قصة قصيرة - وحيداً في براغ

                                                   

                 سيف شمس الدين الالوسي 

قصة قصيرة - وحيداً في براغ

على جسر تشارلز او كما يسميه البعض بجسر كارل الذي يربط جانبي مدينة براغ قاطعاً نهر الفلتافا، يهيم ذلك الفتى الوحيد وسط الجماهر المحتشدة من شتى العالم، حيث الضوضاء تملأ المكان ولغات تتمازج بأذنه كمذياع قد تداخلت فيه أكثر من موجة وبدأ بنقل محطتين إخباريتين مختلفتين.
وقف ذلك الفتى مذهولاً لما يراه من فن العمارة حيث الآثار القوطية منتصبة بإرجاء المدينة والتماثل لسيدنا المسيح تزين حافتي الجسر عالنة بمدى قوة دينه في يوم من الأيام. تأمل ذلك البرج القوطي الذي ينتصب ببداية الجسر مرحباً بمن يؤمه، كأنه شاهداً على ما مضى وما سيمضي. شاهد الاحبة وهم يضحكون طرباً بسفرتهم التي ستؤرخ أيام حبهم الذي لا ينسى، ناظراً اليهم مبتسماً وفرحة حزينة تخالج قلبه كأنه أًماً سعيدة بارتباط إبنها لكن ذلك الفرح حزين لأنها تعرف انه سيعيش بعيداً عن أحضانها.
جر نفسه ماسكاً بيده ليتجول مع شخصه الذي أصبح مع مرور الايام صديقاً حميماً وقريباً من قلبه، كم سهرمعه وسامره، كم آنسه بأيام وحدته التي لا تنتهي. حدث نفسه بحديث لا يسمع فصخب المكان جعله صامتاً متأملاً سحر المدينة وسحر صمته معاً.
كان لا يزال يحدث نفسه قائلاً :
--- فهل يا ترى ما الذي يدع الانسان للعيش وحيداً ؟
--- يمكن ضعف في شخصه ؟
--- لا، لا أتصور ذلك، بل يمن لخجل غير مرئي ؟
--- وهل تعتقد ذلك !؟
--- ربما ولِمَ العجب ؟
--- العجب هو أن نكون محط أنظار وإعجاب الآخرين لكن محض سخرية في جلباب قد تعود أن يكون بغير مقاس صاحبه أو بعيدا جداً كبعد القلب عن فؤاده.
--- وكيف يكون البعد من أقرب القريبين ؟
--- وهل تعتقد بأن البعد في المسافات والأزمان ؟ لا، أنت مخطئ إن ظننت ذلك، الحياة لا تبنى على المسافة أو الوقت، الحياة هي تعيش البرهة بلحظاتها، فمهما إبتعدَت عنك تبقى تشم نسيمها.
--- ويكف ذلك ؟
--- سأخبرك بالأمر، ألم تصعد اليوم الى برج الساعة الفلكية؟
--- بلا .
--- ألم تزر مكتبته العجيبة ؟
--- بلا.
--- إنها إحدى فنون العصر الباروكي، هذا العصر الذي أعطى فنوناً حتى اِستطاعوا من العيش معنا الى اليوم، فأنت قد أتيت من قرية نائية بعيدة ومن زمان أبعد لتحط قدماك على أرض لم تكن قد تتصورها في يوم ما ولكي تسمع أصوات أزاميلهم، فقد أحسست وعشت معهم. وكذلك اليوم قد جالست شاعرك الجواهري عندما ارتدت مقهاه المفضل (كافيه سلافيا). ألم تره ما زال جالساً يكتب أشعاره ؟
--- بلا، شاهدته وهو يكتب وقد قطعت أحلامه لكن لم ينزعج عندما عرف بأني غريب مثله ومن نفس الأرض التي نفتنا عن وجودها حتى قال لي إجلس فقد أتيت من مكان لا يشبه الاماكن الأخرى، إنسى كونك في يوم ما قد رعيت الأغنام، إنسى كونك في يوم ما قد اصطدت السمك، في يوم ما قد نمت وأنت تتضور جوعا. فنحن يا بني قد نشأنا لكي نحيى في منفى المنفى. عش حياتك وأسمع أصوات من سبقوك وليسمع صوتك من سيأتي بعدك. فقلت له وهل سأبقى كعازف البيانو هذا يجلس يومياً أمام مفاتيحه متناغماً معها.
--- وماذا قال لك ؟
--- لم يقل لي أي شيء، ولم أسمعه بعد فلقد ابتعد عني حتى تلاشى في اللاوجود. أخذت بعضي ومن ثم عدت الى الجسر الذي يحاكي كل مفاصل جسدي فوجدت هناك عازفة كمان حسبتها من عصور قد تلاشت، فقرصت جسدي لكي أشعر حقاً هل أنا على قيد الوجود أم ذهبت نحو الماضي.
--- هو كان الماضي، كل شيء مبني عليه والفتاة كانت منه لتخبرك أن من يبني يبقى حياً. قل لي ! هل تشعر بالجوع ؟
--- نعم، اَتضور جوعاً، لكن لا أعرف ماذا يجب أن نأكل ؟
--- لا تقل نأكل، بل آكل. أنسيت هو أنت أنا وأنا أنت ؟
--- نسيت ذلك حقاً، فالوحدة جعلتني أشعر بأني شخص آخر يود التحدث والخروج معي.
--- لا عليك كل ما هنالك هو يجب ان تأكل وتبتسم .
--- لقد أضحكتني، نصحتني بأن لا أقُل نحن بل أنا وأنت الآن تُخاطبني بأنت ولم تقل يجب أن آكل. ألا نسيت هو أنت أنا وأنا أنت فمنذ أن التقيت بك وهكذا نحن. ولا سبيل من نطق والهروب من نحن، فلا يجب أن تعيش وأعيش لوحدنا فمن دون المجتمع لا توجد حياة.
براغ / التشيك

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

406 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع