الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - مسؤوليتنا والعلة الثانية

مسؤوليتنا والعلة الثانية

                                              

                       القس لوسيان جميل

مسؤوليتنا والعلة الثانية

مسؤوليتنا والعلة الثانية: قبل البدء بهذه الفقرة التي تتكلم عن مسؤوليتنا والعلة الثاني، نقول اننا لا نسمح لأنفسنا بأن نعد كل عطية نحصل عليها هبة من الله، نكتشف فيها صفة من صفاته، اذ اننا لو فعلنا لصرنا كالبشر البدائيين، لا نميز بين العلة الأولى والعلة الثانية، وننسب كل شيء الى الله مباشرة. صحيح يمكن ان يحدث هذا في التعليم الديني، ولاسيما مع الأطفال، ولكن ليس مع كل الناس. وخاصة ليس مع طلاب اللاهوت وحتى مع اساتذة اللاهوت. 

نحتاج الى تنشئة حديثة: ولكننا يجب ان نكرس وقتا للتنشئة اللاهوتية الحديثة نبين فيه الدور الحقيقي للعلة الثانية التي نقول عنها انها المسئولة الأولى " عن كل شيء " كما نقول من وجهة نظر اخرى ان الله هو المسئول الأول عن كل شيء، كما نقول من وجهة نظر اخرى، ان الانسان مسئول مسئولية كاملة عن عالمنا. ولذلك نقول باطمئنان، بأن لا داعي لنفي دور الانسان الأساسي في تحمل المسئولية عن عالمه وعن نفسه. سواء في حالة النجاح ام في حالة الفشل،" عوضا عن القاء اللوم عليه تعالى، هذا اللوم الذي يكون الله براء منه، مثل براءة الذئب من دم يعقوب.
حالة الروحانيين: اما عندما يحدث ان ينسب الروحانيون كل شيء يأتيهم من الله فذلك يمكن ان يأتي من باب آخر تماما. فالروحاني غالبا ما يتجاهل العلل الثانوية ويذهب رأسا الى العلة الاولى، حتى لو كان هذا الروحاني عالما او لاهوتيا كبيرا. وبما ان الروحانية مسألة شخصية وذاتية Subjective فيشعرون ان اتصالهم الحقيقي، والذي هو اتصال ذاتي ايضا، يجعلهم يشعرون انهم يلمسون المقدس بذاته. اما هؤلاء الروحانيون فيسمونهم المتصوفة بحسب التصوف المسيحي. الأمر الذي لا يمنع من ان يكون لكل دين تصوفه. ولكن علينا نحن المشتغلين باللاهوت ان نفهم ان المسألة الروحية والصوفية هي مسألة تعود كلها الى العلة الثانية.
نحن والحقائق الانسانية الكبرى: فإذا ما عرفنا هذه الحقيقة فإننا سنقصر القدسية على بعض الحقائق الكبرى، ولاسيما التاريخية منها، ونقول ان خلاص الله يظهر من خلال هذه الحقائق الأنثروبولوجية التي نقول عنها انها حاجة انثروبولوجية مطلقة Absolues. اما هذه الحقائق فهي لا تصير فقط محبوبة لدى الانسان، لكنها تصير مقدسة ايضا بقدسية هي قدسية انثروبولوجية كافية لخدمة الانسان خدمة مطلقة تسير به نحو الأفضل، كون هذه الحقائق الأنثروبولوجية المطلقة تصبح سلطة لدى الانسان تسير حياته كلها. وهنا قد لا نبالغ اذا قلنا ان هذه الحقائق التي تكلمنا عنها تحرك عالم الانسان وتحرك تاريخه بشكل واضح. كما ان هذه الحقائق الأنثروبولوجية تقدم للبشر وجه اله يصبح رمزا يحرك وجه الأرض ويجددها. كما نقرأ ذلك في سفر المزامير. وهنا علينا ان لا نغفل عن حقيقة اخرى تخص ميكانيكية حركة العالم.
قانون الجدل:اما هذه الحركة فيقودها قانون كوني آخر هو قانون الجدل Dialectique، قد يشبه قانون الجدل الماركسي، غير انه اشمل من القانون الماكسي كثيرا، لأنه قانون انثروبولوجي صرف. اما هذا القانون المذكور فلا يعود كله الى الفلسفة، لكنه يعود ايضا الى ما اسميناه الحس العام Sens communالذي يعمل على خفايا الأشياء ودقائقها، كما انه يعمل جنبا الى جنب مع قوى المشاعر الذاتية التي تتأثر بكل ما هو صالح ومفيد وعالي في قيمته الانسانية، وبكل ما يستلب الانسان ويؤثر على كرامته، ولذا فإننا نقول عن قانون الجدل بأنه يثير في الانسان مشاعر مقدسة وليس فقط مشاعر انسانية محترمة، الأمر الذي تتجاهله الماركسية.
لا يأتينا الخلاص بشكل مباشر: وعليه فإننا، نرى ان الخلاص لا يأتينا نحن البشر، من الله بشكل مباشر، وإنما يأتينا عن طريق العلة الثانية وقوانينها، ومنها قانون حرية الانسان وعمله، بشكل مباشر، وذلك لأن الانسان هو ايضا جزء من العلة الثانية وليس منفصلا عنها، وان تكلمنا عنه وقلنا انه متعال عن العلة الثانية Transcendant، الأمر الذي لا يتنافى مع اولوية الله، مما نجعل من هذا الكلام قاعدة عمل الله في الطبيعة، وما نلاحظه بأم اعيننا ومن حولنا باستمرار.
لا خوف على الله من التقسيم: وعليه نقول ان المسألة هنا ليست مسألة تقسيم الله الى قسمين، هما القسم الفلسفي والقسم الذاتي الداخلي الخاص بالمشاعر، لأن الله بصفته ذاتا غير مدركة لا يمكن تقسيمه. وبما ان الاله الذي نتعامل معه نحن البشر، هو اله لا يقع تحت الحواس، بشكل مطلق، لذلك نضطر انثروبولوجيا الى انسنته، ليسهل لنا التعامل معه، بشكل طبيعي، نحن الذين نأنسن المادة نفسها، و نأنسن الوردة الجميلة ونخاطبها وكأنها انسان مثلنا، حيث نقرأ للشاعر الفرنسي لامارتين قوله: Choses inanimées avez – vous donc une âme et la puissance d'aimer? ومعنى ذلك: ايتها الأشياء التي ليست حية، هل لك اذن نفس ومقدرة على الحب؟ اما طريقة الأنسنة هذه فهي طريقة طبيعية جدا. كما ان هذه الطريقة طريقة مشروعة ولا يكتنفها اي عيب، لأنها الطريقة الانسانية الأنثروبولوجية العادية، التي لا طريقة اخرى سواها يمكن ان تفوقها، اذا ما وجدت. فعندما نكون نحن البشر امام مشاعر انثروبولوجية مقدسة، فهل لنا، طريقة اخرى لمعرفة مصدر القدسية هذه، غير ان نتعامل معها، وكأنها تملك طبيعة بشرية مثلنا؟ اما بداية هذا التعامل فتكون عندما نخاطب هذا المقدس مجهول الطبيعة وكأنه شخص بشري مثلنا، في عملية تسمى شخصنة ما ليس شخصا.
ننظر نظرة انثروبولوجية: هذا عندما ننظر الى مقدسنا نظرة انثروبولوجية تختلف عن النظرة الانطولوجيا التي تحول من تتكلم عنه، من الحقائق الروحية الى كائن تقربه من كائنات الاساطير الخيالية المفرطة في غيبيتها، والتي لا نجد فيها شيئا من الميزات الانسانية، في حين ان النظرة الأنثروبولوجية تعطي لنا فكرة عن الهنا، دون ان تسبب في تشويه حقيقة هذا الوجود الروحي. فإذا ما اضطررنا الى ان نتكلم عن الهنا المجهول كما نتكلم عن الانسان، يكون احد شروط صحة هذا الكلام وشرعيته، هو ان لا نحسبه يحمل عواطف الانسان البشرية الناقصة ومشاعره، لأن العواطف والمشاعر معمولة من اجل خدمة البشر، وليس من اجل خدمة الاله.
انظروا هنا!: فلننظر اذن لنرى كيف نستخدم كلمة الوجود الروحي ولا نستخدم كلمة الكائن الروحي، لأن كلمة الكائن الروحي تقرِب هذا الوجود من الاسطورة فعلا.فنحن نعرّف كل الكائنات بطبائعها الجوهرية وبأعراضها التي هي صفات هذا الجوهر التكميلية، حتى وان كان بعض الفلاسفة ومنهم ارسطو، غير مهتمين بالأعراض، من حيث تعريف هذه الكائنات. اما الكائنات الروحية فلا نستطيع ان نعرف جوهرها، ولا مواصفات هذا الجوهر وأعراضه. مع العلم ان الفكر اللاهوتي يرفض ان تكون لهذا الكائن الذي نسميه الله اعراضا او حتى جوهرا، لأن الجوهر يحدد الكائن في حين انه لا يمكن تحديد الاله، في تعريفه. ومختصر الكلام اننا فعلا في جهل مطبق امام سر الاله وسر الخالق ومنظم الكون. ومن هنا يكون علينا ان نفهم حقيقة الانسان، ونعرف سره، من خلال فهم سر الله نفسه، او بالأحرى من خلال تسليمنا، نحن البشر، بأننا لا نفهم سر الله، وسر اي كائن آخر، تكون الأمور الغيبية غالبة على الأمور الظاهرة، الا اذا نظرنا الى الاله نظرة انثروبولوجية.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

481 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع