السيارات و الكثير من العربات التي كل منها يجرها حصان , وعربنجي بيده السوط ( عربنجي أضرب قنجي !!..) وهذا للصبي الذي يحاول بغفلة من العربنجي للألتصاق بمؤخرة العربانة و يركب ولو لمسافة قصيرة كانت هذه قمة الأثارة والمتعة , بالرغم من لسعة القنجي المؤلمة , لذا كنا نحمي وجهنا الى الأسفل ولكن قماش الدشداشة لم يحمينا كثيرا , ولكن المنافسة كانت لمن يبقى مسافة أطول على الرينكات الخلفية للعربانة .. يا لها من أيام الطفولة , وأتذكر عندما جرفت السيول جزءا من الجسر وتعذر طريق الذهاب الى مدرسة الطاهرة الأبتدائية للبنين في القلعة , حيث أستمرينا في الدراسة هناك بعد أنتقالنا من القلعة الى منطقة ( القورية / محلة بكلار) , وطبعا مشيا على الأقدام . وأستمرينا في تلك المدرسة , حتى بعد أنتقالنا الى بيوت (العرفة) كركوك الجديدة , حيث كنا نستقل الباص ( الأمانة) , الى آخر محطة أمام الجسر القديم , ونسير فوق الجسر حيث كان (الخاصة صو) معظم الأوقات يابسا لا ماء فيه , عدا بعض الكلاب البرية والطيور الجارحة على جثث الحيوانات , وما تبقى من عظام الأضرحة التي تذبح في أعياد الأضحى , وكنا نحدق بهيكل السيارة المقلوبة في القاع , حيث سبق وأن وقعت من فوق الجسر وهي تحمل ركاب من عمال شركة نفط العراق وهم عائدون الى بيوتهم في القلعة , ونشعر بهول الفاجعة لمن قتل وأصيب في الفاجعة المؤلمة تلك , ومن حسن حظنا , فأن والدي كان مريضا ونجا من الموت بغيابه عن العمل في الشركة . ونجا من الموت مرة ثانية في الأضراب التاريخي للعمال في شركة النفط العراقية ( آي بي سي) , والتي كانت بريطانية بأسم عراقي , حيث جلبت جندرمة مسلحين ( مرتزقة) , بعد أن رفض رجال الشرطة المحليين , من أطلاق النار بدون أنذار على العمال المضربين والمطالبين بزيادة الأجور , حيث تم قتل وجرح العشرات من العمال بطلقات نارية معظمها من الخلف وهم يركضون , وبالرغم من أن والدي كان جريحا بطلقة في الكتف خرجت من الصدر , جائه أحد المرتزقة وهم بأطلاق النار لأتمام العملية , لولا أن الله أرسل ملاك الرحمة, وقال له منددا :- "هذه ليست رجولة منك لتقتل مصابا على شفى الموت " . وذلك كان أول أضراب عمالي في منتصف أربعينيات القرن الماضي لما تم تخليده ( بمجزرة كاورباغي) وترجمة الأسم :- كاور = كافر , وباغي= حديقة , وأيضا كان أهالي القلعة الغير المسلمين مدللين بأسم محبب :- قلعة كاووريه ( أي كفار القلعة ) ومعظمهم من الكلدان من السكان الأصليين من الأصل البابلي , وبعد حرب 1948 وقيام دولة أسرائيل , أصبح اليهود بصورة خاصة , منبوذين وخاصة من الشباب المغرر بهم ويتم ضربهم بالحجر على رؤوسهم وهم يرددون( باشينيه قريم ) أي أكسر رأسه بالحجر, ونفس الحجر الذي كان يتغنى به سابقا كصديق وتحول الصديق الى العدو !!.., وما أشبه اليوم بالبارحة !!!..
ولا أزال أتذكر وكنت صبي بعمر أربع سنوات , ذلك الفتى اليهودي وهو يركض والدماء تسيل من رأسه وضفائر شعره ترقص في الهواء , لينجو بحياته من تلك الأحجار الصديقة. وهذه ذكريات الطفولة التي تم نحتها في ذاكرتي . وبعد ثورة 14 تموز 1958 وبعد تأميم شركة النفط وأصبحت عراقية أصلية , حاولت السلطات المحلية تخليد (كاورباغي) , بتمثال لعامل وفي يده عريضة , وبعد نصبه على منصة عالية , في الشارع المؤدي الى المستشفى المركزي على طريق محطة القطار , حيث بقى التمثال مغطى لفترة طويلة وبعد طول أنتظار , وخلال أحتفال شعبي مهيب لذكرى هؤلاء الشهداء , ولكن الصدمة والدهشة كانت أثناء أزاحة الستار عن التمثال الهزيل , وكأنه مصنوع من الطين , تم نحته بيد أحد الهواة الغير المهرة , ومن حسن الحظ تم أزالته بعد أن تزايدت الشكاوى من المواطنين لتدنيس تلك الحادثة التاريخية بذلك التمثال الهزيل !!.. بعد سنوات طويلة من الغربة منذ أكثر من ربع قرن من الزمان , قررت أن أزور مسقط رأسي وأسير على تلك الدروب وأحاول التعرف على تلك الأمكنة , والتي لم تقم لها قائمة غير مرتفعات ترابية وأحجار مكدسة ومناطق معظمها مهجورة , عدا بعض العوائل التي تشبثت ببيوت عشوائية ولكن المسجد لايزال قائما بمنارته ولم يخيب ظني ذلك اللقلق , حيث كان كعهده السابق لايزال قائما ومنتصبا على قدم واحدة , وكأنه تمثال منصوب فوق المنارة منذ القدم . .
من ذكريات قلعة كركوك (2)
يبدوا أن تسمية ( قلعة كاووريه) تثيربعض الأهتمام والتساؤل , ولكن الجدير بالذكر أنها ايضا كانت تشمل الأقلية من التركمان المسيحيين أيضا , حيث كانت هذه الأقلية تتمتع بنفوذ بين بقية الأقليات ومعظمهم من الكلدان الكاثوليك , ومن أحد تلك الشخصيات ( ميناس غريب ) , الذي كان مالك البيت الذي ولدت فيه . وفي الكنيسة الوحيدة في القلعة ( كنيسة أم الأحزان , أو الكنيسة الحمراء) , التي كانت على بعد مرمى حجر من مسجد النبي دانيال , كانت الطقوس وقراؤة الأنجيل في أغلب الأحيان تتلى باللغة التركمانية , مما تثيربعض الأنزعاج من الكلدان الذين كانوا يتلونها باللغة الآرامية/ السيريانية , وحتى أن اللغة اللاتينية كانت ببعض الأحيان تتلى كحل وسط حسب هوية الشماس واالقس وكانت المنافسة على أشدها بين القس التركماني والقس الكلداني من شقلاوة ( القس يوسف) الذي كان يتشجع ويستعين بحضور والدي المرحوم الشماس (عيسى بيو) , ولكن من باب الأنصاف كنا نحن الصغار نحبذ التركمانية لأن عذوبة أصوات الكورس النسائي كان ملائكيا وخاصة في عيد السعانين والأعياد الأخرى .
وأتذكر في أحد الأيام في القلعة , جمعا غفيرا من الناس وهم يحومون حول شخص طريح الأرض , وتبين أنه أصيب بنوبة قلبية من جهد الصعود فوق عشرات الدرجات الى أعلى القلعة, وكان شخصية ذات أحترام في القلعة وهو تركماني مسيحي , وأصبح أبنه ( صباح عيسى) بعد سنوات , من أعز أصدقائي في ثانوية كركوك ومن غريب الصدف , أنني ألتقيت به في مكتب رعاية شؤون اللاجئين في كندا حيث كان يعمل , ونظرا لأنني كنت في عجلة من أمري وأنا في مهمة سفر لتعزية بعض الأقارب هناك وللأستفسارعن طريقة نقل جثمان أبنتهم التي أنتحرت بسبب الكآبة و البعد عن صديقاتها في بغداد , الى أرض الوطن , فلم يسمح لي الوقت لنتسامر معا ولنتذكر تلك الأيام الحلوة وذكرياتها الجميلة حيث كانت له غراميات ومعجبات لتشبهه بحليم حافظ بالصوت والصورة .
في تلك الأيام لم نعرف شيئا عن الشيعة والسنة , بالرغم من خروج المئات من أهالي القلعة بمسيرات بمناسبة (عاشوراء) , كانت تثير الرعب في قلوبنا نحن الصغار , وخاصة مشاهدة الدماء تسيل من رؤوس وأجساد العديد منهم نتيجة ضرب أنفسهم بالخناجر والزناجيل ( التطبير), وتبين لنا ولو بعد سنوات أن تلك الطقوس هي للشيعة في ذكرى عاشوراء/ كربلاء وأستشهاد الأمام حسين بن علي وأهله (عليه السلام) , وأيضا كنا نشارك معهم باصوات عالية في ليالي تلك المناسبات الدينية , ونحن ننام فوق السطوح , حيث كانت الأصوات بالدعوات والأهازيج الدينية للرثاء , وأصداؤها تعلو في سماء القلعة كسمفونية تشبه الكورال في السمفونية التاسعة لبتهوفين !!..
وكانت مدرسة الطاهرة للبنين , ملتقى أبناء أهالي القلعة بأختلاف طوائفهم , ومن أحلى تلك الأوقات كان هي عملية الأصطفاف للطلاب والمعلمين في الصباح , ونشيد وطني وطني بالعربية , ولكن كان يعقبه أناشيد شجية من الفولكلور التركماني , وفي مناسبة نادرة في أحدى القنوات التركمانية بالصدفة تم غناء بعض تلك الأغاني في تلك القناة , ولم أتمالك نفسي , والدموع تنهمر من عيني فرحا لذكرى تلك الأيام وأصوات الطلاب ترن في ذهني مرة ثانية .
ونظرا لأن هذه هي سيرة ذاتية لذكريات الصبا , فانني سأذكر لكم ما حدث لي في مدرسة البنات البتدائية أيضا , لقد كان عمر القبول في مدرسة البنين الأبتدائية هو (7) سنوات ولكن شغفي في التعلم وأنا في السادسة , فأضطر والدي الطلب لي بلألتحاق بالصف الأول لأنني كنت قد تعلمت القراؤة والكتابة من أخواني وأخواتي في البيت , ونظرا لعدم وجود مقاعد شاغرة , طلب المديرمن والدي أن يجلب لي مقعد لكي ألحق بالصف, ولكن مبلغ = 100 فلس قيمة المقعد كانت صعبة على والدي وأجوره الزهيدة في عمله كمساعد كهربائي في شركة نفط العراق , فلم يتمكن من ذلك ( وربما هذا ما دفعه للمشاركة في الصفوف الأولى لأضراب ( كاوورباغي) التاريخي , ولم يحصل على شيء بالمقابل سوى طلقة نارية في الكتف وأشهر من البطالة لحين أسترداد صحته ورجوعه الى العمل , ولكن حصل في أواخر عمره وهو في التسعين قبوله كلاجيء سياسي في بريطانيا , بعد أن تم قبول طلبه فورا , بذكر مشاركته في أضراب كاوورباغي والتي يبدو أنها لم تصبح نسيا منسيا في نظرأحد موظفي الهجرة البريطانيين , الذي كان حفيدا لأحد الموظفين الأنكليز الذي عاصر تلك الأحداث و ذكرها لأبناؤه .
( كما تم طمس ذكراها في العراق وحكوماته الوطنية بلأسم فقط ) .
ولقد حصل أيضا عند بلوغه من العمر (100) سنة , معايدة وبطاقة عليها صورة الملكة أليزابيث الثانية وعليها صورتها , وتم أيصالها بساعي البريد الخاص بالقصر الملكي , وكنا نمزح معه عن أمكانية نيل لقب الفارس أيضا , ولكن هيهات لأنه فارق الحياة بعدها بثلاث سنوات وكان طلبه أن يتم دفنه في البلد الذي أكرمه ورعاه كأكبرلاجيء سياسي عمرا على قيد الحياة . ويبدوا أن جينات العمر الطويل قد ورثها من والده الذي رحل عن الدنيا بعمر (113) سنة , وأنا متأكد بأن العشر سنوات الناقصة من عمره كانت بسبب التدخين ( وكما أثبتت الدراسات بأن المدخنين يخسرون (10) سنوات على الأقل من أعمارهم ) , ولابد أن نذكر أيضا نبذة مختصرة عن والده الذي أذاق الجندرمة العثمانيين درسا قاسيا , حيث تمكن من الهروب من الألتحاق القسري بالجيش العثماني مرتين في ما يعرف ( السفربلك) بالعامية , والصحيح = السفر بيوك ( الحرب الكبيرة/العظمى) , وعندما تم ألقاء القبض عليه حكم بالأعدام , ولكن لشدة الحاجة الى الجنود في الحرب العالمية الأولى , أعفي عنه , على أن يتم ألحاقه في الجبهة , وتمكن أثناء تسفيره تحت الحراسة المشددة من حفر فتحة في أسفل الحائط والهروب من السجن وساعد نزيل ( يهودي) آخر معه , ولم يتمكن أعضاء الجندرمة المسلحين من اللحاق بهم , وتمكنوا من الوصول مشيا على الأقدام بقطع مئات الأميال من الحدود التركية الحالية الى عنكاوة بالقرب من أربيل , وتمكن والدي وهو صبي مع والدته الأخذ بيد اليهودي متخفيا ومرتديا الملابس النسائية وأيصاله الى بيته في أربيل سالما معافا , ولكن جدي من والدتي لم يكن أحسن حظا , حيث مات مختنقا في حفرة تحت مخزن الحبوب الطيني , ليتخلص بنفسه من الأسر والتجنيد القسري الى الهلاك , ولقد كان من المعتاد في زمن المجاعة الكبرى , أن يغزو الجندرمة القرى المسيحية المسالمة ويجروا الشباب من القرية , وسلب ما لديهم من المواشي والحنطة والشعير وتركهم يموتون من الجوع ( ويبدو أن الجندرمة من أبناء وأحفاد هؤلاء العثمانيين , حاولوا أخذ ثأرهم من والدي الجريح في أضراب كاوورباغي ) .)
ولنرجع الى ما يتشوق اليه القاريء لما حدث لي في مدرسة البنات .... فما كان من أختي أن تذكر بان مدرسة البنات تقبل بعمر (6) سنوات , وأن الصف الأول فيه شواغر , وفي اليوم التالي تم مرافقتي الى مدرسة البنات وأنا ألبس التنورة السوداء و الصدرية البيضاء حول العنق , وألتحقت بالصف الأول , ولم يلتفت أحد لوجودي بينهم لأيام عديدة , ولكن أنفضح أمري أثناء التبول في المرحاض على الحائط وأنا واقف , فما كان من صياح البنات بعد أن أنكشف أمري , وجائت المديرة ومسكت بيدي وطردتني خارج باب المدرسة .
وكما ذكرت فأن معظم سكان القلعة نفسها كانوا من التركمان , والأقليات من اليهود والكلدان وعدد قليل من الآثوريين , وأتذكر جيدا أحد هؤلاء الفرسان من ( الليفي وهي فرقة آثورية كانت متمركزة في بحيرة الحبانية , تم تدريبها من قبل الأنكليز في الحرب العالمية الأولى , وكانت مشهورة بالشجاعة والبسالة , ويذكر التاريخ بأن الأنكليز غدروا بلآثوريين بعد أن تم الأستغناء عنهم , ولولا ذلك فأن فرقة الليفي كانت على أبواب بغداد لأحتلالها قبل أن يصل الأنكليز اليها . ويجدر بالذكر رئيس أساقفة الآثوريين ( مار شمعون) وأخته ( سورميه) الذين لعبوا دورا مهما في تلك الأحداث , ومن غريب الصدف أن التقي بحفيدة (مارشمعون ) في مدينة لوس أنجيليس في كاليفورنيا حيث كنت في زمالة قصيرة في السنة الأولى من جامعة ليفربول , وتم مرافقتي معهم الى المهرجان السنوي للآثوريين في كاليفورنيا حيث أصبحت تضم أكبر جالية آثورية في العالم بعد تهجيرهم سواء من تركيا العثمانية ( أو ما تبقى منهم من الأبادة التي تعرضوا لها مع الأرمن سنة 1915, وما حدث لهم من قتل وتهجير سواء في العراق وأيران , وآخرها في مجزرة سمائيل على يد الجيش العراقي بقيادة الجنرال الكردي بكر صدقي سنة 1932, ولاحاجة للدخول في أحداث تلك الحقبة المؤلمة من التاريخ العراقي , فهي بتفاصيلها موجودة على صفحات الأنترنيت و الفيسبوك .
ولنرجع الى هذا الفارس الآثوري في قلعة كركوك , حيث كان من عادته ركوب حصانه الهائل
بين الأزقة الضيقة , ونحن الصغاركان يصيبنا الرعب ونحتمي بين البوابات لحين مروره , وبالرغم من قصر حجم الفارس , ولكن نظراته و تقاسيم وجهه والشارب الكثيف المعقوف , وعلى رأسه شبقته
(قبعته)الأصلية والريشة المعروفة لأفراد فرقة الليفي , ومن الصدف الغريبة والعجيبة , بأنني ألقيت بضابط بريطاني متقاعد في مسقط / سلطنة عمان , وكانت لديه صور لجده الضابط المسؤول عن فرقة الليفي الآثورية , يا لها من عالم ودنيا صغيرة , بل وأصبح العالم قرية كونية .
من ذكريات قلعة كركوك (3)
كان الهدف من وراء كتابة هذه الذكريات المتناثرة ( وأن جائت متأخرة) , هو الوفاء وأحياء يوميات الطفولة في قلعة كركوك , والتي تستحق التذكير , ليس فقط لأنها مسقط رأسي , وأنما لأهميتها التاريخية وأعادة وضعها على الخريطة وألقاء الضوء عليها لأزالة أطنان التراب عن معالمها , وأزقتها ودروبها , وربما لأحياؤها من جديد في قلوب ساكنيها الذين لايزالون على قيد الحياة , أو لأولاد وأحفاد هؤلاء , وحبذا لو أهتم علماء الآثار بالتنقيب عن تاريخها والحضارات التي عاشت وأندثرت وأصبحت أطلالا تحت تلك الهضاب الرملية .
وأنني كمهندس معماري وخبير أستشاري أهتم بالتراث العراقي كمصدر للألهام , لي أمل بأن الدولة العراقية ستبدأ يوما ما بترميم وبناء هذه القلعة التاريخية ( أسوة بقلعة أربيل التاريخية ) , و في أحياء تراثها وأمجادها وحضاراتها الأنسانية منذ بدأ التاريخ ( حضارة ما بين النهرين ) , وأن تصبح هذه معالم سياحية كما هو الحال في حضارة مصر الفرعونية , والجدير بالذكر الأهتمام الذي أبداه ديكتاتور العراق ( صدام حسين) بأعادة بناء بابل , وأن كان لتخليد ذكراه هو شخصيا , لأنه كان يعتبر نفسه (سرجون البابلي) , ولذا يعتبرأنجاز تاريخي يشهد عليه بالرغم من دوافعه الشخصية و مرض جنون العظمة لديه, ولكن كل هذا لم يثنيني من الأشتراك في مسابقة عالمية لتصميم ما سمي ( صرح القادسية) تخليدا له في تلك الحرب المدمرة وحصلت على الجائزة التقديرية ومكافأة مالية لا أزال أفتخر بنتيجتها , وأن المهندسين يحلمون بالتعامل مع من لديه وبيده القرار النهائي لأنجاز مشاريع عملاقة ( كمثال العلاقة بين المهندس المعماري سبير والدكتاتورالنازي هتلر) . ولكن لم تتيح لصدام الظروف لأقامة ذلك الصرح الذي كان يشمل مقرات ومكاتب الحكومة ومدينة مصغرة بأسوارها وعدد (8) بوابات أكبرها تسمى (بوابة القدس) , وتضاهي مدينة بغداد التاريخية التي بناها الخليفة الثاني العباسي (أبو جعفر المنصور) وأن كانت أصلا بعدد (4) بوابات والشكر للمعماري والأكاديمي موفق الطائي في كتابه الجديد عن بغداد وتاريخها , ويبدوا أنه أختار أسم (المنصور) على الطابوق للتشبه به أيضا.
وكذلك شاركت في مسابقة معمارية عالمية لبناء (برج بابل) والحدائق المعلقة التي خلدت أسم الملك/ البابلي/الكلداني( نبوخذ نصر) , وأهم شروط المسابقة كانت بيان طريقة الري القديمة لتوصيل الماء الى أعلى الحدائق ( بدون أستعمال آلات ضخ الماء) , والغريب أننا أثناء زيارة الموقع لم نتمكن من الأقتراب من المسرح الذي تقام فيه فعاليات مهرجان بابل السنوية , تخوفا من حراس الأمن في التعرف على المدخل الخاص بالسيد الرئيس الى المقصورة الخاصة به , والغريب أننا كنا نصمم في تصاميمنا الغرف الخاصة ومكاتبه وطرقة هروبه بثلاثة طرق , جوا بالهليوكوبتر , وبحرا بالقارب للبحيرة وممر مائي الى نهر الفرات , وبالبر عن طريق خاص بالسيارات المصفحة بطريق خاص , وحتى مواصفات الملجأ تحت الأرض ضمن متطلبات التصميم , بأن يكون ضد القنابل النووية بما لايقل عن عمق سبعة طوابق تحت الأرض !.
ولكن أيضا لم يتم البت بالنتائج وذهبت جهودنا أدراج الرياح , وكما ذهبت معها مشاريعه الوهمية بجعل بغداد عاصمة الشرق بدون منازع ( عاصمة المنصور صدام حسين), ومن يدري مدى نجاحه في تحقيق كل هذه الأحلام , لو لم تورطه أمريكا بالحرب العراقية –الأيرانية وغزو الكويت . .
لنرجع الى قلعة كركوك , وبالرغم من مساحتها المحدودة على الهضبة فأنها كانت في الزمن الغابرمستقلة كمدينة متكاملة يلف حولها نهر ( الخاصة صو) , ونتيجة التوسع السكاني فأن معظم الأسواق والمحلات التجارية كانت في المنطقة المحيطة بها وخاصة من الشرق حيث كان يوجد طريق ضيق منحني ذو ميلان يؤدي الى محلة (المصلى) , والوحيد الذي تتمكن منه العربات الصغيرة التي تجرها الحيوانات , للصعود الى القلعة , لذا لم تتوفر مساحات فضاء للعب الكرة حتى لطلاب المدارس , لذا كانت الأزقة الضيقة هي المكان الوحيد لقضاء أوقات الفراغ , وكل زقاق أو محلة كان الفتيان فيها يظهرون العداء لمن يتخطى حدودهم كنوع من الحماية , لذا كنا نتفنن في الألعاب التي تسمح بها تلك المساحات الضيقة , كلعبة الدعابل للفتيان و القفز على مربعات المخططة بالتباشير للفتيات والتي نحن الصغار نشترك بها معهم , وكان سفح الهضبة (مدخل القلعة) كان يسمح لنا بمشاهدة جزءا كبيرا من شاشة السينما الصيفية على الطرف المقابل للنهر( سينما غازي ) , حيث كنا نستمتع بمشاهدة أفلام السوبرمان وفلاش جوردن ورجل الخفاش والكاوبوبز والهنود الحمر, مجانا . كما أن العديد من فعاليات فرق بهلوانية للقرود والدببة والتي يتم تدريبها وهي مقيدة بالسلاسل ولاأزال أتذكر منهم من كان يهضم الزجاج بأسنانه و آخر يبلع الأحجار الصغيرة للحصول على بعض الفلوس بالمقابل , وكان يدق على بطنه لسماع أصوات تلك الأحجار , يا لها من طريقة خطيرة لكسب لقمة العيش , ونسمع هذه الأيام عن ضبط مهربين في المطارات للمخدرات في كبسولات يبلعونها للتهريب بين الدول ومنهم من يموت لأنفجار بعض الكبسولات في بطنه , وربما الأحجار كانت أقل خطرا لذلك المسكين وخاصة وأنه لم يتم القبض عليه كمهربي المخدرات .
وفي حادثة لا أزال أتذكرها جيدا , وقوع حمار يحمل أثقالا في حفرة البالوعة خارج أحد البيوت بالقرب من مدرسة الطاهرة للبنين , بحيث لم يتمكن صاحبه من جره من سيقانه الخلفية الى الخارج قبل أن يختنق , وبقت جثته أياما عديدة الى أن تمكن عدد كبير من عمال البلدية والسكان بجره بالحبال وألقائه في قاع الخاصة لتأكله الكلاب السائبة والطيور الجارحة ويبقى منه العظام , ويقال أن الحاجة أم الأختراع , حيث طالبت المرحومة والدتي مني وأخوتي الكبار للذهاب الى قاع النهر وبيدنا كيس ( كونية) لجمع العظام
حيث كانت تحرقها في التنور الجديد كلما أنتقلنا من بيت لآخر, حيث كان الرماد في قاع التنورضرورة لبقاء الحرارة مستمرة داخل التنور ولأعطاء الغلاف الداخلي للطين المجفف صلابة وطبقة تمنع العجين من الألتصاق , حيث كان التنور من ضروريات الحياة , لصنع الخبز , وما أدراك ما هي لذة وطعم وريحة تلك الأرغفة الرقيقة , وريحة حبات الهيل و الحبة السوداء ضمن العجين , وخلد المطرب العراقي (ناظم لغزالي) , في أحدى أغانيه الشعبية
بلأشارة الى محبوبته وهو يحاول مغازلتها وكسب ودها ,( ناوليني الرغيف من التنور) ...
ولي تحية وأستفسار من يهود العالم ( والبرفيسور شموئيل موريه بصورة خاصة), هل لأحدكم علم ومعرفة باليهودي المشهور في قلعة كركوك , بأسم ( عرب أوغلو) وماذا حل به وعائلته , وبهذه المناسبة أبعث بتعازي الحارة للأستاذ الدكتور/خضر سليم البصون في رثاؤه المؤثرفي ( أيلاف) وبدأت دموعي تنهمر لذلك السرد الرائع من أديب أصيل , و لزوال هؤلاء الذين أثروا تاريخ العراق بالفن والأدب والموسيقى , لرحيل والدته المرحومة مريم الملا بصون / الأديبة والكاتبة العراقية الأصيلة, والتي شربت من مياه دجلة ( يادجلة الخير...شعر الجواهري ) , وترعرعت على تراب العراق , وكان له ولوالدته و والده المرحوم مجهود عظيم يدل على أصالتهم وتمسكهم بأصولهم العراقية , في كتاب الموسوعة عن حياة وشعر الجواهري العظيم .
من ذكريات قلعة كركوك (4)
والكلام عن كركوك لابد أن يشمل الموضوع الشائك للحالة الأجتماعية وهوية سكانها , وهنا أدون ملاحظاتي وتجاربي الشخصية كشاهد عيان وشاهد على العصر, عن مسألة مكونات الأعراق والمذاهب والأثنيات , خاصة بالقلعة ( قديما ) , وعامة بكركوك وما حواليها , كمحافظة سميت ب(التأميم) بعد تأميم شركة نفط العراق , وكان هذا أكبر أنجاز تاريخي لثورة 14 تموز .
أنا لست سياسيا ولم أنتمي طول عمري لأية أحزاب , ولست أديبا لأكتب سيرة ذاتية مشوقة وبلغة أدبية رصينة , تضاهي أي من كتاب (الكاردينيا) , وأن اللغة العربية ليست لغتي الأم وهي الآرامية
ولكنني مهتم باللغة العربية والأدب العربي , وكنت أحصل عدة مرات على درجة = 100% في اللغة العربية ( الصف الرابع) في مدرسة الأعدادية بكركوك (بعد الثانوية ) في الأمتحانات الفصلية, ودرجة = 90% في البكالوريا العامة . وهذا ما رفع معدلي العام = 87% , حصلت على بعثة علمية الى بريطانيا , سنة 1962 في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم , وتم قبولي بجامعة ليفربول ( الهندسة المعمارية) بعد حصولي على نتيجة في أمتحانات ( جي سي ئي) = 4 ( أ- ليفيل) من كلية ستريتفورد قرب مانجستر , وأحدها ( اللغة العربية) , لذا فأن اللغة العربية ساعدتني لتخطي تلك المراحل في التفوق والنجاح , ولقد أنقطعت عنها في سنوات الغربة الطويلة , وها أنا أحاول جهدي للتعبير بها بأحسن طريقة ممكنة .
وكما تمت الأشارة اليه سابقا , أن معظم سكان القلعة كانوا من التركمان , ولذا تعلمنا اللغة التركمانية بطلاقة ويسر من الشارع , أما الأقليات كان معظمها من الكلدان وعدد صغير جدا من الآثوريين , واليهود الذين بدأو بالنزوح بعد حرب فلسطين سنة 1948 , حيث تمت مضايقتهم , ليس فقط في قلعة كركوك , ولكن في أنحاء العراق سواء في بغداد أو البصرة , وكلنا نتذكر ما تعنيه كلمة ( فرهود) !!؟؟..
أما العنصر الأثني الكردي , كان قليلا في القلعة ذاتها , ولكن الكثير من التجار في أسواق القلعة
أي في الشوارع المحيطة حول القلعة , كانوا من الأكراد , وخاصة من الفلاحين الذين يمولون السوق بمنتجاتهم من الخضروات والفواكه والحبوب , ويجلبوها من القرى الكردية القريبة من مدينة كركوك
وعندما أنتقلنا من القلعة الى ( القورية /محلة بكلار) , أيضا كان وجود التركمان كبيرا , حتى أن الدار الذي قمنا بشراؤه كان من عائلة ( النفطجي) , وهم من كبار ملاك الأراضي , ولذا جاء أسمهم لما له علاقة بالنفط , وكان في شارع ( ألماس) القريب من ( التبة) , والجدير بالذكر فأن البيت لم يكن معه صك الطابو , وبعد أكثر من 45 سنة من حيازته , تمكنت أحدى حفيدات النفطجي من أمتلاكه وطرد أحد الأقرباء الذي كان يسكن فيه نيابة عنا , ولم يجدي مطالبتنا أمام المحكمة بملكيته بالرغم من حصول بقية الجيران في نفس الوضعية من ملكية بيوتهم من عائلة النفطجي من التركمان دون اللجوء الى المحاكم !!..
وتجدر الأشارة بأن الكثيرمن سكان القورية وضواحيها كانوا من الآثوريين ولهم محلة خاصة بهم بالقرب من شارع ألماس , كما كان للأرمن حضور عددي كبير في مناطق خاصة بهم في المنطقة القريبة من مدرسة الثانوية , تسمى ( محلة الأرمن ) , وقبل ذلك أنتقلنا الى بيوت العرفة ( كركوك الجديدة) , حيث كان العنصر الآثوري طاغيا فيها , حيث كان الشارع الرئيسي فيها مزدحما بالشباب والشابات وهم يتنزهون بأحلى مظهر كأنهم في دولة أوروبية , لأن معظم موظفي وعاملي شركة نفط العراق كانو آثوريين , نظرا لأجادتهم اللغة الأنكليزية , والكثير منهم نزحوا من (بحيرة الحبانية) بعد أخلاء القاعدة العسكرية الأنكليزية منها . وبعدها أنتقلنا الى منطقة الزاب ( نمرة ثمانية) , حيث كان أخي الكبير يعمل لدى الشركة البلجيكية التي كانت تبني محطة ضخمة لتوليد الكهرباء , وكان في المنطقة مناطق آبار النفط ( كي- وان) و(كي- تو ) و(كي- ثري) , وهي مناطق تابعة لشركة نفط العراق , وهنا أيضا كان مزيج السكان يشبه بقية مناطق كركوك , وللأمانة والحيادية والتجرد , أن العنصر العربي كان صغيرا وبدأ بالتواجد والأزدياد بعد ثورة 14 تموز 1958 , حيث أن السيارة التي كانت تنقلنا الى المدارس في كركوك أصبحت لا تستوعب , العدد الأضافي من طلاب العرب الجدد , وخاصة وأن محطة الكهرباء بعد أنتهائها أنتقلت تحت أدارة الدولة , وأصبح عقيد متقاعد من الجيش , (كان يعمل مساعدا في مكتب عبدالسلام عارف) , المدير العام الذي جلب معه العديد من أفراد عشيرته , وكان ذلك بداية وأزدياد العنصر العربي في شركة النفط ودوائر الدولة في مدينة كركوك , وليس كما هو معلوم بأن صدام حسين , هو أول من بدأ بتعريب كركوك , وأن أصبحت في زمانه العملية منظمة ومنسقة ولها أبعاد سياسية وأجتماعية , عانت منها كركوك و لاتزال .
وكان هؤلاء الطلاب العرب يتسمون بالعجرفة والتخلف الفكري وسوء السلوك , والبداوة التي جاؤا منها , وتم الطلب من شركة نفط العراق أن يسمحوا لنا ( بعد أن توظف أخي كموظف حكومي )
الألتحاق بالباص الخاص لأبناء موظفي شركة النفط , وكان الباص ينعرج الى عدد من القرى الكردية في الطريق لألتقاط عدد من الطلبة الأكراد , وهذا يشير الى وجود العنصر الكردي في القرى حول مدينة كركوك , وهم من السكان الأصليين في مناطقهم وقراهم لأرتباطهم بلأرض كفلاحين ومزارعين , كما كان للعنصر التركماني أيضا الأكثرية في قرى ونواحي القريبة من كركوك مثلا (طوزخورماتو وتلعفروآلتون كوبري ) , وأن العنصر العربي كان من خارج المدينة وبدأ بالتكاثر وأثبات وجوده بقوة بين بقية المكونات الأصلية للمدينة نتيجة عملية التعريب تلك , والتي كانت مركزة ضد الأكراد لتقليص نفوذهم وأكثريتهم العددية في المحافظة , ويبدو أن التركمان رحبوا بقدوم العنصر العربي لصالحهم . .
وفي أربيل أيضا كان التواجد التركماني ظاهرا , وخاصة في النزاع والأقتتال الكردي الكردي ( بين الطالاباني و البرزاني ) في ما سميت بحرب الجمارك , وتمكنت تركيا بفرض شروط الهدنة بينهم , حتى أن فرق مسلحة من التركمان حافظت على فصل الفريقين عن بعضهما كشرط من شروط الصلح بينهما.
وأصبحت أربيل فجأة تتكلم التركمانية , وكاسيتات الأغاني التركية أصبحت رائجة في الأسواق والمقاهي , وفي أحدى زياراتي للأهل في عنكاوة / أربيل , تم أغلاق الحدود البرية مع تركيا ولم أتمكن من الخروج عن طريق زاخو ألا بعد أن توسط لي أحد الأصدقاء القدامى من القلعة , ليشملني بالكووتا التركمانية والتي كان لها حق الخروج بتصاريح خاصة الى تركيا ومنها سافرت الى بريطانيا .( لذا فأنني كنت تركماني مع التركمان وكردي مع الأكراد وعربي مع الخليجيين كما هو الحال الآن وقبلها أنكليزي مع الأنكليز) .
لذا فأن من وجهة نظري أن مصلحة التركمان هي التعايش مع العنصر الكردي لأن ما يجمعهم أكثر منه مع العنصر العربي في كركوك بصورة خاصة . .
ولكن الضحية الكبرى بين هذه المكونات كان الآثوري/ الكلداني /الأرمني /اليهودي , نتيجة الأضطهاد على أساس ديني بالدرجة الأولى , وهذا يشمل بقية أنحاء ومدن العراق حيث تم تهجيرهم منها بلأرهاب والوعيد , وخسرت كركوك بصورة خاصة , ذلك الفسيفساء الأجتماعي الرائع والذي كانت كركوك تتحلى به , وتعيش بأحلى وأجمل عصورها في الفن والشعر والموسيقى والجمال , وظهر عدد من الشعراء الآثوريين
يعتلون منصة الشعر العربي وحركة أدبية متميزة بلأشتراك مع زملائهم التركمان والأكراد , ومن الصدف أن يحل علي ضيفا الشاعر الآثوري المعروف سركون بولص , في مسقط/سلطنة عمان , حيث كان ضيف الشرف لأحدى الندوات الشعرية , كما تعرفت عن قرب على الكابتن والمدرب الرياضي المشهور (عمو بابا) حيث قضى عدة أشهر لتلقي العلاج على حساب الحكومة العمانية بعد أن تخلت عنه حكومة العراق , وبعد وفاته في الغربة , تم نصب تمثال تذكاري له كبطل قومي في العراق بعد وفاته ....
ولكن قلعة كركوك في آخر زيارة لي أصبحت أطلال يبكي عليها الدهر من الأهمال والنسيان , ولم يبقى فيها ألا عدد صغير من العوائل الفقيرة تسكن في مجمعات من بيوت عشوائية بدون خدمات , وأصبحت أطلال بعد أن هجر سكانها الأصليين للأسباب المذكورة أعلاه وأيضا للتوسع العمراني الى مناطق أخرى من كركوك وتوفر الخدمات كالماء والكهرباء وطرق السيارات .
أيضا عانت كركوك كمدينة التآخي من النزاعات الطائفية والمذهبية والأثنية والصراع الدائر بين الأكراد وسلطات كردستان العراق , مع الحكومة المركزية , لضم كركوك الغنية بآبار النفط ( بابا كركر) تحت سيطرتهم , أضافة الى ما يسمى (المناطق المتنازع عليها ) .
ولكن الضحية الكبرى نتيجة تلك الصراعات الأثنية والعرقية , ( وحتى قبل ما يسمى ظهور داعش على الساحة بقوة ) كانت الأقليات الأخرى التي تم تهجيرها أو هجرتها الأختيارية الى مناطق سواء في المناطق الكردية في أربيل/ عنكاوة , أو الى الخارج كلاجئين في الدول الأسكندنافية وأوروبا , وأمريكا . ولذا تم تفتيت ذلك النسيج المتجانس الذي كانت تنعم به في العهد الملكي , وأتذكر بمناسبة تتويج الملك فيصل الثاني سنة 1952 , تم أقامة حفل شعبي شمل جميع سكان كركوك ونزلنا من القلعة مشيا على الأقدام على أرضية نهر(الخاصة صو) الجرداء نحو محل الأحتفال بكرنفال شعبي لامثيل له في تاريخ كركوك , وفي هذا الحشد الضخم لم نشعر بالرهبة أو الخوف لوجودنا بين الغرباء , نتيجة الروح الوطنية والشعور الجمعي الأحتفالي بتلك المناسبة .
لقد أزال هذا الجمع الغفير رهبة المشي ليلا( وخاصة نحن الصغار) , على أرضية النهر الذي كنا نتفاداه سابقا خوفا من الكلاب السائبة ومرض داء الكلب , وغيرها من الحيوانات والطيور البرية
وخلال العطلة الصيفية , كنت أقضي الوقت في عنكاوة , التي كانت قرية صغيرة تحولت بعدها الى ناحية والآن تحولت الى مدينة عامرة كأمتداد لمدينة أربيل ( عاصمة كردستان العراق) , وأيضا كنت في صغري أقضي بعض الوقت في ( حرير وباتاس) وهي قرية بين الجبال في الطريق الى زاخو حيث كان عمي مسؤول دائرة الغابات الحكومية هناك , حيث كانت المنطقة غنية بلأشجار المثمرة والمياه والجداول التي تنساب من بين صخور الجبال , وكان الكثير من سكانها من الآثوريين والبقية من الأكراد , وكان المطران ذو نفوذ قوي وسلطة تشمل الجميع , ويقال بأن الأكراد أيضا كانوا يحلفون بأسمه لما يكنون له من الأحترام والتقدير, وفي أحدى المرات كنا الصغار نسبح ونمرح في مياه الجداول , وفجأة ظهر موكب المطران من بعيد , فما كان منا سوى الفرار نصف عراة وتركنا ملابسنا وهربنا خوفا من تلك الرهبة التي كان المطران يشعها في القلوب . وفي طريقي الى زاخو وأبراهيم الخليل للسفرالبري الى تركيا , مررت بحرير وباتاس , ولكن لم يبقى فيها غابات ولا للآثوريين ولا للمطران أثر ولا ذكرى , ولاهم يحزنون ..
.لقد ذهبت تلك الأيام الى غير رجعة ويبدو أن معظم من عاصرتهم في القلعة قد رحلوا الى رحمة ربهم , لأنني أتوقع بعض الردود وزيادة بعض الذكريات من هؤلاء الذين لايزالون على قيد الحياة , وأنني ذكرت أحداث معينة لأحياء تلك الذكرى لديهم ولو بصورة عشوائية , ولكن أرجو أن تكون ذكرياتي مفيدة لألقاء الضوء على بعض نواحي الحياة في تلك الحقبة وخاصة قلعة كركوك العزيزة على قلبي بالرغم من أنني لم أتمكن من التعرف على موقع البيت الذي ولدت فيه بالرغم من حساب الخطوات بالمشي على الأرض أبتداءا من مدخل المسجد ( والذي أرجو أن يكون قد أحتفظ بأسمه الحقيقي / مسجد دانيال بيغمبار/ مسجد النبي دانيال حتى سنة 1984 ) . (وعلمت الآن بأن أسم المسجد في العهد الجديد قد تغير بعد أسلمته كغيره من نواحي الحياة ) . ولقد ذهبت محاولاتي سدى , دون أن أجد أثر لذلك البيت . ولكن الذكريات لايمكن محوها بحلوها ومرها , ولكن مرها حلو لأنه حدث ونحن في مراحل الطفولة البريئة وأيام الصبا الجميلة .
تحية الى كركوك وأهاليها . وحبذا لو حصلت على نصيبها من الأستقرار والأعمار والأزدهار الذي تنعم به أربيل والسليمانية ودهوك وتنعم بلأمن والسلام الذي تستحقه .

  

وهذه الصورغير الواضحة , و التي تم ألتقاطها بفيلم فوتوغرافي وغسيل من أحدى محلات التصوير في آخر زيارتي لها سنة 1984 .

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

423 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع