القوانين الكونية التي تسود عالمنا الكوني والأرضي والإنساني القسم الخامس

                                                          

                             القس لوسيان جميل 

القوانين الكونية التي تسود عالمنا الكوني والأرضي والإنساني - القسم الخامس

تابع

ارتباط قوانين الكون: بدءا نقول ان اية معرفة بأحد قوانين الكون تتطلب معرفة جميع القوانين التي تهيمن على الطبيعة الكونية والطبيعة الارضية والإنسانية بأكملها، لأن هناك ترابط بين جميع هذه القوانين،او كثير منها Connexion des lois du cosmos. ولذلك حاولنا ان نفرد لكل قانون اساسي من هذه القوانين فقرة خاصة به تتكلم عن ذلك القانون وعن علاقته وتأثيره على القوانين الأخرى، مما يبرهن فعلا على ان" كوننا " حقيقة بنيوية وتماثلية واحدة، ولا يمكن ان يكون شيء في هذه الطبيعة الكونية من طبيعة تختلف عن الطبيعة الماديـة الكونية نفسها.
كل القوانين من عالمنا: ففي الحقيقة، وكما رأينا في الأسطر اعلاه، وبحسب قانون لافوازيه نفسه، لا يمكن لإله الانسان الا ان يكون الها انسانيا، يناسب طبيعتنا البشرية ولا يمكن لأنبيائنا سوى ان يكونوا انبياء من طبيعتنا البشرية، ولا يمكن ليسوع سوى ان يكون يسوعا انسانيا، بالحق والحقيقة، وليس بالمظهر فقط. ولا يمكن لمريم ام يسوع سوى ان تكون انسانة من عالمنا، وان كانت انسانة جليلة ومقدسة فوق الوصف. ولا يمكن لقديسينا سوى ان يكونوا قديسين انسانيين يتحلون بكل الصفات الانسانية النبيلة، هذا الى الدرجة التي فيها لم يعد للإنسان ان يتحمل قديسا غريبا عن عالمه.
بين الالهي والمقدس: لكي نفهم جيدا ما هو الفرق بين المقدس والإلهي، يصير لزاما علينا ان نقدم شرحا مقتضبا لكلمتي الإلهي والإنساني، ولا نكتفي بما هو شائع او قاموسي عن هاتين الكلمتين. غير ان الشرح المقتضب لهاتين الكلمتين: الالهي والإنساني، يتطلب ايضا فهم المعنى الفلسفي لكلمتين اخريتين هما: كلمة الانطولوجيا والأنثروبولوجيا، والقادمتين الينا من الفكر الفلسفي حصرا، ولاسيما من الفكر الفلسفي الأرسطي التوماوي، اي العائد الى توما الاكويني. فما معنى الانطولوجيا وما معنى الأنثروبولوجيا؟ اما الجواب فيقول ان الانطولوجيا كلمة مشتقة من اسم يوناني هو الانطوس اي الوجود، او بالأحرى الموجود بذاته وليس بآخر. وهكذا مثلا تكون الصفات العشر التي تدل على حال الموجود صفات ثانوية وعرضية في الفلسفة الأرسطية، وهي تستمد وجودها من الموجود نفسه L'être، في حين ان الموجود مستقل وقائم بذاته ( بحسب التعبير الفلسفي ) ولا يحتاج لوجوده اي وجود آخر. علما بأن الفلسفة الأرسطية التوماوية تأخذ بعين الاعتبار الوجود الجوهر، في حين انها لا تهتم كثيرا بأحوال الموجود العرضية.
الأنثروبولوجيا: اما الأنثروبولوجيا فهي كلمة يونانية ايضا تعنى الانسان في صفاته التي تجعل منه انسانا، وليس اي كائن آخر، في حين ان كلمة اومو Homo التي هي كلمة من القاموس اللاتيني، تعني الانسان ايضا، ولكن في صفاته الانسانية الجميلة مثل صفة السخاء وحسن الضيافة وحسن الكلام والتسامح وغير ذلك الكثير.اما لماذا يسمونها انثروبولوجيا، فذاك يعود الى طبيعة الانسان الذي لا يستطيع ان يعرف الأشياء بحد ذاتها، وإنما يعرفها من خلال قوى المعرفة الخاصة به: العقل الانساني والمشاعر، حتى اننا نستطيع ان نشبه القضية كلها بإنسان يضع نظارات ملونة، حيث يصير كل ما يراه ملونا بلون النظارات التي يضعها. اما في الحقيقة فان الانسان لا يضع نظارات تغير له لون الطبيعة، ولكن هو مزود بكل قوى المعرفة الانسانية الموضوعية Objective والوجدانية، التي هي قوى تعتمد على تحسس الأمور التي لا تخضع للعقل الموضوعي، حيث إن العالم هو عالم الانسان، وليس عالم غيره،حسب الفيلسوف كانط.
اهمية المعرفة الأنثروبولوجية: غير ان اهم ما يجب ان نقوله بخصوص الأنثروبولوجيا هو قدرة الانسان على تحويل Conversion كل الوجود، بما في ذلك الوجود الالهي، والوجود الذي يرى والذي لا يرى، الى وجود انساني، لكي يكون الوجود كله تحت سلطة الانسان المعرفية. غير ان معرفة الانسان تبقى على حالها، من حيث ماهيتها وجوهرها، لكنها تصير معرفة نسبية ( نسبة الى قوى الانسان )، اي انها تتحول الى معرفة انسانية او معرفة انسان، وليس معرفة اي كائن حي آخر.
لا يتغير شيء في معرفة الانسان: والجدير بالذكر هنا، ان معرفة الانسان لا تغير شيئا في ذات الموجودات المادية والروحية، وحتى الالهية، وإنما يصيب التحول والتغيير ذاتنا البشرية لا غير، حيث يبقى الموضوعي المادي موضوعا ماديا، ويبقى البعد بعدا والأعراض تبقى اعراضا، كما ان الالهي يبقى الهيا غير مدرك، يحتفظ بصفاته الالهية وبتعريفه الخاص به، ومنها ان المقدس يبقى بعدا مقدسا، والالهي يبقى وجودا غير مدرك يحوله الانسان الى وجود مدرك، بشكل انثروبولوجي.
النسبية التي تكونها الأنثروبولوجيا: في هذه الفقرة الفرعية نتكلم عن النسبية التي تكونها الأنثروبولوجيا. فأسرار Sacrements ديننا، ومن المؤكد اسرار اديان الآخرين، اسرار تتصف بالقدسية من دون ادنى شك. علما ان كلمة السر هنا، لا تعني الغيبية، ولكنها تعني العلامة المنظورة الكاشفة عن سر اية منظومة. غير ان هذه الأسرار لم يضعها الله، لا بل لم يضعها، حتى يسوع المسيح نفسه. فمن وضع الأسرار هم الرسل، وكلهم بشر مثلنا. اما خصوصيتهم فنابعة من كونهم صاحبوا يسوع معلمهم الكبير، لذلك لا يمكن ان تكون هذه الأسرار، سوى اسرار وعلامات مقدسة، وضعها البشر لكي يستطيعوا ان يتقربوا بواسطتها انسانيا من الههم الانساني.
التعود على النسبية: وبناء على ما تقدم، نرى ان على الانسان ان يتعود على النسبية الانسانية الأنثروبولوجية في كل شيء، الأمر الذي يتطلب الابتعاد الفلسفي والعلمي عن النظرات والفلسفات الانطولوجية، والتي غالبا ما تنقلب الى المعتقدات الغيبية والأساطير، ولاسيما في المجالات التقليدية الكنسية التي تحول الفكر القصصي والحضاري الى معتقدات غيبية وأساطير، وتفرضها على الناس باسم الايمان احيانا، وباسم السلطة الكنسية احيانا اخرى. ففي منهجيتنا الأنثروبولوجيا لا تتحول الأمور المقدسة الى امور الهية الا مجازا، مما يجب ان يمنع بعض اللاهوتيين من اعطاء صفة الالوهية لأية ممارسة دينية او فكر ديني، حتى اذا كان هذا الفكر مقدسا. فالأمور الانسانية تبقى خاضعة لقواعد وقوانين العالم الانساني، لكي يبقى العالم الالهي بعيدا عن استغلال البشر لإلههم، بينما تبقى الأمور الالهية خاضعة لقوانينها ايضا. كما ان التعود على النسبية الانسانية يعتمد على تعميد الفكر الكنسي لكي يصير مقبولا لاهوتيا وشعبيا.
اضافة: فإضافة الى الكلام اعلاه، نحن نعرف ان امور الله ثابتة لا تتحرك، في حين ان امور المقدس هي التي تتحرك وتتحول من امور مقدسة الى امور عادية Profanes والعكس صحيح، هذا التحول الذي اصبح مثبتا لاهوتيا وعلميا. . اما اذا سألنا لمـاذا تتحرك الأمور المقدسة ( وليس الالهية ) نجيب: لأن القدسية تأتي نتيجة " حاجة " انثروبولوجية مطلقة وغير متاحة، كما يقول علماء النفس. فإذا كفت هذه الحاجة عن ان تكون مطلقة او اصابها الوهن، لأسباب انسانية عادية، او اصبحت حاجة متاحة، او حاجة غير ذات قيمة، فان تلك القدسية القديمة، اما ان تزول بشكل كلي، او بشكل جزئي. فقد قرأنا مرة كيف كان العرب سابقا يتهكمون على آلهتهم الوثنية بقولهم: أآلهة تبول عليها الثعالب؟! علما بأننا يجب ان نميز بين الاحترام وبين القدسية كثيرا، كما نميز بين مبنى اي نص ديني وبين معناه العميق والبنيوي.
القدسية والحاجة الأنثروبولوجية: وعليه يكون من الواجب ان نعترف بأن الثوابت الانسانية، لا ترقى الى درجة القدسية سوى في حالات معينة، ولذلك ايضا فان هذه الثوابت تستحق الاحترام وليس التقديس، الا في حالات خاصة، عندما تصير هذه الثوابت حاجة انسانية انثروبولوجية مطلقة، تكتسب هذه الحاجة بالتدريج درجة القدسية،الى الدرجة التي تصبح فيها هذه الحاجة، حاجة مستقبلية، تبتدئ بالألف وتتجه نحو الياء، اي تتوجه من الألفا الى الاوميكَا. هذا مع امكانية ان تتراجع هذه الحاجة الى الوراء او تزداد اهميتها كثيرا او قليلا حسب الظروف وحالة الأشخاص: الأفراد او الجماعة. وعلى اي حال، فنحن لا تهمنا اوجه الله التي شملتها الازاحة الجدلية، ولكن نبقى نحترمها، لا بل نستفيد منها احيانا. . . ( اتكلم هنا عن العهد القديم خاصة ).
خوفنا اللاهوتي: اما خوفنا اللاهوتي الحقيقي، فهو ان نؤله انطولوجيا وبلا تمييز ما هو انساني، في حين كان يسوع يؤنسن ما كان اهل زمانه يعتبرونه الهيا لا يمس Tabou. هذا في الوقت الذي لم تعد هناك في المسيحية محرمات ( تابوهات ) لا تمس. ففي الواقع الحقيقي، وبحسب منهجيتنا، نرى ان يسوع انسان من طبيعتنا، حتى وان كان انسانا في قمة الانسانية، الأمر الذي مكنه من ان يكشف لنا وجه الله وإرادته علينا، وحاجة كل انسان الى الاله. علما بأننا لن نفهم هذا الكلام، حتى نقرر ان نعرف اسرارنا على ضوء الأنثروبولوجيا.
اللاهوت كلام انساني: وبناء على ما تقدم نرى ان اللاهوت كلام انساني نعده بمثابة مبنى الايمان الحضاري، وهو يعود الى الكاتب والى كفاءاته وحضارته، وليس الى الله الذي نحترمه فقط من اجل معناه وليس من اجل ذاته، كما نحترم قنينة العطر الثمين بسبب العطر الذي تحويه، وعلى مقدار غلاء هذا العطر وحاجة الانسان اليه، وندرة العطر. وهنا نعتقد اننا لا نضيف شيئا كثيرا في اضافة الصفة الأنثروبولوجية الالهية الى يسوع، والى الأسرار والكنيسة والشريعة وغير ذلك. ومرة اخرى نقول: يجب ان نميز بين الالوهية والقدسية، وبين العبادة والتقديس من جهة، وبين الاحترام من جهة اخرى. علما بأننا نرى ان التقديس والألهنة لا يضيفان شيئا كثيرا الى الاحترام والقدسية، لا بل ينقصان منها، حيث تضيف الالهنة الى المقدس الأنثروبولوجي الانساني كثيرا من الضبابية بسبب غيبيتها. غير اني هنا لا اوصي بالانقلابية المباغتة، بل على الكنيسة ان تدير تحولها الى العهد الجديد والفكر اللاهوتي الجديد بحذر، ربما كمـا يفعل في ايامنا قداسة البابا فرنسيس.
مطالب الناس المادية: والجدير بالذكر هو اننا نحن الذين تمرسنا بعلم الله، او اللاهوت، قد رأينا مثلا كيف يصلي مسيحيونا من الذين لم يعودوا يرون في السيد المسيح سوى وجهه الالهي الذي زيفته القرون الوسطى:الكنيسة والإمبراطور. وكذلك لم يعودوا يروا في الست العذراء مريم، وفي جميع القديسين، غير الوجه الالهي الغيبي، البعيد عن سائر البشر، مما يجعل صلوات هؤلاء الناس صلوات انانية ونفعية وخائفـة، لا بـل مرعوبـة احيانا كثيرة، في الحضرة الالهية، على اساس ان الله قادر على كل شيء، وانه يستطيع ان يضرهم او ينفعهم، وهم لا يعرفون ان الله لا يعمل شيئا لسد حاجات هؤلاء الناس البشرية المادية، حيث غالبا ما يشعرون بالخيبة امام اله لم يجب لمطالبهم، في حين انهم لو كانوا قد صلوا بنفس الحرارة من اجل ان تسموا انفسهم بالكمال الانساني الروحي، لكان قد استجاب لهم بالتأكيد، بشكل غير مباشر، عن طريق القوانين الانسانية الموضوعة في العلة الثانية، مثل ما يسمى بالإيحاء الذاتي، بشرط ان يتعاونوا مع الله في اعداد أنفسهم للكمال المطلوب.
حالنا مع الثوابت الأنثروبولوجية: وفي الحقيقة نحن نرى ان الثوابت الانسانية المطلوبة من كل البشر، تصبح وكأنها ارادة الله منقوشة او مطبوعة في حياة الانسان، ولكن علينا ان نعلم ان هذه الثوابت لا تأتينا من الباري مباشرة، اي لا تأتينا من العلة الاولى، بشكل مباشر، ولكنها تأتينا بواسطة العلة الثانية ( الكون وقوانينه )، وبواسطة البشر الذين يعودون هم ايضا الى العلة الثانية التي اخذت قوانينها من العلة الأولى، او الباري. علما بأن مثل هذا الكلام الذي يقترب من فلسفة ارسطو، يمكن استبداله بكلام علمي، او حتى بكلام ديني، اذا استطاع هذا الكلام ان يحتفظ بالمعنى الحقيقي للكلام الفلسفي، ولا يتحيز الى لاهوت جاءنا من القرون الوسطى.
دور التماثل: من المعلوم ان التماثل ليس هو التشابه فقط، ولكنه اكثر من ذلك. فالتماثل Analogie مصطلح فلسفي موجود منذ ايام الفلاسفة اليونان، وقد استخدمته الفلسفة التوماوية للكلام عن الله، ابتداء من الكلام عن البشر. كما يُستخدم التماثل في ايامنا كمصطلح فلسفي وحياتي يعود الى الفلسفة البنيوية، هذه البنيوية التي لم تعد مجرد فلسفة، ولكنها صارت قريبة من الأنثروبولوجيا، اي قريبة من علوم الانسان وقريبة من علم الحياة بشكل واضح، حيث لنا عودة خاصة الى البنيوية لإعطاء حقها.
حقيقة التماثل: فصحيح ان التماثل يعني التشابه، لكن هذا التشابه ليس تشابها فقط، ولكنه اختلاف وتعددية ايضا. كما ان هذا التشابه يعني وجود علاقة مشتركة ما بين المتماثلين، هي علاقة الأبعاد العائدة الى منظومة واحدة، ومنهـا الأبعـاد الوجودية نفسهـا، وأبعـاد المنشأ او الوظيفة المشتركة. فكلمة صحي مثلا كلمة متماثلة Analogique حيث نقول عن مناخ معين انه مناخ صحي وعن بيت معين انه بيت صحي وعن مستشفى انها مؤسسة صحية وعن الرياضة انها مفيدة وصحية الخ...
علما بأن كل صفة من هذه الصفات المذكورة وغير المذكورة ايضا، تختلف عن الصفة الاخرى، في كثير من الأوجه، في حين انها تتشابه كل هذه الصفات وغيرها من حيث انها تنفع صحة الانسان. وبما ان كل الموجودات هي عبارة عن منظومات بنيوية، فان كل بعد من ابعاد المنظومة يمتاز بأنه يأخذ حقيقته من المنظومة نفسها، اي من ابعادها مجتمعة في كل واحد، حيث يكون لكل بعدٍ الكلام الخاص به، كما انه يشبه الأبعاد الأخرى الموجودة في المنظومة ذاتها، بأنه يخدم المنظومة عينها، بمعنى ان الأبعاد المتماثلة هي ابعاد متكاملة ايضا.
تماثل الكلمة: بدءا نقول ان الكلمة هنا Logos ليست المفردة القاموسية فقط، ولكنها ايضا الفكرة التي تحملها الكلمة القاموسية، وهي العبارة التي تتألف من اكثر من كلمة مترابطة، كما هي النص والخطاب بكل اشكاله، هذا النص وهذا الخطاب الذي يمكن ان يحمل البشرى السارة للإنسان، او العكس تماما. هنا نرى ان تماثل الكلمة وبنيويتها( المبنى والمعنى )، هو اساس لكل حالات التماثل وبنيويته، لأن الكلمة هي البداية: في البدء كانت الكلمة... مقدمة يوحنا الانجيلي. ففي الكلمة بعدان اساسيان هما مبنى الكلمة ومعناها، اما هذان البعدان فمتكاملان ومتماثلان، ولذلك لا يمكن الكلام عن اي بُعد Dimension دون ان تتم الاشارة الى البعد الثاني. فـ/ بُعد المبنى يوضع في خدمة المعنى كما ان المعنى يتطلب من المبنى صيغة وصورة مناسبة تستطيع خدمة المعنى، وأداء الرسالة.
جدير بالذكر: والجدير بالذكر هنا هو ان الكلمة، لها امتداداتها في العبارة ثم في النص والخطاب الشفهي او المكتوب. كما اننا نستطيع تطبيق هذه الرؤية البنيوية على حالات كثيرة مهمة وأساسية، سواء كانت حالات ايمانية، ام كانت حالات الحب العادي ( غير المقدس ) Profane. غير ان استفادتنا من القانون البنيوي Structural تكمن في اننا نستطيع ان نقرأ بسهولة جميع كتبنا المقدسة المكتوبة في حضارة اخرى، ولا نجد اي احراج في ذلك، عند ممارسة التأويل عليها والتأوين، او " التحيين Aggiornamento. فالكتاب، ولاسيما الكتاب المقدس، يبقى كما هو لا يتبدل، في حين ان قراءة هذا الكتاب المقدس، مثل قراءة اي نص يتكلم عن الحب البشري الانساني، تسمح بكثير من التعمق والتعددية، ولاسيما وان اسس فعالياتنا هي الأسس الذاتية المبنية على المشاعر، هذه الأسس التي لها اسلوب تبشيرها، ولها متطلباتها ايضا، ولها حدودها.
الوجود السماوي والأرضي: بالحقيقة كان يمكن ان يكون هناك تماثل بين الوجودين السماوي والأرضي، لو كانت هناك علاقة طبيعية Naturelle بين هذين الوجودين. اي لو كان الوجود السماوي من طبيعة الوجود الارضي. وهنا نعمل استطرادا لنقول: نعم توجد علاقة بين الله والإنسان، لكن هذه العلاقة ليست علاقة انطولوجية، اي علاقة كينونة، لكنها علاقة انثروبولوجية، لكون هذه العلاقة تتم بين الانسان والرمز الالهي المقدس، الذي ينتج عن حاجة انسانية انثروبولوجية مطلقة، اي غير نسبية، تصبح بمثابة اوميغا يأخذ منها المؤمن تحقيق ذاته، واكتمالها بالكمال الانساني، كما تطلب دعوته الانسانية.
توما الاكويني: اما توما الاكويني، وربما استنادا الى فلسفة ارسطو، والى فلسفة الوجود من قبله،او فلسفة الكائن اليونانية de l'être Philosophie فقد كان يعتقد بإمكانية حدوث تماثل بين الوجود الالهي والوجود الأرضي الانساني، وذلك لأن توما كان يعتقد ايضا بأن فكرة الوجود تستطيع ان تحقق هذه الامكانية، بسبب شراكة الوجود الأرضي مع الوجود الالهي، في كلمة الوجود. غير اننا من جانبنا نرى، مع كثيرين، ان ما يسمى الوجود، وحتى ما يسمى الكائن، فكرة انسانية وهمية وذهنية، لا يمكن ان تكون اساسا للتماثل بين الأرضي والسماوي، وذلك لأن الوجود السماوي وجود مفترض، وغيبي الى اقصى الحدود. فما نعرفه نحن فلسفيا هو ان الوجود الارضي الذي وصل اليه توما الاكويني، هو فكرة مبنية على فراغ، طالما نعرف ان الوجود ا لمزعوم خال من اية صفة او لقب،غير لقب الوجود.
الوجود والتجريد والتماثل: فنحن اذا تتبعنا نشأة وتاريخ الفلسفة اليونانية، سوف نعرف ان فلاسفة الوجود ( وليس فلاسفة الوجودية ) وصلوا الى ما وصلوا اليه، عن طريق نفي كل الصفات التي كان الفلاسفة قد سبق وأعطوها للوجود: الماء مع طاليس، والمادة غير المحددة مع انكسامندريس، والهواء مع انكسيمانس، والنار مع هيروقليطس، والروح مع فلسفة المونادة الخلاقة مع الفيلسوف فيثاغورس وفلسفته شبه الرياضية.
وأخيرا وليس آخرا، نذكر الفيلسوف ديموقريطس مع فلسفة الذرة. من هذا التاريخ المقتضب جدا، والذي تكمله الفلسفات الحديثة والمعاصرة نلاحظ وجود حسم وتصاعد جميع هذه الفلسفات تقريبا، ليس نحو الروح، بل نحو شيء يسمى بالفلسفة "التجريد " Abstraction اي تجريد المنظومة المادية من كل الصفات التي تعطي الهوية الحقيقية للمنظومة المذكورة، من اجل الاحتفاظ بفكرة الوجود الخالي من اي وصف. ولكن هل بالحق والحقيقة يمكن لهذا الوجود الخالي من اية صفة مادية ان يحقق تماثلا مع الوجود السماوي، الذي نعرف حقيقة وجوده دون ان نعرف حقيقته الذاتية؟ نقول ونحن مطمئنين على صحة ما نقول، بأن هذين الوجودين لا يمكن ان يحققا اي تماثل ابدا.
متى يصح التماثل اذن: لكي نجيب بدقة عن هذا التساؤل: متى يصح التماثل اذن، يكون علينا ان نفهم، بأن اي تماثل يحدث، انما يحدث فقط بين الأشياء الأرضية، ومن ذلك الانسان، في حين يكون التماثل بين الأشياء الأرضية وأي وجود سماوي مستحيلا، سواء جاءت هذه الاستحالة من جانب الله نفسه، او جاءت من جانب الانسان. فالتماثل بالحقيقة، يمكن ان يحدث بين وجود ارضي ووجود آخر ارضي مثله، وذلك لأن التجريد الذي نعمله على الوجود ليس سوى تجريد ذهني، في حين يبقى الكائن الأرضي باتصال دائم مع صفاته المادية، حيث اننا لا نجد في عالمنا سوى منظومات باتصال دائم مع ابعادها التي يتم تعريف الكائن من خلالها.
ولذلك نستطيع ان نقول ان التماثل Analogieيحدث في عالمنا الأرضي، في كل منظومة من منظومات الوجود والمنظومات الأخرى الأكبر منها او الأصغر منها، كما يحدث داخل كل منظومة بين ابعاد المنظومة نفسها، هذه الأبعاد التي تتوحد داخل كل منظومة، وتتميز عن بعضها البعض من اجل ان يقوم كل بعد بوظيفته الخاصة به. وهكذا تتحقق وحدة الوجود المادي وتعدديته، ووحدة المنظومات مع ابعادها الكثيرة، كما تتحقق وحدة الوجود المادي مع وجود الروح، هذا الروح الذي لم نعد نرى فيه روحا منفصلا عن مادة ارضنا، التي منها جاء عالمنا الانساني، وليس من اي مكان آخر.
ويقينا ان العامل المشترك هو عامل المادة، وحيث نجد التعددية La pluralité داخل المادة نفسها، التي تقدم لنا نفسها بكل صورها المختلفة، نتيجة تنوع Diversification هذه المادة، وتعدد صفاتها، وهي تتصاعد افقيا وعمودية تصاعدا مستمرا، لا هوادة فيه، نحو الاكتمال، كما يخبرنا بذلك علم الحياة La biologie. هذا في حين ان التماثل بين الالهي والبشري غير ممكن لاختلاف الطبيعة الالهية عن الطبيعة البشرية المادية. هذه الطبيعة التي لا تتحمل اضافة الصفات والفضائل البشرية اليها، حتى وان نفيت عن هذه الصفات والفضائل البشرية صفات النسبية والمحدودية والنقص، وأجريت عليها ترقية لتصعد الى مقام المطلق.
بعض الاستطراد: فتوما الاكويني يعرف ان الهوة بين السماوي والأرضي كبيرة وعميقة، لكنه مع ذلك، يقول بوجود علاقة تماثل Analogie بين " الوجود الأرضي " والوجود السماوي. فالتماثل بالحقيقة لا يقوم، لا على وحدة المنظومات المادية فقط، ولا على تعددية Pluralité ابعاد المنظومات وحدها، لكنه يقوم على الاثنين معا. اي على وحدة ابعاد المنظومات وتعدد هذه الأبعاد في آن معا. اما التماثل في نظر توما الاكويني فيستند الى فكرة الوجود الوهمية، هذا الوجود الذي يراه توما مشتركا بين الله والبشر. ولكن كان على توما ان يعرف بأن كلمة وجود تبقى كلمة وهمية ما دام هذا الوجود غير معرف من قبل المادة التي يستطيع الانسان ان يستوعبها.
مكمن وهم الاكويني: وبما ان توما كان يعرف جيدا حقيقة لجوئه الى فلسفة الوجود، فقد عمد، كعادته في امور كثيرة مستعصية، الى اختراع عبارة تقع بين الوجود الانساني والوجود الالهي لكي تسهل له ملء الهوة بين الالهي والأرضي. فقال ما معناه ان فكرة وجود ما سماه قدرة المطاوعة Puissance obédientielle عند الانسان، تسهل وصول الانسان الى معرفة الله، وردم الهوة بين ما هو الهي وما هو انساني. علما ان كلمة القدرة هنا تترجم بالفرنسية بكلمة Faculté. وهكذا يرى الاكويني شرعية نسب الفضائل الانسانية الى الله غير المدرك، وبهذه السهولة!
نحن وتوما الاكويني: قد يقال لنا بأننا نحن ايضا نأنسن الله، فبماذا اذن تفرق منهجيتنا عن منهجية توما الاكويني؟ غير اننا بالحقيقة نختلف عن الاكويني، في ان توما يعطي لله كينونة غير حقيقية بإضافة الصفات البشرية اليه، بعد ترقيتها الى المطلقية، الأمر الذي نراه مجافيا للحقيقة ومسيئا الى حقيقة الله، في حين ان منهجيتنا ترى ان التغيير يحصل في الانسان انثروبولوجياً وليس في الذات الالهية نفسها، حيث يكون التغيير ذهنيا، من اجل الدراسة حسب. ولذلك نبقى نقول نحن بحسب منهجيتنا بأننا لا نعرف شيئا كثيرا عن طبيعة الهنا، باستثناء انه موجود وأنه وجود عاقل، ونتردد بالقول انه شخص الهي.
تماثل الوجود الأرضي والكوني: وبناء على ما تقدم، يمكننا ان نستخدم الأنالوجيا لنصل الى معرفة الوجود الكوني من خلال معرفة الوجود الأرضي، سواء طبقنا قاعدة التماثل هذا على البنى الكبرى Macro structures،او طبقناها على البنى الصغرى والمجهرية والروحية، Micro structure وكذلك اذا طبقناها على ما يسمى البنى التحتية Infra structures والبنى العليا Supra structures المعرفية، حيث ستبقى هذه البنى المذكورة بنى مادية لا تفنى ولا تستحدث، مهما تنوعت وتباينت صورها، ومهما كانت هذه الصور متحولة الى صور اخرى. ولذلك نقول تقليدا لهارون الرشيد: ايتها المادة ( الغيمة ) امطري اينما شئت، فان خراجك يعود الى كوننا والى عالمنا. فاطرحي اذن، ايتها المادة، واجمعي وقسمي وتصرفي تصرفا بنيويا او تصرفا ديالكتيكيا ( جدليا )، فانك لن تستطيعي ان تغيري طبيعتك المادية.
فلسفة قريبة من البديهيات: غير اننا هنا سوف قدم فلسفة لا تتناقض مع العلم، لتكلمنا عن الباري ( العلة الاولى ) La cause première، هذه الفلسفة التي، بخلاف فلسفة توما الاكويني، لا تنسب الى الله صفات بشرية تشبيهية Anthropomorphiques، لكنها سوف تقول بوجوب ان تكون العلة الأولى ( الباري ) موجودة، لكي يفهم الانسان سبب وجود العلة الثانية، اي الكون. اما في غير ذلك فلا تقدم لنا الفلسفة اي شيء آخر عن العلة الأولى. ربما باستثناء ما قاله احد الفلاسفة المحدثون من إن الله هو الوجود، وان الكون وما فيه هو اعراض هذا الاله. ولكن مع ذلك لا ابصم بالعشرة على هذه الفلسفة. فالله بالحقيقة، يكسر كل قواعد منطق البشر العقلاني الفلسفي، وحتى العلمي منه، لأن الله هو الله، كما قيل في الستينيات، ولا تعريف له غير هذا التعريف. فهنا بالحقيقة يشعر الانسان، بما نسميه في هذا الكتاب، بالإعياء او القصور العقلي، او الاعجاز، لكون الله "عصيا " على ادراك الانسان: الله لم يعرفه احد قط... انجيل يوحنا.
نبقى على قناعتنا الأولى: ولكن وبصراحة، نحن نفضل ان نبقى على قناعتنا الأولى التي تقول ان الله هو الله ولا نعرف عنه شيئا، سوى انه موجود. ولكن اذا نفينا ان يكون الله شخصا عاقلا، او كلي العقل، ونفينا إن يكون عقلا، على اساس إن هذه الصفات صفات بشرية ولا تعطينا شيئا مهما اذا نسبناها الى الله، وأبقينا له صفة الوجود وحدها، فإننا سنقع في الافتراض الذي يقول بأن الكون ازلي، وموجود مع وجود الله، كما قال بذلك بعض الفلاسفة القدماء، لا بل نقع في احتمالية فكرية اخرى تقول ان الكون نفسه هو الله، ولكن هنا ايضا نبقى في المجهول.
متاهة فكرية: وهكذا، علينا ان نلاحظ بأننا اذا سدينا ثغرة فكرية، تواجهنا ثغرة فكرية اخرى او اكثر، حتى اننا نجد انفسنا في متاهة Labyrinthe فكرية ضبابية يصعب الخروج منها، طالما ان القول بعدم وجود الله لا يحل لنا اية مشكلة، ولا يخرجنا من هذه الضبابية. مع كل ذلك يبقى علينا ان نحاول التكلم عن الله بشكل مقبول ومناسب ومعمق، لكي نستطيع ان نتكلم عن الانسان بشكل فكري معمق ايضا. وان شاء الله سوف نفعل ذلك، ولاسيما من خلال مقال مستقل بعنوان: العلة الأولى والعلة الثانية. هذا وسنفرد ايضا مقالا نبين فيه بعض القوانين التي تظهر في الوجود الانساني، مثل قانون البنيوية وقانون الجدل وغيرها من القوانين الأساسية والفرعية. علما اننا نسمي جميع هذه القوانين والموجودات التي تظهر فيها هذه القوانين بالظاهرة.
انتهى المقال

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

971 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع