الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - ظاهرة الذات وما عداها

ظاهرة الذات وما عداها

                                                   

                          القس لوسيان جميل

ظاهرة الذات وما عداها

مقدمة المقال: عندما يقرأ احدنا اي مقال فلسفي عن الوجودية، سوف يجد هذا القارئ كيف يوجه كاتب المقال قراءه الى ان خلاصة الفلسفة الوجودية تقول: بأن الوجود يسبق الماهية، اي ان وجود الكائن البشري، يسبق تعريف هذا الكائن، على اساس ان التعريف ( الماهية ) يأتي بعد الوجود وليس قبله. ومن جهة اخرى يلفت الكاتب نظر القارئ الى ان الانسان يبني نفسه ( يبني وجوده ) بحرية، او بالأحرى من خلال سلسلة من الخيارات الحرة، دون الرجوع الى اية مرجعية سابقة لوجوده ولخياراته الحياتية، حيث يقول الوجوديون: لا يسبق الحرية غير الحرية، سواء كانت هذه المرجعية ايديولوجي مطلقة، او سلطة مدنية او دينية وغيرها. هذا، وإذا كانت البنيوية تعني البناء او البنيان، فالوجودية لا تنبذ وجود هذا البنيان، لكنها ترى ان هذا البنيان ليس غير حصيلة خيارات حرة وضعها الانسان، لبناء ذاته بحرية. ولذلك ساد القول في الوجودية، بأن الانسان " مشروع " يبنيه الانسان بحريته التي تسبق اي عمل آخر. 

البنيوية تحسم الجدل: غير ان البنيوية تحسم الجدل الفلسفي الدائر بين الوجوديين وبين الفلاسفة الذين لا يؤيدون فلسفتهم، ومنهم البنيويون. فالوجودية تعد الانسان مشروعا يبنيه الانسان بنفسه، من خلال اعمال حرة يقوم بها. في حين ترى البنيوية ان الانسان مشروع ايضا، لكن هذا المشروع لا يأتي من الصفر، وإنما يأتي على شكل هيكل ينتظر صاحبه ان يكمل بناءه على ثلاثة اسس رئيسية، منها ما استلمه صاحبه من جينات وراثية تحتاج الى ان تتطور وتكتمل، كما يعتمد على تربية البيئة والمجتمع، لتساهم في اكمال هذا الهيكل، وأخيرا يأتي مجهود الانسان الشخصي، الذي يستغل كل ما وصلت اليه حالة الهيكل، فيضع لمساته، لا اقول الأخيرة، بل المتواصلة، وحتى الممات، في جعل ذلك الهيكل بالصورة التي استطاع صاحبه ان يصل اليها.
رأينا الشخصي: اما رأينا الشخصي، فليس ضد الوجودية بشكل كامل، بل نرى فقط ان الوجودية تبالغ كثيرا عندما تحسب ان الانسان يبني نفسه بنفسه، من خلال اعمال وخيارات حرة يقوم بها. فنحن نؤمن بحرية الانسان فعلا، مثلما تؤمن بها الوجودية، لكننا نعرف ايضا، من خلال علم الحياة La biologie ان الانسان لا يولد لوحا اجرد Tabula Rasa كما يقول بعض الفلاسفة. فعلم الأحياء والبنيوية المبنية على هذا العلم، وعلى غيره، ترينا ان الطفل الذي يولد، ليس مجرد لحم وعظم لكي يضيف اليه المجتمع ما يريده بحريته. فالطفل حسب مفهوم البنيوية السائد في كل مناحي حياة الانسان وأبعادها، يأتي وهو مزود بكل القوى والقوانين التي ستعمل على تنمية هذا الطفل، ليس بشكل عشوائي، بل استنادا الى امكانيات كامنة في هذا الطفل، لا يعمل المجتمع غير اظهارها ومجيئها الى الوجود الفعلي Etre en acte في حين كان هذا الوجود وجودا بالقدرة او بالإمكانية Etre en puissance، كما تقول الفلسفة الأرسطية. ولهذا نقول: ترى الا تدل هذه الحقائق التي تم سردها على وجود الماهية قبل الوجود، وليس عكس ذلك؟
بلغة اخرى: اما بلغة أخرى، تمزج بين الفلسفة وعلم الحياة، فنقول ان الانسان، منذ ان يصير جنينا في بطن امه، يكون هذا الجنين انسانا كاملا بالقدرة En puissance، اي يكون الانسان الكامل " كامنا " في هذا الجنين. وهنا يسرني ان اذكر، اني في يوم من الأيام، ومنذ زمن بعيد جدا، راقبت تطور جنين الدجاجة داخل البيضة، عن طريق مصباح كهربائي موضوع داخل صندوق كارتوني، فيه فتحة صغير في اعلاه، لكي توضع البيضة المراد مراقبتها فوق الثقب الذي يرسل ضوء المصباح الى البيضة مباشرة، لكي يتمكن المراقب ان يفحص البيضة يوميا وبسهولة، من ثاني يوم توضع البيضة في المفرخة، حتى بضعة ايام ما قبل النقف وخروج صوصي الدجاجة الى الحياة الطبيعية.
ماذا وجدت بعد تلك المعاينة: فماذا وجدت جراء تلك المعاينة يا ترى؟ ان ما وجدته في اليوم الثاني من تاريخ وضع تلك البيضة في المفرخة، هو بقعة صغيرة حمراء، تدل على ان عملية تطور الجنين كانت قد ابتدأت فعلا. اما في اليوم الثالث فرأيت بعض التشعبات الخيطية الحمراء، مما يدل على ان الجنين كان بصحة جيدة وهو يخرج امكانياته الى الوجود الفعلي بالتدريج. ثم ما بعد ذلك كانت قد بدأت الخيوط الحمراء تتشعب حتى ملأت البيضة تقريبا. ثم ازدادت التشعبات يوما بعد آخر، حتى بدأت البيضة تكون اقل شفافية مما كانت في السابق. وأخيرا كانت البيضة قد صارت معتمة تماما، مما يدل على ان الصوصي داخل البيضة كان قد اكتسى باللحم والعظام وبالريش ايضا، مما كان قد جعل البيضة معتمة. ثم بدأ النقف في نهاية اليوم العشرين، واستمر يوما كاملا حتى خرجت جميع افراخ المفرخة، الى الحياة الطبيعية، تأكـل وتشرب، وتنموا يومـا بعد آخر، من حيث حجمها وتطورها نحو الدجاجة الكاملة.
هذا التطور يحدث للإنسان ايضا:علما بأن ما حصل لجنين الدجاجة، يحصل بشكل تماثلي لجنين الانسان ايضا، منذ ايام تكوينه الجنيني الأولى وحتى خروجه للحياة انسانا صغيرا، ذكرا او انثى، تكمن فيه كل القوى التي تجعل منه يوما بعد آخر، انسانا اكمل، كونه يوما بعد يوم يخرج قواه الكامنة En puissance الى الوجود الفعلي، حسب البرمجة الجينية التي يستلمها الطفل من والديه، والتي يأتي قسم منها الى الوجود الفعلي، في مرحلة وجوده في الرحم، حتى يخرج من الرحم انسانا سويا، يستطيع ان يُخرج الى الوجود الفعلي، سائر امكاناته الأخرى الكامنة فيه،وعلى جميع المستويات الجسدية الحياتية ( البيولوجية ) والروحية والنفسية والتي تتعلق بأشكال المعرفة الانسانية المتنوعة.
بعد مراحل الولادة: من المعروف ان علماء الحياة وعلماء النفس و الأنثروبولوجيون، يقسمون مراحل اكتمال الانسان منذ ولادته وحتى وفاته الى حقب عمرية، بحسب وجهة النظر المراد الكلام عنها. غير اننا في مقالنا هذا، لا نحتاج كثيرا الى ذكر تفاصيل المراحل العمرية والحياتية التي يمر بها الانسان، ولذلك سنكتفي بذكر بعض هذه المراحل المهمة فقط، مع علمنا بأن تطور الأحياء لا يأتي على شكل مراحل وقفزات، وإنما يأتي وفق حركة بطيئة ومستمرة، لإخراج امكانيات الانسان الكثيرة الى حيز الفعل، اي الى حيز التحقيق. اما مسألة المراحل فقد وضعها العلماء، من اجل دراساتهم للإنسان حسب، ولاسيما نحن نعرف ان تسنين الأطفال ليس بعمر واحد لجميع الأطفال، وكذلك سيرهم ( مشيتهم )، وبداية تكلمهم، وفيما بعد، حصول فترة المراهقة عندهم، وانتهاء هذه الفترة ودخول الانسان مرحلة الشباب والكهولة والشيخوخة والوفاة.
سيادة قانون الاحتمالات:ففي الحقيقة ان ما يسود في هذه المسألة هو قانون الاحتمالات العددي، الذي لا يعمل كالقوانين الفيزيائية والكيمائية، وإنما يعمل، في جميع المسائل الثانوية، وفق قانون الصدف والاحتمالات. ومع ذلك فان وجود قوانين ثابتة لقوى الانسان الأنثروبولوجية المشتركة بين كل الناس، زائدا الصدف التي ليست صدف عشوائية، بل صدفا منظمة، فان الطبيعة في نهاية الأمر تحقق ما هو مطلوب من قبل القوانين التي تزخر فيما نسميه العلة الثانية، اي في الكون. فكل شيء خاضع لبرمجة قانون الاحتمالات الذي لا يخيب ابدا، كما يحدث في صالونات القمار في لاس فيغاس، حيث تكون اجهزة القمار مبرمجة مركزيا، لتعطي النتيجة المطلوبة، دون ان تستطيع ان تقول من يربـح ومن يخسر، الأمر الذي يحدث مع الانسان ايضا، بشكل تماثلي Analogique.
الانسان له مركز برمجة ايضا: فالإنسان له مركز برمجة ايضا، اما هذا المركز فليس جهازا اضافيا يعمل البرمجة، لكنه قدرة تعطى للإنسان، لكي يستطيع ان يخدم حياته الانسانية بالشكل المطلوب، كما ان قدرات اخرى تعطى لكل حيوان، حسب حاجته الحيوانية. اما تفاصيل هذه البرمجة فتقول انها برمجة انثروبولوجية، اتت للإنسان، عندما حصل عنده التحول من حيوان شبيه بالقرد الى انسان، مع وجوب ان نذكر ان ما حصل عليه الانسان يصاحب حياته، وهو عرضة للتطور، مع تطور عقل الانسان وقدراته الأخرى معه، ومنها قدرة البرمجة المركزية التي تشرف على حياة الانسان المركزية، اي الذات التي توحد كل قوى الانسان، وكل نشاطه الجسدي والروحي، حيث تشعر الذات انسانها بأنه سيد عالمه وسيد نشاطه، حتى وهو نائم.
اذن نعم الانسان منظومة انثروبولوجية لها مركز موحد هو ذات الانسان، حيث لا يحصل اي تمييز بين الذات، وبين الانسان الفرد الذي تمثله ذاته تمثيلا كاملا تقريبا، ربما باستثناء الأفعال ال لا ارادية التي يعملها الانسان، كاللعب بالذقن مثلا، او بالشعر، او بالأصابع، وغير ذلك. علما بأن قوة الذات، مثل كل قوى الانسان، تتعلق بما يستمده الانسان من الجينات، وبما تعمل البيئة على تحقيقه وتقويته، وكذلك بما يعمل الانسان من مجهود في مضمار قواه الروحية، ومنها قوة الذات. فالإنسان انسان، ويملك كثيرا من الحرية، وكثيرا من الخيارات، وليس هو ماكينة محدودة ومحددة النشاط.
اذن من هنا نبدأ كلامنا: اذن من هنا نبدأ كلامنا لكي نتكلم عن ظاهرة " الذات " في الانسان. فما هي الذات اذن؟ وهنا لربما يسأل سائل ويقول: انت تريد ان تكلمنا عن الذات، فلماذا تكلمت بإسهاب عن تطور الانسان البيولوجي، حتى كدنا نفهم ان الانسان هو في حالة سير Marche ou progression وفي حالة تحول وتطور Devenir دائمة. اما جوابي فسيكون على الشكل التالي، حيث سأقول: نعم نحن سنتكلم عن الذات وما عداها، وهذا ما يَعِدُ به عنواننا، لكننا سنحاول ان نتكلم عن موضوع الذات كلاما انثروبولوجيا، قريبا من العلم كثيرا، وقريبا من الفلسفة ايضا، وخاصة فيما يخص علم الحياة، وعلم النفس Psychologieالذي يغادر المنهجية السلوكية التي هي علم السلوك الانساني، ليتبنى المنهجية البنيوية.
علم النفس وعلم الحياة: اما العلوم التي سنوظفها فهي علم النفس وعلم الحياة، بشكل اخص، حيث سنجد تشابكا وتماثلا بين علم النفس وعلم الحياة. غير اننا سنجد ايضا، نوعا من الاختلاف، ولا نقول التناقض، بين المدرسة السلوكية والمدرسة البنيوية التي تضع ذات الانسان في صدارة حياته، لكي توحد الانسان في جميع نشاطاته. فتركيبة الانسان، مثل كل تركيبة الوجود المادي، هي تركيبة " ذريرية " اي هي تركيبة تصل الى حد ما يسمى مادة الكون الأولى.
النتيجة: فإذا كانت الذرة منظومة تدور حولها الكتروناتها، وإذا كانت الشمس منظومة تدور حولها كل كواكبها، وإذا كانت مجرتنا منظومة تدور حولها كل شموسها التابعة لها الخ... فهذا يعني في النهاية وجوب ان يكون لمنظومة الانسان مركز يوحد الانسان، تدور وتتعلق به كل ابعاد منظوماته الأخرى، وعلى رأسها جميعا منظومات ابعاده المعرفية، ومنها العقل الموضوعي والمشاعر والوجدان والضمير والعقل الباطن وغيرها. وهكذا نجمع بين حقيقتين ماديتين هما: الحقيقة البيولوجية وقوانينها والحقيقة النفسية وقوانينها، والحقيقة الروحية وقوانينها، حيث نقصد هنا بالحقيقة الروحية ابعاد المادة التي هي ما وراء المادة، كما هي ابعاد من ابعادها التي تقع ما وراء المحسوس: العقل والإرادة و انا، او انا العليا، و انا المتفوقة، او الأنا العليا Super ego او Super moi بحسب المصطلح الفرنسي. ففي الحقيقة نحن نجد بين علم الحياة وعلم النفس، والعلوم الفيزيائية والكيميائية تماثلا حقيقيا مبنيا على وحدة الانسان المادية مع كونه بقوانينه المتكاملة Ses lois complémentaires.
فالذات اذن هي الأنا ال Ego التي تدور حولها كل المجموعة التي تخدم نشاط الانسان وحركته الأساسية، الجسدية والروحية. وهكذا يمكن ان تقول ذات الانسان الأنا ): هذا جسدي، وإذا كانت امرأة تقول: هذا زوجي، ويقول الاثنان: هذا بيتنا وهذه ارضنا، وهذا عالمنا وكوننا، وهذه هي فلسفتنا وهذه هي افكارنا، وهذه هي مشاعرنا الخ... كما يمكن ان يقول الانسان: هذا هو الهي، من وجهة نظر الأنثروبولوجيا، وليس من وجهة نظر الانطولوجيا ( الكينونة ).
اما اذا اردنا ان نشبه ذات الانسان فنشبهها بـ " كرة " كل نقطة فيها تتصل بجميع النقاط الأخرى. حينئذ يمكن ان تمثل الكرة مجتمع البشر، حيث كل ذات فيها تلتقي مع الذوات الأخرى. من ناحية اخرى، نرى ان الانسان، لم يجد، لحد هذا اليوم، النقطة الموحدة التي تدور في فلكها كل النقاط الأخرى. مما يعني ان عالم الانسان لم يعد عالما موحدا بعد، توحدا يكون في مصلحة جميع الذوات الأخرى. كما يعني هذا القول الأخير بأننا لم نجد الى حد هذا اليوم ذاتا للمجتمع، توحده لمصلحة كل المجتمعات، ولمصلحة كل مجتمع لوحده، وللناس وللأسر التي تكون لحمة كل مجتمع وسداه.
كيف تتكون ذات الانسان: اذا كنا متابعين هذا المقال من اوله، وكذلك مقالات اخرى في مواضيع متقاربة، كنا سنفهم ان الذات هي احدى قوى الانسان التي تميز الانسان عن الحيوان. وان الذات كقدرة Faculté تأتي مع تكوين الانسان الجنيني، ثم تبدأ بعد الولادة بالتكون الفعلي شيئا فشيئا، عندما يبدأ الانسان بالتمييز بين نفسه والآخرين، وعندما نلاحظ الطفل كيف انه يحاول جذب الأنظار اليه، فيما يقوله او يعمله. هذا ولربما يبدأ طفل الانسان بالاهتمام بذاته اكثر من خلال اسمه، وأيضا من خلال رؤية صورته في المرآة، ويقول: هذا انا.
في فترة المراهقة: فإذا وثقنا بعلماء النفس والتربية، فقد نرى معهم ان فترة المراهقة هي فترة مهمة جدا، فيها يؤكد المراهق على ذاته، بكون الذات هي مركز حياة كل انسان فعلا، حيث يبقى المراهق بعيدا عن اية سلطة وأية سيطرة، حتى وان كانت هذه السلطة هي سلطة الله، وسلطة الوالدين، او سلطة المجتمع. ولهذا يُلاحَظُ ان المراهق او المراهقة ينطوون على ذواتهم ويعيشون حياة فيها كثير من الاستبطان ومركزية الأنا. ( مركزية الذات )، ولذلك ايضا نراهم يتحسسون كثيرا من اية محاولة لخرق حياتهم الذاتية هذه. ولهذا نرى المراهقين كتومين ولا يحبون ان يبوحوا بأسرارهم، حتى لأقرب المقربين اليهم. وبما ان الذات تعني الأنا، لذلك يكون الانسان، صغيرا كان ام كبيرا حريصا على ذاته من اي اقتحام غير مرغوب فيه. كما يكونون حساسين تجاه اي نقد وأي توبيخ، وأية اهانة، او قصاص او انتكاسة في الحياة، ولاسيما في الجانب الانساني منها. وهكذا فان ما يحدث عند الانسان يدل على ان ما يملكه من حرص على ذاته، يأتي نتيجة لتقوية محبة الذات عند الانسان.
تفاوت شدة قوى الذات: غير ان الانسان يختلف عن اي انسان آخر، من حيث غيرته على ذاته، وهذا الاختلاف يمكن ان يأتي من الجينات الوراثية نفسها، كما يمكن ان يأتي من البيئة والتربية الاجتماعية، وكذلك من مجهود الانسان الشخصي. ولهذا لا نستغرب اذا كان الانسان يشعر بالاستلاب والضياع وبنوع من العدوان تجاهـه. ولا نستغرب اذا كان الانسـان يوحد بينه وبين بلاده، او بينه وبين عائلته، ويعد الاعتداء على هذه المفردات اعتداءا على ذاته ايضا. علما بأن هناك مجالا لكثير من الوهم والتحايل في هذه المسألة، بحيث يجعل المختصون الشخص المستهدف يشعر ان الجماعة الفلانية تعتدي على ذاته، حتى يستحيـل تأثير علماء النفس هؤلاء الى ان يصبح الشخص المستهدف وكأنه يعاني مـن نوع من الكآبة او ال شيزوفرونيا، مثلما يحدث خاصة في المجال السياسي.
ماذا نستفيد من تحليل هذا المقال: جوابا على تساؤل هذه الفقرة نقول: ان ما نستفيد من تحليل هذا المقال هو ان نعرف من هو الانسان، وما هي هذه البنية او هذه الظاهرة التي نحاول ان نعرف صفاتها، كما نفعل مع سائر الظواهر والبنى السابقة واللاحقة. علما بأن هذه المعرفة ليست معرفة عبثية ونظرية فقط، ولكنها معرفة يمكن ان نستفيد منها كثيرا، كل واحد منا من اجل حياته الخاصة، وكذلك من اجل حياة الآخرين. فالإنسان، قد يستطيع ان يعيش بدون ان يعرف مثل هذه النظريات والفلسفات ونتائج العلوم، لكن معرفته بنفسه وبالآخرين تكون معرفة ضحلة وسطحية، لا بل خاطئة ومظللة، في اغلب الأوقات. من اجل ذلك نلاحظ خلال التاريخ، وجود من يهتم بمعرفة حقيقة الانسان، سواء كان من يهتم بهذه المعرفة، رجل دين او فيلسوف او صاحب حكمة، كما نجد ذلك خاصة عند كثير من الجماعات في الشرق الأقصى.علما بأنه سوف يكون دائما بين البشر، من يحب ان تكون معرفته بعالمه، ومعرفته بذاته، بأعمق ما يمكن، لأن هذه المعرفة تضع نوعا من السعادة والاطمئنان في حياة الانسان، كما تجعل الانسان فرحا بالحقائق التي يملكها عن عالمه وعن نفسه، حتى اذا لم يصل الانسان في هذا المجال الى كل الحقيقة، بل الى ما تيسر له حسب. علما بأن الوصول الى الحقيقة الكاملة، في مجال معرفة الذات، امر محال، لأن الوصول الى الحقيقة الكاملة يعني توقف الانسان الى السعي لمواصلة الصعود في الحياة الروحية الانسانية، سواء كانت مقدسة، ام عادية Profane، الأمر الذي يعني انهاء المسيرة نحو الكمال، مما يجعل الانسان يقطع سعيه ومجهوده، فيتدحرج بالتالي نحو خسارة كل ما اكتسبه.
السلوكية ـ الوجودية ـ البنيوية: ان السلوكية والوجودية والبنيوية هي ثلاث فلسفات تهمنا للكلام عن الذات. وفي الحقيقة نحن كنا شخصيا نضع نوعا من التناقض بين هذه الفلسفات، في حين ان هذه الفلسفات وغيرها، ومنها فلسفة الرومانسية، وبعض الفلسفات اليونانية القديمة، تصلح كلها للكلام عن الانسان، وللكلام عما يسمى ظاهرة الذات. غير انه لا يعقل ان تتكلم كل هذه الفلسفات عن ذات الانسان بعين الكفاءة، كما يمكن ان نجد في كل هذه الفلسفات نوعا من القربى الموضوعية العلمية، ولاسيما عن طريق ما يسمى بالحس العام Sens commun، المشترك بين جميع البشر، بشكل متفاوت من حيث قوته وأداء وظيفته.
ما هو الفرق اذن: اما الفرق بين فلسفة وأخرى، فهو فرق بالاتجاه العام لكل فلسفة. فبعض هذه الفلسفات يتجه نحو تأكيد خيارات الانسان الحرة، كما في الوجودية، والبعض الآخر يتجه نحو معرفة الانسان من خلال تاريخ خياراته، كما يحصل في الفلسفة الرومانسية، بحيث تكون معرفة الانسان مفتوحة دائما، ولا تغلق ابدا. اما البنيوية فهي فلسفة قريبة من علم الظاهرة، وحتى من الظاهراتية La Phénoménologie الأمر الذي يعني ان كل منظومة، ومنها الانسان، تقدم للإنسان وجهها الظاهر للعيان، وهو ما يسمى ايضا، مبنى المنظومة، لكي يكشف الانسان من خلال هذا المبنى، المعنى الخفي الانساني، الذي يسمى ايضا معنى المنظومة الخفي. اما المدرسة السلوكية Behaviorism فترى انه بالإمكان معرفة حقيقة الانسان من سلوكه، في كافة ابعاد الحياة، حيث يقول بعض علماء هذه المدرسة: اعطوني طفلا وأنا اصنع منه ما اشاء. ونحن نقول لمثل هؤلاء العلماء والفلاسفة: كلا انتم لا تستطيعون ان تعملوا من اي طفل ما تشاءون، وإنما تستطيعون مساعدة هذا الطفل على تنمية الامكانيات التي فيه على النمو والاكتمال، وليس غير ذلك. فقابلية اي انسان تأتيه من ثلاثة مصادر: اولهما هو مصدر الجينات الوراثية التي يستلمها من ابويه، والتي تحدد امكانيات الانسان من البداية. اما ثاني هذه المصادر فهو البيئة والمجتمع، هذه البيئة التي لا تستطيع ان تتجاوز كثيرا قدرات تعلم الطفل الوراثية. ثم يأتي ثالثا، المجهود الشخصي، الذي يحاول تطوير امكانياته والوصول الى نتائج انسانية مهمة.
ومن هنا نستطيع ان نقول ان المدرسة السلوكية ليست محقة بشكل كامل شامل في ادعاءاتها، وان فكرة " الذات " كما تكلمنا عنها اعلاه تأتي قبل اي خيار انساني، مهما كان حرا. اما الحقيقة فهي تجمع بين كل هذه القوى التي تكلمنا عنها، ولا تقتصر على اية واحدة منها، شرط ان يكون الجمع بيـن هذه الفلسفات، جمعا ذكيا، يعرف اين يقع العامل الجامـع بين هذه الفلسفات جميعها، وحتى بينها وبين غيرها من الفلسفات، اي ان يعرف المفكر ما هو الجامع المشترك بين هذه الفلسفات. وهنا يأتي سؤالنا المهم الذي يقول: ترى هل اذا جمعنا بين كل هذه الفلسفات والعلوم، ومنها علم النفس وعلوم الحياة وعلم الاجتماع، وغيرها من الفلسفات والعلوم، مما اتينا الى ذكره، ومما لم نأتي الى ذكره، فهل نكون قد اتينا الى معرفة حقيقة الانسان، معرفة كاملـة وشاملة؟ اما جوابنا فيقول: كلا! اننا لن نأتي ابدا الى المعرفة الكاملة للإنسان، ولكن فقط نقترب من هذه المعرفة، حيث يكون هذا الاقتراب مناسبة لحاجاتنا الانسانية الحقيقية، ومناسبا لحاجة كل فرد من افراد الجنس البشري. اما تعريف التقليد الكنسي فنقول انه ذهب في خبر كان، والحمد لله.
البحث عن الذات: بعد كل ما كتبناه عن الذات نستطيع الآن ان نقول بأن البحث عن الذات، هو البحث عن الانسان، كما ان البحت عن الانسان فينا، يتم ايضا عبر البحث عن الذات. ولكن لكي نكون اوضح نقول: من اراد ان يبحث عن الانسان في داخله، من باب فحص الضمير، او من اي باب آخر، عليه ان يفحص ذاته، من خلال اهم ابعادها، لكي يرى سلامة وصحة هذه الأبعاد، جسدا وروحا وقوى المعرفة وكذلك من حيث قوى المشاعر.اما هذا الفحص فيمكن ان نسميه فحصا بنيويا، هذا الفحص الذي يعطي الأولية للفحص البنيوي، الذي يشمل كثيرا من الأبعاد، ومنها ابعاد القوى الانسانية المشتركة بين جميع البشر. غير ان فحص الذات هذا يمكن ان يشمل ما تقدمه للإنسان ظواهر اخرى، مثل ظاهرة التماثل والظاهرة الجدلية وما يصاحبها من نوازع لا تكون جميعها نوازع سليمة، وكذلك ما تقدمه الظاهرة الوجودية التي تعدُ الانسان مشروعا يهتم به الانسان، من جميع جوانبه الممكنة، ومنها، وخاصة الجانب الروحي والجانب المقدس.كما يمكن الاستفادة من الظاهرة البنيوية من حيث ان الجانب المنظور يدل على الجانب الروحي غير المنظور، ولاسيما اذا عرفنا ان الجانب غير المنظور يشمل الجانب المقدس ايضا.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

647 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع