دخول الحرية الى العالم

                                                

                         القس لوسيان جميل


دخول الحرية الى العالم

بعد كل ما اتينا الى ذكره في الصفحات السابقة، يحق لنا ان نؤكد بأن نوعا من حرية العمل، وضمن قوانين الطبيعة نفسها وإمكانياتها، دخلت عالمنا، مع بزوغ الانسان على ارضنا، او بلغة فلسفية، منذ تحول الانسان من وجود كامن، اي من وجود بالقدرة او بالإمكانية Etre en puissance الى وجود متحقق بالفعل Etre en acte. اما اذا تكلمنا لغة علوم الحياة، فإننا نتكلم عن الانسان الذي وصل مرحلة الانسنة من خلال تطورات بيولوجية مستمرة وطويلة الأجل، ربما تعد بمليارات السنوات، وصلت في نهاية الأمر الى الانسان الأول، او الانسان الراشد Homo sapiens. 

هذا، مع العلم، ان الانسان منذ ذلك الوقت والى حد يومنا هذا لا زال في تطور مستمر جسدا وروحا، فردا Individu او مجتمعا، مع تأكيدنا الذي تدعمه كتابات الأب تيار دي شاردن، على ان الروح ليس غريبا عن المادة وانه احد ابعاد المادة الرئيسية. وكذلك نستطيع ان نقول القول عينه فيما يحص الزمن. اما ما يخص المادة الأولى التي يفتش عنها الفيزيائيون ويفتش عنها علماء الحياة، فبحسب اول فيلسوف يوناني فان هذه المادة هي قاعدة الوجود بأكمله الجسدي والروحي، وهي الأساس الموحد لأي تماثل، كما انها حامل لأية تعددية للبنى الكثيرة التي تحملها هذه المادة ولا تنضب ابدا، مع ان العلماء لم يستطيعوا الى حد الآن الوصول الى هذه المادة الأولى النقية. فقط عرفنا من بعض العلماء قولهم: اذا وصلنا الى هذه المادة النقية المعزولة فإننا لن نجد فيها صفات المادة المعروفة بعد.
الانسان و رَوحنة العالم: اما ما ذكرناه في الفقرة اعلاه، فيعني ان تحول العلة الثانية من علة و " سبب " اعمى وأطرش تقوده قوانين الكون قيادة كاملة، بدون وجود اي خيار للعلة الثاني في ذلك، الى سبب فيه نوع من حرية الاختيار والانتقاء، ولاسيما في الأمور الثانوية التي لا تتعارض كثيرا مع قوانين الكون والأرض الثابتة. غير اننا علينا ان ندرك ايضا، بأن قانون ظهور الحرية هو شبيه جدا بقانون، او بقوانين ظهور الحياة، على ارضنا. وأن الحرية مثل الحياة ومثل الروح ومثل اية بنية من بنى المادة العليا، ليست سوى امتداد للمادة Extension او Dimension. او بنى Structures. تجعل من عالمنا عالما روحيا وميتافيزيقيا يتجاوز ماديته بطريقة انثروبولوجية معروفة.
قانون تيار ده شاردن: وهنا الجأ بخشوع الى قانون، وضعه الأب تيار ده شاردن، العلامـة في شئون علم الاحاثة Paléontologie واللاهوتي المعاصر والروحاني الكبير، حيث قال اينما زادت المادة نقص الروح وأينما نقصت المادة زاد الروح. وبما ان الحرية العقلية ( حرية الاختيار ) تتعلق بالعقل وبما يكتسبه من معطيات الحكم على الأمور، فان القاعدة التي وضعها الأب تيار، والتي تسري على علاقة الروح بالمادة، تسري كذلك على الحرية ايضا، وعلى غالبية القوى الواقعة في مجال البنى الانسانية العليا. اما مسيرة هذه القاعدة فيمكن ان يقال فيها انها مسيرة تمدد او توسع Extension و تفرعRamification،حيث كلما تقدم الانسان في المعرفة وفي مجال الحرية، كلما تقلصت المدة اللازمة لأي تغيير جديد وظهور حالة يكون فيها الروح قد تم تحققه الفعلي ودخل عالمنا.
الانسان ليس مجرد منفذ: وقد نبقى نرى في الانسان منفذا ارادة عليا، او حتى العلة الثانية، لكنه لن يبقى مجرد منفذ لهذه الارادة، دون ان يملك شيئا يضيفه شخصيا وإنسانيا لعمل الطبيعة. فصحيح، وعلى الرغم من ان الانسان يطيع ارادة الطبيعة متوهما انهها ارادته الذاتية، الا انه، هناك حصة خاصة بإرادة الانسان نفسه، وان كانت هذه الحصة تقع ضمن ارادة العلة الثانية وبانيها الأول:العلة الأولى – الخالق.
الانسان فاعل حقيقي: وهنا علينا ان نلاحظ كم يوجد من التداخل والتكامل والتخادم وأحيانا من التنافس بين الخدمة التراساندانتالية ( المتعالية ـ المتجاوزة للحواس ) Transcendental والتي يقول بها ارسطو ـ مار توما الاكويني و عمانوئيل كانط. وهكذا نرى ان الانسان ليس مجرد مُنفذ، ولكنه فاعل حقيقي ومقرر لما يريد ان يحققه، سواء كان هذا الانسان فردا ام جماعة، ام كان هو الانسان على مستوي البشر القاطنين سطح الكرة الأرضية، وسواء نجح هذا الانسان ام فشل في مشروع البناء هذا. وهنا علينا ان لا ننسى بأن الانسان، وان تعال Transcende او تجاوز مادة الكرة الأرضية، فانه مع ذلك يبقى جزءا لا يتجزأ من العلة الثانية، اي من الكون المادي والمعمورة، كمـا يبقى الجزء الأكثر تطورا، على ارضنا.
الكائن الأعلى: وبذا نستطيع ان نقول ان الانسان يمثل حقا الكائن الأعلى على هذه الأرض، والحلقة الأرقى من تطور الحياة والروح، حتى وان كان ضعيفا في كثير من قدراته الجسدية والعقلية. وبهذا المعنى ايضا نستطيع ان نقول عن العلة الثانية، اي البرية، انها مسئولة مسئولية مباشرة عن بناء عالمنا هذا، حيث يجوز هنا للجزء ان يمثل الكل، ونستطيع ان نقول ايضا ان الروح بدأ ينبثق من مادة الكون، بشكل اساسي، وفق فكرة الأب تيار ده شاردن، وان هذا الروح هو في طريق السيادة على المادة الكونية، بوصفه بعدا من ابعاد هذه المادة، بحسب التصميم الذي ناله من العلة الأولى نفسها، منذ بدء الخليقة. وهنا اود ان اسأل بتواضع وأقول: هل كان الفيلسوف هيجل واعيا لنتائج فلسفته عن الروح الذي يدخل بعملية جدلية ديالكتيكية، ويتحول بالتدريج ايضا من روح سالب ( ـ ) الى روح موجب ( + ) وواقعي؟
الانسان غير منفصل عن الحياة: ومع ذلك نرى ان وضع الانسان هذا لا يفصله عن الحياة، كما لا يفصله عن مادة الكون ومادة الأرض، حتى وان استطاع ان يتعال عليها، كما سبق ان ذكرنا. علما بأن قوانين عالمنا الكبرى تبقى فوق قدرات التعالي Transcendance البشري. ولكن مهما يكن، فان القوانين التي تسير العلة الثانية لا تأتي من خارج العلة الثانية بل من داخلها حسب، طالما بدأنا نعرف ان الله لا يتعامل مع اشياء الأرض كدمى يسيرها بنفسه وبإرادته الخاصة، لأن العلة الأولى لا ارادة شخصية لها خارج ارادة الكون وقوانينه، بدليل موضوعي هو اننا لم نرى في الكون، ولا في عالمنا الراهن، ما يخالف هذا الكلام. فالكون، في الواقع لا يبالي بأشياء الانسان الصغيرة التي تبقى شأنا من شؤون المجتمع والإنسان، de L'homme L'apanage، الأمر الذي يلزمنا ان نقول: بأن الكون ليس معمولا من اجل الانسان، بينما يمكن ان نقول بأن الانسان معمول للكون، وانه آت من الامكانيات الموجودة في هذا الكون، والتي كانت كامنة فيه.
مثل الجرار الزراعي والمحراث: وهنا ليسمح لي بأن آتي بمثل يبين حقيقة مسئولية العلة الثانية عن حركة الكون. اما هذا المثل فهو مثل الجرار الزراعي والمحراث. فمن المعروف ان عمل ووظيفة الجرار الزراعي هي سحب المحراث، من اي نوع كان هذا المحراث. ولذلك لن يطلب من الجرار الزراعي سوى ان يكون قويا ومتمتعا بالكفاءة اللازمة، لكي يتمم عمله بنجاح. اما المحراث فله وظيفة أخرى، هي شق الأرض وحفرها بعمق معين، وبخطوط متوازية لكي تقع حبات الزرع في جوف هذه الخطوط وتنمو نموا طبيعيا. وعليه فان المزارع لا يطلب من المحراث، سوى ان يشق الخطوط بشكل جيد ومنتظم وعلـى العمق المطلوب، ولا يحمل المسئولية للجرار عند وجود خلل ما في المحراث، بل يتحملها كلها المحراث نفسه. اما اذا كان هناك عطب في السحب فلا احد يلوم المحراث ولكنه يلوم الجرار فقط.
تطبيق المثل: اما اذا اردنا تطبيق هذا المثل على العلة الأولى والعلة الثانية، فلن يكون علينا سوى ان نُحَمل عائدية اي خلل يحدث في عالمنا وفي كوننا، الى العلة الثانية، وليس الى العلة الأولى. طبعا ليكن معلوما هنا ايضا، أن المثل يعرج، كما يقول الفرنسيون، وأن المثل يُضرب ولا يقاس عليه، كما يقول كتابنا العرب، ولاسيما ونحن نجهل حقيقة العلة الأولى جهلا تاما. وهكذا يكون الباري هو الخالق، هذا الخلق الذي نراه فكريا خلقا كاملا لا نقص فيه، منذ اللحظة الأولى لوجود المخلوق، او العلة الثانية، حيث ان العلة الثانية من تلك اللحظة تتصرف بحسب قوانينها التي وضعتها فيها العلة الأولى، باستثناء المساحة المتروكة، لشيء من حرية الانسان ولعمله الخاص، حيث يحاول ان يكمل، على قدر استطاعته، ما تُرك لعنايته، علما ان هذه الحرية، ليست كما يقول الوجوديون عنها، اي انها ليست حرية مطلقة، كونها متعلقة بقوانين الكون، وقوانين عالمنا الأرضي، القوانين الكبرى منها والقوانين الصغرى والدقيقة، التي تعالج بنى الانسان الفكرية، فائقة الدقة.
لا علاقة لذلك بسفر التكويـن: اما اذا كان سفر التكوين يتكلم بشكل آخـر، فنعتقد ان قليلا من الثقافة العلمية واللاهوتية، ومن ثقافة وعلم الكتاب المقدس، كافية لتفهمنا ان لغة سفر التكوين وغيرها من اسفار العهد القديم، وكذلك لغة العهد الجديد الحضارية، هي لغات حضارية غير علمية، كثيرا ما تكون قريبة من المعتقدات الغيبية والأساطير. اما عذر كُتاب الكتب المقدسة Hagiographes فهو انهم لا يكتبون علما ولا تاريخا بمعناه الدقيق، وإنما يكتبون بشرى ايمانية للناس، بأسلوب بنيوي يدل مبناه الخارجي على معناه الخفي الداخلي، دون إن يكون هناك أي تطابق مطلق بين البنى المادية وهي منظومات ايضا، وبين الروحية.
الأسلوب الشبيه بالتاريخ: اما الجدير بالذكر هنا، فهو ان الكتاب المذكورين، غالبا ما كانوا يكتبون بأسلوب القصة الشبيهة بالتاريخ Para historique، حيث يبدو ان كُتاب الأسفار المقدسة، ومنها كُتاب سفر التكوين، انهم لم تكن لهم بعدُ فكرة عن الخلق من العدم، كأهل زمانهم، ولاسيما الشعوب الوثنية الجزرية ( السامية او العربية ) القاطنة في بلاد ما بين النهرين والهلال الخصيب، وفي وادي مصر(الهكسوس) وربما في امكنة كثيرة أخرى.
الشعب العبري وكتاب العهد القديم: وهنـا لا يجب ان يغيب عـن بالنا ان الشعب العبري، كان من هذه الشعوب الجزرية المذكورة، وانه قد حمل معه الى فلسطين التراث المشرقي، وحمل معه رواسب كثيرة، جاءته من فكرة تعدد الالهة الوثنية، دون ان ننسى فكرة القومية والدولة الثيوقراطية، التي كانت توصف بـ/ ملكوت الله، او ملكوت السماء، حيث ان السماء كانت كناية عن الله، الذي لم يكن الشعب العبري يريد ذكر اسمه بسبب رهبتهم الدينية منه.
وبذا نستطيع ان نقول ان العهد القديم وعبره انتقلت بعض افكاره وأساليب تفكيره الحضارية، الى العهد الجديد، الذي اقتبس ايضا كثيرا من رواسب الفكر اليوناني، في مسألة النفس البشرية مثلا، وفي مسألة تسيير الله للعالم وللإنسان بشكل مباشر، وغير ذلك الكثير. علما بأن العهد الجديد، قد احتفظ بأصالته الأساسية، بصفته عهدا جديدا، مختلفا جدليا عن العهد القديم، ومتميزا عنه، حيث ان الجدل يعني اساسا الانتقال الى فكر جديد، بعد ازاحة الفكر القديم، الذي اخلى مكانه للعهد الجديد، هذا الاخلاء الذي لم يأت بدون مشاكل ومعوقات واضطهاد، وبعض الحروب هنا وهناك، ومن وقت لآخر.
اما العهد القديم فقد جاء هو الآخر لضرورة جدلية واضحة، هذه الجدلية التي تظهر في صفحات عديدة من كتاب العهد القديم. ولكن بما ان النقلة من العهد الوثني الى العهد التوحيدي، كانت نقلة جدلية Dialectiqueحضارية، نستطيع ان نقول ان ما حمله العهد القديم معه من رواسب الوثنية، هو حمل نستطيع ان نقول عنه انه جدلي هو الآخر، اي في طريقه الى الزوال التدريجي، حاله حال الترسبات الجدلية التي كانت قد علقت بالمؤمنين بالعهد الجديد، هذه الترسبات التي هي الأخرى، ومن زمن لا باس به، مرشحة للزوال التدريجي، على صعد عديدة.
الفكر والزمن: اذا تأملنا الفكر الانساني، ولاسيما على ضوء علوم الانسان، ومنها علم الحياة، او بالأحرى علم الأحياء، سوف لن نجد اي تقطـع في فكر الانسان، مثلمـا لا يوجد تقطع في الزمن. فما يحدث بالحقيقة لفكر الانسان، هو سيرورة مرنة، حتى عندما يتحكم بفكر الانسان قانون واضح ومعروف هو قانون الجدل Dialectique الذي يمكن ان يظن البعض انه يأتي بقفزات، تؤدي احيانا كثيرة الى الاضطراب والثورات، حيث يخلف هذا القانون وراءه كثيرا من الترسبات تحتاج وقتا طويلا للتخلص من آثارها الجدلية، والى السير نحو الأفكار الجديدة الناتجة عن الجدل، علما بأن تجاوز السلوك " الحضاري " القديم، ونقصد به، السلوك السابق لعملية التغيير الجدلي، هو اصعب بكثير، من تجاوز السلوك الاجتماعي القديم وتبني سلوكا اجتماعيا جديدا، ولاسيما في المأكل والمشرب والملبس والاختلاط بين مختلف شرائح المجتمع، ولاسيما الاختلاط بين الجنسين. اما بحسب فكرة انثروبولوجية اخرى، فيمكننا فقط ان نلاحظ، بأن ما تسمى البنى الفوقية ( مختلف الأفكار ) عند الانسان، وهي بنى مادية هي الأخرى، حتى وان كانت بهيئةforme متحولة الى روح، لا تلحق ولا تواكب دائما البنى التحتية، وتحولاتها الجدلية، كما تقول بعض الفلسفات، الا إن عدم المواكبة، او عدم المواكبة السريعة امر طبيعي، يعود الى قدرات الممانعة وقوتها في مادة الجسد الانساني للفرد، وفي المادة الاجتماعية.
انسنة الكائنات المادية الموضوعية: بهذا الصدد يمكننا ان نقول ان عملية الأنسنة تشمل كل موضوع من مواضيع معرفة الانسان، والمواضيع التي يتكلم عنها، اذ كيف يمكن ان يتكلم الانسان عن اي موضوع، اذا لم يدخله في نطاق قدراته الانسانية المعرفية،اي اذا لم تتم عملية تحويله Conversion من مادة كما هي في ذاتها، الى مادة كما يستطيع الانسان ان يعرفها بقدراته المعرفية الأنثروبولوجية، بغض النظر عن العلم او الفلسفة التي تتم فيها معرفة " اشياء " عالمنا، او معرفة المواضيع الانسانية التي تعود الى ذات الانسان.
الانسنة في الواقع، تشمل المواضيع المادية الموضوعية Objectives، وهي الغالبية من مواضيع معرفتنا البشرية. غير ان هذه المواضيع جميعها، لها كينونتها الخاصة بها، لكنها تبقى مواضيع معتمة Opaque، اي انها تبقى بلا هوية، او اسم يعرفها ويحددها. اما بلغة فلسفية فيمكن ان يقال انها تبقى مجهولة الماهية التي تحدد هذه المواضيع المادية، علما اننا هنا نميز بين ماهية Essence الأشياء وبين صورتها المحسوسة، والتي يمكن ان نتكلم عنها، كما يمكن ان تكون عند الحيوانات جميعها، وكما يمكن ان نعرفها نحن البشر، بعد تفكيك معرفتنا، وردها الى حقيقتها الأولى، قبل ان نجري عليها عملية التجريد، بحسب فلسفة ارسطو او غيرها من الفلسفات الابستيمولوجية Epistémologique، فلسفة عمانوئيل كانط، على سبيل المثال، وفلسفة ديكارت الفرنسية التي هي فلسفة ذاتية Subjective وليست فلسفة مثالية كما يقول الماركسيون.
نعود الى الوراء قليلا: في الحقيقة نحن نجد فكرة انسنة الأمور الروحية عند الفيلسوف عمانوئيل كانط الذي هو من الفلاسفة المحدثين، وذلك عند تعرضه لمسألة المعرفة Epistémologieعند الانسان. فـ/ عمانوئيل كانط هو صاحب الفكرة التي تقول بأن العالم كله، كما يعرفه الانسان، هو غير العالم بذاته In se الذي كان قبل ان ينال انسنته عن طريق الانسان، وان العالم اليوم كله هو عالم انساني انثروبولوجي. فمما جاء اعلاه يمكننا إن نؤكد بأنه إذا حكم البشر اليوم على العالم، فإنهم سيحكمون عليه بصفته عالم انسان، ولا ينطبق عليه غير حكم عالمه الانساني. وإذا حكم على العالم تاريخيا قبل ان يوجد الانسان، سوف يكون حكمه واحدا، لأنه بالحقيقة هو لا يعرف غير هذا العالم، كما نعرفه اليوم، ولم يواكب بشكل طبيعي غير هذا الانسان، كما نعرفه اليوم. اما اذا حكم انسان اليوم على انسان الغد، فان هذا الحكم سوف يكون حكما ناقصا، مهما كان حكمه علميا، لأن انسان اليوم لم يرى انسان الغد المستقبلي، اللهم الا في حلمه، هذا الحلم الذي سيكون حلم العلماء والحكماء، في الوقت عينه.
وسائل ايضاح ايضا: وهنا وكوسيلة ايضاح ايضا، نأخذها من عالم الكهرباء. فالتيار الكهربائي يدخل المحولة الكهربائية من طرف ليخرج من طرف ثان، وقد تحول الى قدرة كهربائية مختلفة تماما. اما عندما يدخل ضوء الى جهاز الخلية الكهرومغناطيسية فيمكن ان يخرج على شكل مغناطيسية، او على شكل صوت او حركة. اما هذا الكلام فهو كلام ايضاحي، مثل أي كلام آخر ايضاحي، من بين امثلة كثيرة جدا من هذا القبيل. غير اننا هنا لا نتكلم عن الأنثروبولوجيا على الرغم من اننا في صلبها. وعليه اذا تحولت Se convertie المادة الى اشكال وصيغ مختلفة من المواد فإننا لا نسمي ذلك تحولا انثروبولوجيا، لأن النحول الأنثروبولوجي هو التحول من مادة حية الى مادة انسانية انثروبولوجية. ولذلك فان الانسان في هذه الحالة لا يستغرب من اي حالة تحول يصادفها امام انظاره.
قصة من ايام الدراسة: يحكى ان قسيسا جلس في منبر الاعتراف، فتقدمت من المنبر فتاة شابة وأخذت تسرد خطاياها امام القسيس. ثم وبعد ان انتهت من سرد خطاياها قالت لمعرفها: اني ايها الأب فتاة خطبني شاب فيه جميع المواصفات التي كنت احب ان تكون موجودة في الشاب الذي سأتزوجه، باستثناء صفة واحدة تقلقني كثيرا، لم اكن احب ان تكون موجودة فيه. فقال الأب المعرف للفتاة، وما هي هذه الصفة التي لا تعجبك في خطيبك يا ترى؟ فقالت الفتاة انه لا يؤمن بحقيقة الوجود ويشك في وجود الأشياء على طريقة الفيلسوف الفرنسي ديكارت. وبما ان المعرف كان هو الآخر قد درس تلك الفلسفة من ايام الدراسة عرف ان مشكلة الفتاة هي مشكلة فلسفية وهمية Pseudo problème قال للفتاة: ثقي يا بنتي ان خطيبك لا عيب فيه، ومهما يكن فهو يؤمن بك على الأقل. اما سائر الأمور الفلسفية فلا مبرر للقلق منها. اذهبي بسلام وليكن النجاح حليفك.
نكتة وحكمة: اما كلام القسيس ذاك فلم يكن نكتة فقط ولكنه كان " حكمة ايضا " يستفيد منها كل محتاج. فبعد ان وجد الانسان على وجه ارضنا، اختلف كل شيء وكل شيء اخذ وجها جديدا. فالروح يجدد وجه الأرض حقا، وما دام الروح معنا لا نخاف على من نحبهم ولا نخاف الموت ولا نخاف التغيير لأننا بدأنا نعرف ان كل شيء سيكون لخدمة انسنة هذا العالم المستمرة: ترسل روحك فيخلقوا وتجدد وجه الارض.هذا اذن هو ما قامت به العلة الأولى، لكن العلة الثانية، وفي المقدمة الانسان هي المسئولة الوحيدة عن تجديد وجه الارض. وطالما ان الروح يعطى لنا ويزيد لا بل يعطى لنا مع الجينات الوراثية فلا يجب ان نخاف شيئا سوى انفسنا الضعيفة وكسلنا وأنانيتنا امام التغيير. والمعروف ان عبارات الشك التي نسبت الى ديكارت لم تفهم على حقيقتها الفلسفية وفي اطارها الحقيقي، وإنما فهمت فهما شعبيا سطحيا الى الدرجة التي اثرت على مصداقية هذه الفلسفة. فعبارة افكر اذن انا موجود وعبارة اشك اذن انا موجود، واشك اذن الله موجود، تخدم كلها فلسفة ذاتية Subjective وليست لها علاقة بمثالية افلاطون ولا بأية مثالية اخرى، بخلاف ادعاء الماركسيين. فما هو واضح ومعلوم في فلسفة ديكارت هو إن الشك يبدأ كعملية مبدئية وابتدائية Initiale لترك الفلسفة الأرسطية ــ التوماوية الميتافيزيقية والولوج الى فلسفة جديدة لا تبالي بمسألة الماهيات والجواهر الميتافيزيقية التي من خلالها كان ارسطو ــ مار توما ( الفلسفة الكلاسيكية ) يعرفون كل شيء ومن ذلك الانسان، بعد إن كانوا يقسمون كل شيء الى ماهيات وإعراض ويتمسكون باعتمادهم تعريف الانسان بماهياته وليس بأعراضه ايضا، في حين اراد إن يكون ديكارت فيلسوفا من طراز موضوعي ما يهمه هو الشيء الكامل بتمامه ووحدته، وليس بماهيته فقط. ولذلك شكك بإمكانية وصول الفلسفة الماهوية الى حقيقة الأشياء أي شكك بمعرفة كنه الشيء وابتعد عن الميتافيزيقا تماما، بعد إن وجد قانون البديهيات الذاتية، وليس المثالية، ليبدأ بها فلسفته. هنا نكتفي بهذا القدر لأن غايتنا ليست كتابة درس عن ديكارت. ولذلك نقول إن الشك ليس تماما لا ادرية المعري وغيرهم من الشكاك. وهكذا جاءت لنا من ديكارت عبارات تبين لنا مختصر فلسفته. غير اننا نعطي للقارئ الكريم عبارة واحدة نعدها حجر الزاوية لكل فلسفته، الا وهي عبارة: افكر اذن انا موجود. علما بأن هذه العبارة جاءت اولا باللغة اللاتينية التي كانت لغدة الدراسة في زمن ديكارت، ثم ترجمت الى الفرنسية ثم الى لغات العالم الأخرى، ومنها اللغة العربية. اما اللغة اللاتينية فتقول: Cogito ergo sum كما جاءت بالفرنسية هكذا: Je pense donc je suis وجاءت باللغة العربية هكذا: أفكر اذن انا موجود. وقد قيل ايضا: افكر انا موجود، وذلك لإفهام دارس الفلسفة المعنى العميق لفلسفة ديكارت، حيث يكون العارف والمعروف حالة ذاتية غير موضوعية Subjective. فهل يا ترى عرفنا ما هو الانسان قليلا من نمط تفكيره العقلاني الفلسفي وتقلبات الفلسفات ومواكبتها للتغيرات الحضارية الى عالمنا؟

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

992 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع