الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - ذكريات شخصية لرحلتي الى بريطانيا كطالب بعثة ١٩٦٢

ذكريات شخصية لرحلتي الى بريطانيا كطالب بعثة ١٩٦٢

                                           

                   المعماري أيوب عيسى أوغنا
                 خبير ومحكم دولي وخليجي معتمد

ذكريات شخصية لرحلتي الى بريطانيا كطالب بعثة ١٩٦٢

لقد سبق وأن كتبت عدة أجزاء عن ذكرياتي في قلعة كركوك ( أربعينيات وخمسينيات ) و عنكاوة القديمة ( خمسنيات و ستينيات ) , على صفحات الحوار المتمدن و عنكاوة دوت كوم , وموجودة على الأنترنيت .

بدأت أشعر بالنوستالجيا والحنين لأيام الصبا و الشباب , وفي كتابة هكذا ذكريات أحاول ليس فقط أستعادة تلك الأحداث وأنما محاولة العيش والأنغماس في ثناياها من جديد وتنشيط الذاكرة كرياضة لصحة الدماغ .
أنهيت المرحلة الأبتدائية من تعليمي في مدرسة الطاهرة للبنين في قلعة كركوك , وبعدها الصف الخامس و السادس في مدرسة الخالدية للبنين في القورية , والمتوسطة في مدرسة الثانوية للبنين , والصف الرابع أعدادي في كركوك أما الصف الخامس الأعدادي ألتحقت بالمدرسة الأعدادية الشرقية للبنين في الكرادة بغداد , بعد أن أنتقلنا من شارع ألماس في كركوك الى تل محمد في بغداد , وكانت الفكرة الحصول على معدل عالي في الصف الخامس النهائي للحصول على البعثة العلمية من الحكومة , وهكذا كانت النتيجة بمعدل 87% في البكالوريا ( المركز الثالث في المدرسة) , أهلني للحصول على البعثة لدراسة الهندسة المعمارية ( 7 سنوات بينما كانت الفروع الهندسية الأخرى 5 سنوات ) , ونتيجة لمواهبي في الرسم التي تم أختبارها أثناء المقابلة تم قبولي في ذلك الفرع حيث رسمت أعضاء اللجنة وهم جالسين خلف الطاولة . وكان ذلك في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم , في شهر حزيران 1962
لقد كانت فرحتي عارمة لنيل تلك الفرصة التي كانت والدتي العزيزة تذكرني بها منذ مرحلة الثانوية , وهكذا تحققت أمنياتها , ولقد كانت تذكرني بتفوق جوزيف كوندا ( أحد أقاربنا) كمثال أحتذي به وكان يحصل على العفو في الأمتحانات وهكذا كنت أنا أيضا وخاصة في مرحلة الأبتدائية التي كان يعمل بهذا النظام القديم .
وبعد أن أنهيت متطلبات وشروط البعثة , ومنها الكفالة المالية لضمان أكمال الدراسة و الرجوع الى العراق ولقد قام أحد أعمامي المرحوم بويا قاقوز أوغنا كونه تاجر معروف و من أكبر ملاك الأراضي الزراعية في عنكاوة , بتقديم الضمان المطلوب لثقته العالية بي كطالب تفوق في جميع مراحل دراسته , وهكذا أقترب موعد السفر , وأن كان الفراق مؤلما مع أفراد عائلتي وأقاربي و أصدقائي , وأنا أستقل طائرة الخطوط الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1962, ولم تسنح لي الفرصة سابقا لرؤية الطائرة من قريب ولأول مرة , عدا رؤيتها تطير في السماء كالطيور , ولابد أن أذكر حادثة مروعة لسقوط طائرة صغيرة ذات محرك واحد (من طائرات الحرب العالمية الأولى) , على الأشجار في الحديقة بالقرب من نادي الضباط في كركوك , التي كنت أذهب أليها للدراسة في الظل تحت الأشجار قبيل الأمتحانات , في منتصف خمسينات القرن الماضي , ولا أزال أتذكر رؤية الطيار عن قريب وبوضوح بنظارته من الريح لأنها كانت مكشوفة وهو يلوح ويصيح بنا للهروب بعد عدة محاولات يحوم فوق تلك الأشجار للسقوط فوقها لتخفيف ذلك الأصطدام الوشيك وأنقاذ نفسه من الهلاك لو سقط على الأرض , ولا أدري مصيره , لأن الطيارة بقت معلقة على تلك الأغصان لأسابيع عديدة , ولم نكن من قراء الصحف المحلية لأنها لم تكن موجودة أصلا عدا الصحف والأذاعة الرسمية من بغداد . تذكرت تلك الحادثة لأن طائرة الخطوط الجوية العراقية كانت أيضا أبو البروانة ( قبل الطائرات الحديثة النفاثة) , ونظرا لبعد لندن من بغداد , كانت الرحلة على مراحل حيث نزلنا في مطار أسطنبول وبعد عدة ساعات ترانزيت حلقت بنا الطائرة الى مطار آخر في هولندا وهكذا , وفي تلك المطارات كنت أرسل بطاقات سفر منها بالبريد الى الأهل وكأننا نقوم بزيارة تلك البلدان بسفرات سياحية , هكذا كانت فرحتنا بحيث أصبح وجهنا ملتصقا لنافذة الطائرة و نحن نحدق الى المشاهد والمناظر الخلابة وخاصة وأن تلك الطائرات كانت تحلق في علو منخفض يمكن مشاهدتها بوضوح وبالعين المجردة , ونحن نطير داخل الغيوم ونصادف سقوط المطر وحتى وميض البرق على الطائرة وأن شعرنا ببعض الخوف لأن ضربات البرق على الأرض كانت تؤدي الى الهلاك أنسانا أم حيونا أو شجرة .
فرحلة يوم كامل مرت بسرعة ونحن طلبة البعثات في رحلة العمر الى تلك البلدان الأوروبية التي كانت أسماء على الخريطة ونحن نقراؤها في كتبنا المدرسية , وها نحن نحلق فوقها , ويتم أستقبالنا في مطاراتها ولا ننسى أبتسامة وأستقبال ضباط الأمن وخاصة الجنس اللطيف جدا لتلك الفتيات , وكأننا شخصيات مهمة ( في آي بي) , وتم تقديم بعض السندويجات و المشروبات الغازية من قبل مضيفة الطيران الجميلة التي جلست بجانب صديقي نزار عثمان أحمد ( والده كان رئيس الصحة و والدته مصلاوية , وعمه من كبار آغوات أربيل ) وتذكرته من أيام مدرسة

(2)
لخالدية الأبتدائية وكان بيتهم على رأس الشارع بالقرب من المدرسة وكنت أرغب بجلوسها بجانبي لكن لكل شيء قسمة ونصيب وكما يقول المثل العراقي :- خيرها بغيرها
في مطار هيثرو في لندن أنتظرنا على رصيف المطارللتعرف على حقائبنا , وكان أستغرابي قيام حمالين أنكليز بيض (وليس بريطانيين هنود أو باكستانيين ) لحمل الحقائب وهم يمشون خلفنا وهم يبتسمون ( لم تكن أيامها عربات لنقلها مباشرة من الطائرة ) , وهذه مفاجأة لم أحلم بها , لأننا في شركة نفط العراق ( آي بي سي) حتى رؤية الأنكليز في الشركة كانت غير مألوفة ألا لكبار الموظفين ( الستاف) , وعندما أعطيته بقشيش صغير شكرني بحرارة , هكذا كان الترحيب بنا ونحن لا نصدق حظنا وبرهبة ما ينتظرنا من أحداث ومعظم المسافرين كانوا طلاب البعثات , وتم نقلنا الى فندق في قلب العاصمة على حساب السفارة العراقية لثلاثة أيام قبل أن يتم توزيعنا على الكليات في أنحاء بريطانيا , وتم نقلنا الى فندق في شارع أوكسفورد قلب العاصمة لندن , وفي مساء ذلك اليوم في المطعم تعرفت على أول فتاة جلست بجانبي وكانت سوداء من جزر البهاماس ويبدو أنها أيضا كانت في أول زيارة لها الى لندن , وبلغتي الأنكليزية المكسرة بدأت أفهم ما تقوله وبلهجة لم أسمعها من قبل بأنها مع والديها وأن والدها كابتن فريق الكريكيت للمشاركة في مباريات دولية , وبدأت تنظر ألي وأبتسمت كرد لنظراتها وتعارفنا بمصافحة اليد , وأبديت أهتمامي بها لأنني سبق وأن قرأت عن نضال السود في أفريقيا للتخلص من الأستعمار الأجنبي , وخاصة الكونغو الغنية بنلموارد الطبيعية و مناجم الذهب و الألماس وكانت أول دولة تحصل على أستقلالها في القارة الأفريقية من الأستعمار البلجيكي ومحاولة أول رئيس أفريقي باتريس لومومبا الرقص مع زوجة الحاكم البلجيكي في حفل تنصيبه وكان هذا حدث بارز في الصحافة لم يسبقه مثيل , لذا بدأت أهتم وأتعاطف مع القضايا الأفريقية و خاصة نضال الشعب الجزائري للأستقلال من فرنسا والذي ألهب مشاعرنا و حماسنا , ولقد كتبت عنه في أحد الأسئلة في أمتحان البكالوريا للغة العربية . لذا كان شعورنا مشترك للتعارف وأنا شاب في عمر 17 سنة وربما هي أيضا .وتبادلنا في نهاية الأمسية القبل ولكن كبقية الأفريقيين كانت شفايفها سميكة وأسنانها تمنعني من الوصول الى لسانها , وبعد عدة محاولات بدأت شفايفي بالتورم من جراء تصادمها مع تلك الأسنان البيضاء التي كانت تقف لي بالمرصاد كلما حاولت الضغط على فمها , وفي اليوم الثاني دعتني لمقابلة والديها ودعوني لمشاهدة فيلم سينمائي غنائي , ولم أتردد بالقبول وأبداء الشكر وذهبنا الى السينما في ليستور سكوير بتاكسي لندن كاب أسود لأول مرة أيضا .
West Side Story , Musical, Starring . Natallie Wood. George Shakiris
وشعرت وكأنني في أعيش في حلم وفي عالم أفتراضي حدث لي فجأة وبدون مقدمات , والفرق الشاسع لما سبق من دور السينما التي كنت أتردد عليها سواء في سينما النجوم وسينما أطلس في كركوك أو سينما النصر في شارع السعدون في بغداد , وبعد الأستمتاع بروعة الفيلم وفي جو شاعري وأنا جالس بجنب صديقتي الأولى السوداء , وبعد أنتهاء العرض ذهبنا الى مطعم صيني فاخر في منطقة سوهو, وأكلت معهم أول وجبة طعام صيني في حياتي , وبدون شك حاولت الأكل بالطريقة الصينية ولكن بدون نجاح يذكر , وبعد نهاية الأمسية الرائعة قرروا الرجوع بالقطارعن طريق الأندر جراوند , وكانت أول تجربة لي كسابقاتها , وجلست بجانب أول صديقة لي في بريطانيا وأنا أمسك بيدها وكأننا أعز الأحبة , ولكن شعرت بأننا مركز الأهتمام والنظرات موجه لنا من بقية الأنكليز في القطار ومعضمها كانت أمتعاض وربما كان منظرا غريبا وغير مألوف لهم لرؤية فتى أبيض مع فتاة سوداء , وذكرني برقصة الرئيس الأسود لومومبا و زوجة الحاكم الأبيض البلجيكي في حفل تنصيبه كرئيس للكونغو , ويبدو أن الأنكليز أيضا في ذلك الوقت كانوا عنصريين كماضيهم وحاضرهم الأستعماري في أفريقيا السوداء , وفي اليوم الثالث قبل مغادرتنا للفندق , وبعد عناق وأحتضان وقبل عميقة بما يسمونها القبلة الفرنسية , لأول فتاة وأول علاقة غرامية ومباشرة بعد وصولي الى لندن تجربة لن أنساها أبدا , ودعوني لزيارتهم في ناسو عاصمة البهاماس في العطلة الصيفية , دون أن يعلموا بأنني كطالب بعثة على مخصصات مالية = 40 باون أسترليني شهريا للمعيشة والسكن وحتى الكتب واللوازم المدرسية , وأن جوازي العراقي لايسمح لي حتى بالخروج خارج بريطانيا , هكذا كانت كتجربة غنية شعرت بأنني في قمة السعادة و الحرية الشخصية وخاصة وأنني لم أخرج خارج العراق بعيدا عن أهلي كبقية طلاب البعثة ونترقب بقلق وخوف لما ينتظرنا من أحداث وتجارب مثيرة و مسؤوليات جسيمة لأثبات بأننا جديرون بأجتياز وبنجاح تلك الفرصة الرائعة لحياة جديدة لنا في بريطانيا والرجوع مرفوعي الرأس الى بلدنا و نكون مفخرة لأهلنا وأصدقاؤنا , ونخدم بالمقابل بلدنا بمؤهلاتنا وخبراتنا الجديدة .
(3)
وأجتمعنا في مكتب السفير العراقي , وتم أعلان الأسماء و الكليات , وكان نصيبي كلية ستريتفورد , وفرحت بلأسم لأنه ذكرني بمدينة شكسبير ولكن بعد الأستفسار تبين أن ستريتفورد ليست ستراتفورد أون أفين ولا أحد كان له علم بموقع الكلية على
Stretford (Technical College) , not Stratford on Avon
الخريطة , وشعرنا جميعنا بأحباط شديد عندما علمنا بأننا سندرس سنتين ( جي سي ئي) في الكلية و حسب نتائج الأي ليفيل سيتم قبولنا في الجامعات من عدمه , لأننا كنا نظن بأننا سوف ندرس سنة واحدة لغة قبل الألتحاق بدون أمتحانات تمهيدية أخرى بالجامعة , وكما كان خريجي البكالوريا في العراق يدخلون الجامعة في العراق مباشرة . وهكذا تم وضعي مع أحد الطلبة الأكراد من السليمانية في القطار الى مقرنا المجهول بواسطة موظف من بريتيش كاونسل , وبدأ صديق دربي سرتيب نوري , بالبكاء خوفا من أن يكون مقر أقامتنا في قرية نائية تزيد من شعورنا بالغربة بين الأنكليز وخاصة وأن لغتنا الأنكليزية أقتصرت على بعض الجمل دون أن نفهم ما يقال لنا أثناء المحادثة وبالرغم من ذلك الشعور و القلق على مصيرنا , بدأنا نستمتع بمناظر الريف الأنكليزي و المساحات الشاسعة للبساط الأخضرللبساتين و الحقول و الأنهار والبحيرات والبيوت ذو السطوح المائلة في البلدات الصغيرة من نافذة القطار مناظر لم نتعود على مشاهدتها , وبعد مرورساعات طويلة توقف القطار في عدة محطات و في نهاية الرحلة طلب منا النزول مع حقائبنا في مدينة مانجستر في نهاية الرحلة , وكان بأنتظارنا موظف من البريتيش كاونسل الذي أخذنا الى سكن للطلبة الأجانب في أحدى نواحي المدينة وقد ألتحق بنا طالب آخر وصديق الدراسة , عاطف من الأعدادية الشرقية في بغداد , وبدأ سرتيب يشعر بالطمأنينة و خاصة وأن عمه جمال كان يدرس في المدينة نفسها , وبعد أن أتصل به هاتفيا حضر ألينا بسرعة البرق مع صديق كردي آخر معه ( بختيار) , وبدون مقدمات طلبوا منا حمل حقائبنا وترك السكن للبقاء معهم في شقتهم في المدينة ( أنا وسرتيب ) , بعد أن أبلغونا بأن ستريتفورد هي أحدى ضواحي مانجستر وليست قرية نائية كما تصورنا , وهكذا زال عنا الشعور بالمصير المجهول وكانت فرحة سرتيب للقاء عمه لايمكن وصفها بعد القلق الذي أنتابه في القطار , وأصبحنا بين طلاب يتكلمون العربية وكأننا في بغداد بين الأهل دون الشعور بالغربة . كانت الشقة المؤثثة يشارك فيها أربعة طلاب عراقيين في مختلف مراحل دراستهم وكان الأثنين الآخرين ( عادل وغسان) وهم يدرسون على حسابهم الخاص و يعملون ليلا في أحدى نوادي الرقص وتسمى ( الديسكو) للحصول على أيراد أضافي لتخفيف العبأ على عوائلهم في نفقات الدراسة و المعيشة .
وصادف ذلك اليوم بحلول عيد الميلاد لأحدهم ( عادل) , ولذا كانوا منهمكين في ترتيب حفلة للأحتفال بتلك المناسبة وما أن حل الليل بدأ المدعووين من الطلبة العراقيين وصديقاتهم ( وعدد آخر من الفتيات من معارفهم في النادي الليلي) بالحضور يحملون قناني البيرة و الخمور والهدايا للمشاركة في الحفلة . وبدأت الموسيقى الراقصة من مسجل الصوت و الأسطوانات وجلسنا أنا و سرتيب في الزاوية نراقب ما يجري حولنا لا نصدق أعيننا من مشاهد لم نراها حتى في أفلام راقصة لهوليوود . وبالرغم من كل ذلك بقينا جالسين مسمرين على مقاعدنا دون أن نجرأ على المشاركة عدا في ترديد بضعة كلمات مع أحدى الفتيات وكانوا أكبر منا عدة سنوات وأنا لم أتجاوز 18 سنة , لذا كنت غير جاهزللتعامل مع هكذا فتيات وظلينا جالسين بدون شراب طيلة الوقت وأستمرت الحفلة الى ساعات الفجر. وأثناء ذلك كان عادل يصطحب أحدى تلك الفتيات أكثر من مرة الى خارج الغرفة ويعود بعد فترة ونحن نتساؤل سر غيابهما ومن المؤكد بأنهم لم يتصفحوا صور ألبوم العائلة ولم نكن ساذجين الى تلك الدرجة ولكن بالرغم من ذلك لم نتصور أن العملية الجنسية تتم بتلك السهولة دون أن تثير أنتباه الآخرين وكأنه شيء روتيني مألوف لديهم .
هكذا كانت البداية والخطوة الأولى في رحلة الألف ميل . أما الخطوة الثانية فكانت متميزة بكل المقاييس , في الليلة الثانية تمت دعوتنا لمصاحبتهم الى النادي الليلي الذي يعملون فيه ( نادي جايز أند دولز= شبان وشابات) , وكان
Guys& Dolls, Night Club/Disco
الرياضي الضخم عادل حارس الأمن على البوابة والثاني غسان في الأستقبال , وطبعا كان دخولنا مجانا , ولأول مرة ندخل نادي الرقص وبعد فترة قصيرة من أستكشاف المكان , و وجود عدد كبير من الفتيات لأن أيام الأربعاء كان دخول الفتيات فيها مجانا , وهكذا تشجعنا للمشاركة في الرقص بعد بعض التردد , ونحن نحاول تقليد ما يجري حولنا من حركات الرقصة الجديدة التويست , التي كانت أسهل علينا تقليدها , وليس الروك أند رول المثيرة الخاصة بمحترفين فقط . وأن معظم الفتيات كانوا في أعمار مناسبة بين 17 و 20 سنة , وكانوا يحبذون شبان الشرق
(4)
أوسطيين وخاصة العرب و الأيرانيين على الأنكليز , ولم نتمكن من طلب مواعيد لأننا لانملك سكن أو شقة و لم تكن لدينا الخبرة في هكذا مواعيد مع الفتيات ولا لغة الحديث لأستمالتهم لقبول هكذا دعوة وبدلا من الكلام بلغة لا أجيدها , كان الأفضل لي التكلم بلغة الشفاه في تبادل القبل مع أحدى الفتيات ألتقت نظراتنا بالبعض الآخر ( وكما غنت جارة الوادي , فيروز :- وتعطلت لغة الكلام وخاطبت عيناي بلغة الهوى عيناها ) . وخاصة وأنني حصلت على خبرة سابقة مع فتاة سوداء من جزر البهاماس ألتقيت بها في أول يوم وصولنا الى الفندق في لندن , ولقد ذكرت تفاصيلها أعلاه ولكن هذه القبل كانت أعمق ( وتسمى بحق القبلة الفرنسية بكل معانيها ) دون أن تتأثر شفتاي كثيرا من أسنانها كما حدث مع سابقتها , وخاصة وأنني لم ألتقي بفتاة شقراء وبيضاء كالثلج بعيون زرقاء من قبل ويبدو أنها أيضا كانت حديثة العهد بالخروج الى صالات الرقص و الديسكو ولم تهتم كثيرا بالرقص عدا الحضن والقبلات ويبدو أنها أيضا لم تلتقي بشاب أجنبي مثلي .
ولكن الأمر هكذا لم يستمر طويلا بعد أن حصلنا على شقة سكنية وتعلمنا التنقل بالباصات , ولولاهم لما تمكنا من التأقلم بتلك السرعة وبدأنا نذهب الى نوادي أخرى وخاصة نادي ليلي جديد ( الكهف = لاكاف بالفرنسية ) الذي أفتتحه طلبة أيرانيين لأن عدد كبير من الطلاب الأيرانيين كالعراقيين كانوا يدرسون في جامعة مانجستر وكذلك في نفس الكلية ستريتفورد وهكذا قطعنا شوطا طويلا في تلك الرحلة بسرعة كبيرة !!..
بدون شك أثرت تلك الحياة الصاخبة على تحصيلنا العلمي و نتائج الأمتحانات , فكاك جمال تم فصله من الجامعة بعد الرسوب في أعادة السنة و تزوج من فتاة يهودية تعمل في أحدى نوادي القمار ( التي أيضا كان يتردد عليها عدد من الطلبة ) و بعد عدة سنوات فتحوا متجر للمواد الغذائية الشرق أوسطية ( دلي كاتيسون ) و غسان قرر الرجوع الى العراق ويلتحق في جامعة بغداد و التي فصل منها أيضا لعملية مخلة بالشرف تم رصده مع أحدى الطالبات في الجامعة , وعادل أيضا رأيته يعمل في صيدلية في شارع السعدون أثناء زيارتي الوحيدة للعراق للتحضير على أطروحة البيوت التقليدية في بغداد , حتى أن طالب معنا في الكلية , تفوق على طلبة العراق في البكالوريا وطالب بعثة لدراسة المحاسبة القانونية كانت نهايته مفجعة بقدومه على الأنتحار , عندما لم يحصل على نتائج تؤهله للقبول في الجامعة , أما صديقي العزيز كاك سرتيب بالرغم من قابليته الفذة في الرياضيات حيث حصل على أي ليفيل رياضيات في أمتحانات السنة الأولى , ولكن في السنة الثانية لم يحصل على نتائج عالية ليتم قبوله في أحدى الجامعات لدراسة الهندسة المعمارية , فكانت نتيجته حالة من الجنون لم يتمكن من أجتيازها بالرغم من أن والدته جائت من العراق لتدير شؤونه و الأعتناء به و تم حجزه بمستشفى المجانين بعد أن حاول قتل والدته . يا حيف على ذلك الشاب الوسيم الذي كان ينافسني للحصول على أجمل الفتيات , و لتلك النهاية المأساوية , وعندما علمت بذلك من عمه جمال , سافرت من ليفربول الى مانجستر وتمكن من التعرف علي أثناء أحدى زياراتي له في المستشفى وخاصة تذكيره ببعض الأحداث المضحكة مع صديق مقرب له أيراني قصير القامة , وكنا نسميهم في الكلية دونكيشوت و صديقه الساذج سانشو , لأن سرتيب كان طويل القامة نحيفا البنية , ولذا شجعتني الممرضة على المجيء مرة أخرى , ولكنه كان فيها شخصا منطويا على ذاته , وسمعت بأنه خرج من المستشفى و حصل على ديبلوما في الهندسة الميكانيكية من أحدى الكليات و المؤكد خسارته البعثة لدراسة الهندسة المعمارية , وأنقطعت عني أخباره . أما أنا , فبالرغم من حصولي على 4 أي ليفيل ( بدلا من 3 للتقديم للجامعة ) فكانت بنتائج واطئة
4 A level, one E , Two D , one B ( Arabic)
وهي :- واحد ئي و2 دي والرابع بي في اللغة العربية ( لأنني كنت متفوقا فيها في جميع مراحل دراستي ) , وتم رفضي للجامعات التي تقدمت أليها , وسجلت لأعادة السنة مضطرا في نفس الكلية , ولكن في آخر محاولة قررت الذهاب الى جامعة ليفربول لأجرب حظي بدون موعد أو طلب مقابلة , مع أن القسم المعماري فيها يعتبر الأول في بريطانيا , وفي المقابلة كنت محظوظا لوجود أستاذ مصري ضمن لجنة القبول الذي شرح لهم بأن اللغة العربية تتضمن الترجمة والأدب الأنكليزي والعربي وأنه هو شخصيا وجد صعوبة بالنجاح فيها . وتم قبولي بأعجوبة ونظرا لأن الدراسة كانت قد بدأت منذ أسبوع واحد , فتم قبولي وأرسالي للألتحاق في الصف بعد المقابلة مباشرة على أن أكمل معاملات التسجيل في فترة الأستراحة , ورحب بي صديقي نزار عثمان أحمد , الذي أنهى دراسة (الجي سي ئي) في لندن وطالب آخر سمر الكيلاني ( حفيد رشيد عالي الكيلاني رئيس وزراء العراق والمعروف بحركته الأنقلابية في أربعينيات القرن الماضي) 

(5)
في جامعة ليفربول ألتقيت بصديق تركماني / مصطفى كمال من أيام الثانوية في كركوك , ودرس أيضا في مدرسة الطاهرة الأبتدائية في القلعة , حيث كان منزلهم مقابل مسجد النبي دانيال ( دانيال بيغمبر) في الدربونة الى الكنيسة وأستغرب لتعرفي عليه بعد تلك الفترة , وأيضا طالب كردي آخرمن السليمانية يدرس الهندسة المدنية لطيف رشيد (وزير الري السابق و مرشح رئاسة الجمهورية عن حزب الأتحاد الكردستاني ) , وكنت أعتبر نفسي كردي مع الأكراد وعربي مع العراقيين , فأصبحنا عدد 3 أكراد ننتمي الى جمعية الطلبة الأكراد فرع ليفربول , وكان أحد الحركيين النشطاء في الحركة الكردية المدعو دارا يأتي من لندن كل بضعة أشهر و يجتمع معنا ونسمع عنه أهم المستجدات في الحركة الكردية المسلحة في شمال العراق وخاصة عن وعود حزب البعث لأعطاؤهم الحكم الذاتي و أنهاء النزاع المسلح . وأيضا كنت عضو في جمعية الطلبة العراقيين والتي كانت منافسة لمثيلتها البعثية .
ولقد أنهيت بصعوبة دراستي الجامعية و سبق وأن ذكرت على صفحتي في الفيسبوك عن بعض تلك الأحداث ولا داعي لتكرارها مرة ثانية , وبعد حصولي على شهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية 1970  
BArch. Liverpool, MSc. University College, Bartlett School of Architecture , London
, تم قبولي لدراسة الماجستير في جامعة لندن ( يونيفيرسيتي كوليج) 1972 , وبعدها حصلت على عضوية الجمعية
A.R.B.A, Associate of Royal Institute of British Architects
الملكية للمهندسين المعماريين في بريطانيا 1973 , وبدونها لايمكن الحصول على لقب مهندس معماري في بريطانيا , وحصلت على وظيفة في حكومة لندن المحلية (ويست منيستر ) في قلب لندن , وبعد عدة أشهر من العمل في وظيفة مملة , رأيت أحدى الأعلانات في صحيفة التايمز اللندنية عن وجود طلب في شركة عالمية للمقاولات ( تايلر وودرو, المعروفة باللوجو 4 أشخاص يجرون الحبل) لمهندس معماري في الشرق الأوسط , فقدمت طلبي على الفور , ونظرا لمؤهلاتي الأكاديمية و كوني عربي اللغة , تم قبولي بعد أن علمت بأن البلد هو سلطنة عمان , وبالرغم من كون البلد غير معروف لدي , قبلت الوظيفة برحابة صدر وخاصة أني كنت متخوفا من بلد وحيد وهو العراق , نظرا للحكم الأستبدادي الرهيب لحزب البعث , ومنع السفر لأصحاب الكفاؤات بالرغم أني دفعت مبلغ كفالتي للبعثة للحكومة العراقية . وهكذا تركت لندن بعد عدة أشهر من العمل في مكتبها الرئيسي في أعداد التصاميم النهائية لبناء أول مدينة عصرية في مسقط , في عهد السلطان قابوس بن سعيد آل سعيد , وكان قد أستلم الحكم يوم 23 يوليو سنة 1970 من والده بأنقلاب داخل القصر , وخاصة وأن البلد كان يسمى مسقط وعمان , يعيش تحت حكم السلطان سعيد بما يشبه القرون الوسطى بالرغم من أكتشاف النفط في عهده قبلها بعدة سنوات , وكان التعليم مقتصرا للمرحلة الأبتدائية في مدرسة واحدة في مسقط و أخرى في صلالة , وكان بعض أفراد الأسرة الحاكمة يذهبون الى بغداد للدراسة في المدارس الثانوية , وحتى أن السلطان سعيد نفسه ألتحق في شبابه بمدرسة الثانوية المركزية سنة 1923 وكان البلد يفتقر الى الخدمات الأساسية من الكهرباء و الماء عدا مياه الآبار , لذا فأن أول بيت حديث تم أكماله في المشروع , بخدمات الماء و الكهرباء و المجاري , تم أفتتاحه بأحتفال كبير ولأزاحة الستار للحجر الأساس لمدينة سميت تيمنا بأسم السلطان ( مدينة قابوس) في أول أحتفال رسمي للعيد الوطني ( الثالث) في 18 نوفمبر 1973 , وهو يوم عيد ميلاد جلالته . وتجدر الأشارة بأن أول طائرة نفاثة للخطوط الجوية البريطانية التي كنت أحد ركابها , نزلت الى مدرج المطار الجديد ( مطار مجان الدولي) قبل أن يكتمل , ونزل الركاب وهم يحملون حقائبهم وتم أستقبالهم وختم جوازاتهم للدخول , في خيمة على أرض المطار لأن مباني المطار لم تكتمل بعد, وحصلت الشركة على عدة مشاريع , ومنها التوسيعات و الترميمات لقصر الحصن القديم في صلالة في ظفار في المنطقة الجنوبية , وكنت أذهب الى صلالة بواسطة طائرة صغيرة تابعة للسلاح الجوي العماني , وكانت تحلق بمحاذات ساحل البحر , لأن متمردي ما يسمى الحركة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي , كانت تسيطر على معظم جبال ظفار , وكان المطار عبارة عن مدرج واحد ترابي قصير ويحدده عدد من البراميل وفي الليل كانت
(6)
مصابيح / فوانيس عادية يتم وضعها فوق البراميل لأضاؤة المدرج لهبوط الطائرة ( فولكر فرندشيب أبو بروانة واحدة) . هكذا كانت البداية , وبرغم كل ذلك شعرت بأنني بين أهلي وأقاربي , لأن العمانيين بطبيعتهم وترحيبهم بالأجنبي وخاصة كوني عراقي عربي , لم تتغير طبائعهم وعاداتهم و حافظوا على تراثهم وتقاليدهم عبر التاريخ . ولقد كانت عمان أمبراطورية بأسطول بحري تجاري ومستعمرات في ساحل أفريقيا الشرقية كزنجبار و في ساحل الهند الغربية كمنطقة جوادر , وأسطولها التجاري للسفن الشراعية وصلت الى الصين والولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر , وكان هذا في عهد السلطان سعيد الأول الذي وحد المملكة , ولكن بعد وفاته تخاصم أبنيه بين زنجبار و مسقط وأنفصلت دولة زنجبار عن عمان . وبدأ عهد الأنحطاط , عندما تمكن البرتغاليون على السيطرة على مسقط والساحل العماني لعدة قرون , قبل أن يتمكن العمانيون من طردهم في زمن اليعاربة , وكانت عمان التي تسمى ( مجان باللغة البابلية) حيث كانت القوارب من البردى تبحر الى عمان مرورا بجزيرة (دلمون ) البحرين , لأستيراد النحاس و الأحجار الستالكتايت و البخور/ اللبان ( الفرانكسنس) وحتى الأخشاب . لذا فأنني من أصل آرامي / كلداني / بابلي شعرت وكأنني أزور المناطق التي كان يتردد عليها أجدادي البابليين القدماء بقواربهم للتجارة . وفي عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد (يحفظه الله ويرعاه) , تحولت عمان الى بلد متحضر وفي مصاف الدول المتقدمة , وفيها عشرات الكليات و الجامعات الحكومية والخاصة .
وللحديث بقية ..
المعماري أيوب عيسى أوغنا
خبير ومحكم دولي وخليجي معتمد

  

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

558 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع