الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - أنا وأبي – رحمه الله

أنا وأبي – رحمه الله

                                             

                     حسن ميسر صالح الأمين

أنا وأبي – رحمه الله

بعد الإنتهاء من نشر سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها ، طلب مني العديد من الأصدقاء التعريف بشخصية والدي رحمه الله وسيرة حياته ، بعد اطلاعهم وقراءة ما كتبه ويكتبه على الدوام أصدقاء الوالد من خلال تعليقاتهم الكريمة وذكره والإشادة به ، وتلبيةً لرغباتهم ، أنشر في مقالي هذا وأقول عن والدي :
هو (ميسر بن صالح بن أحمد أفندي بن مصطفى جلبي الأمين) ولد بالموصل بتاريخ (1935 /6/4) وأكمل دراسته الإبتدائية في كركوك حيث كان والده رحمة الله موظفًا فيها ، ثم أكمل دراسته المتوسطة متنقلاً بين مدن كربلاء والرمادي وأربيل ، أما مرحلة الدراسة الإعدادية فقد قضاها في مدينتي الديوانية والموصل .
دخل الوظيفة لأول مرة عام (1955) حيث عين في دائرة النفوس في الموصل وفي عام (1957) أستقال من الوظيفة ليكمل دراسته في كلية الطب في تركيا ولكن ظروف الحياة القاسية أبت عليه أن يحقق طموحه هناك ، إذ لم يحالفه الحظ للاستمرار بالدراسة لأنه قفل راجعًا بعد قيام ثورة الشواف بالموصل عام (1959) واستشهاد (اعدام) شقيقه الملازم (مظفر صالح الأمين) في ساحة أم الطبول في بغداد ، ليقوم بمسؤولية عائلته ، فقد عين بُعيد عودته في متصرفية الموصل فترة من الزمن ثم انتقل إلى جامعة الموصل عام (1965) فعين محاسبًا في شعبة الأمور المالية في مديرية حسابات الجامعة واستمر بالعمل فيها حتى وفاته في ( 1976 /8/9) .
وصفه عديد من الأقارب والأصدقاء والجيران وزملاؤه في العمل ، بأنه رحمه الله كان صبوراً ، هادئ الطبع ، واثق الخطى ، حاسم الرأي ، شديد السرعة في إتخاذ القرار الصائب ، عطوفًا حنونًا على أولاده وإخوته ، كان يمضي معظم أوقات فراغه في المطالعة والبحث وتصفح الجرائد والمجلات واقتناء الكتب وشرائها .
عكست الظروف الأليمة والسائدة وقتئذ والتي لحقت بالعائلة طيلة الأعوام (1963 - 1959) ، سلبًا على حياته الدراسية ، حيث أُجبر على ترك الدراسة وتسديد كل الالتزامات المالية المترتبة عليها وعن مكوثه في اسطنبول ، وآثر على نفسه اكمال دراسته في كلية الطب في إسطنبول وعاد الى الموصل ليتولى تربية ورعاية عائلة وأبنة أخيه (الشهيد مظفر صالح الأمين رحمه الله) والتي كان عمرها آنذاك لا يتجاوز الشهرين ، وتزوج والدتي (رحمها الله) من بعد عمي (مظفر رحمه الله) لهذا القصد وتلك الغاية ، وبقيت (أختي الكبرى) تحمل أسم والدي (ميسر) منذ ذلك الحين وطيلة دراستها في مدرسة الوطن الإبتدائية ، فما ان وصلت إلى الامتحانات النهائية في الصف السادس الابتدائي ، الأمر الذي يتطلب أن تكتب أسمها الصريح والصحيح في دفاتر الامتحانات الوزارية وقتئذ ، فما كان من الأهل إلا إخبارها بحقيقة الأمر وهي أنها أبنة العم الشهيد (مظفر صالح الأمين رحمه الله) وتم ذلك ، علمًا أن (اختي الكبرى) كانت تنادي (والدي) بكلمة (بابا) منذ نشأتها وحتى وفاته .
كان للمرحوم والدي هواية المطالعة والتأليف في المجالات الأدبية واللغوية واللهجات وتتبع الآثار والتراث وسبب اندفاعه في هذا المجال هو ايمانه العميق بتراث أمته وبقدرتها على تخطي محنتها بالرجوع إلى ذلك المعين الذي لا ينضب من ذلك التراث الخالد كما يُفهم من كتاباته ونشاطاته ، وقد أختص رحمه الله بجمع كل ما يهم عن مدينة الموصل لما لها من مكانة كبيرة في نفسه ، وله كتابات أدبية وتاريخية ولغوية عديده منشورة بأعداد مختلفة من مجلات (الجامعة والأقلام والرسالة الإسلامية ومجلة النبراس وغيرها) وكان آخرها مقال في مجلة الجامعة عنوانه (نظرات في لهجة الموصل على هدي لغة التراث) ، وكان ما يميزه في الكتابة والبحث هو دأبه المتواصل حيث كان يضطر أحياناً إلى استنساخ مخطوط بأكمله في سبيل الحصول على المصادر الأساسية التي كانت عونًا له في البحث عن الحقيقة ، حيث سار رحمهُ الله على نهج والده وجده أحمد (رحمهّما الله) في اقتناء الكتب ومطالعتها إلى أن صار له مكتبة غنية بالكتب الأدبية والدينية والاجتماعية والفقهية والمراجع المختلفة والتي نهل منها كل ما يحتاجه في مؤلفاته المخطوطة والتي كانت معدة للطبع ولكن حالت المنية دون ذلك وهي :
1- أعلام المؤلفين الموصليين (منذ القرن الأول الهجري) .
2- اللهجات العربية .
3- تاريخ ولاة الموصل في العهد العثماني منذ سنة(1000 هجرية) حتى الاحتلال البريطاني للعراق .
كان رحمه الله أحد أعضاء جمعية التراث العربي في الموصل وعضواً مؤسساً لها وعضو الهيئة الإدارية فيها والتي تأسست في حزيران عام (1973) بعد الحصول على موافقة مديرية الجمعيات بوزارة الداخلية على طلب التأسيس بكتابها المرقم (809) في (20 أيار عام 1973) ، هذه الجمعية التي تعمل على التعريف بالتراث العربي والإسلامي على نطاق القطر وعلى الصعيدين العربي والعالمي ، وكان رحمه الله أحد الموقعين على الطلب المشار إليه من ضمن عشرة من الشخصيات الموصلية المعروفة بعطائها العلمي والثقافي وهم (الدكتور محمد صديق إسماعيل الجليلي ، أحمد علي سليمان الصوفي ، سعيد أحمد محمد الديوه جي ، صلاح الدين عزيز سعيد ، ميسر صالح أحمد الأمين ، يوسف ذنون عبد الله ، هشام أحمد مصطفى الطالب ، محمد علي ألياس العدواني ، الدكتور محمد قاسم ، محمد نايف محمد الدليمي) ، مرفق صورة لأعضاء الهيئة التأسيسية للجمعية .
أهدى في حياته رحمه الله إلى مكتبة أوقاف الموصل ، خزانة مخطوطات تزيد عن (300) مخطوطة متنوعة مسجلة باسمه في خزانة رقم (39) وموثقة بكتاب رئاسة ديوان الأوقاف المرقم (11791 في (1973/4/28) والرسالة التحريرية بخط يد الوالد والموجهة إلى السيد مدير مكتبة الأوقاف العامة بالموصل في (1973/5/12) المتضمنين تسلم مكتبة الأوقاف بالموصل لـ ( 150 و 100) مخطوطة على التوالي ، ثم أعقبها بـ (50) مخطوطة أخرى ، وأهدتهُ مكتبة الأوقاف على أثرها نسخة من القران الكريم المكتوب بماء الذهب والمحفوظ لدى العائلة الان (مرفق الكتاب والرسالة) .
كان رحمه الله يولي لمكتبته الشخصية القدر الكافي من الإهتمام والترتيب ، حيث كانت الكتب موضوعه في مكتبته الخاصة في البيت وهي عبارة عن غرفة زجاجية متكاملة تحتوي على رفوف عدة وذات باب مقفل في سرداب البيت (الرهرة) ، تتمتع بالنظافة والتنسيق وكان يقضي معظم وقته جالسًا فيها ويستقبل أصدقاءه داخلها حيث كنا (أنا وأخوتي) نهرع لفتح الباب بعد أن يرن الجرس وإذا بأحد الأساتذة الأفاضل من أصدقاء الوالد ، إما أن يكون الأستاذ الفاضل (يوسف ذنون ، سعيد الديوه جي ، أحمد الفخري ، أحمد قاسم الجمعة ، محمد نايف الدليمي ، كوكب الجميل ، عبد الحميد التحافي ، عبد الحليم اللاوند) وآخرين غيرهم ، وكنا نصحب الضيف الزائر إلى (الرهرة) ليجلسا سويةً ومن ثم الدخول في مناقشات ومواضيع بينهما وكنا نسارع إلى تقديم الشاي أو القهوة للضيف ومن ثم يخرجا سويةً للسلام والتوديع وهكذا يتكرر الأمر يوميًا ، حيث كان يخرج صباحًا إلى عمله في جامعه الموصل ويعود ظهراً وبعد الراحة والنوم قليلًا ، ينزل الى رهرة البيت ويدخل مكتبته وهكذا بصورة يومية ، وعلمتُ فيما بعد أنه كان لأساتذته تأثير كبير على توجهه نحو العلم والمعرفة ومن ابرز هؤلاء مُدرسه في اللغة العربية الأستاذ الشاعر (محمد عبد الله الحَسُّو - رحمه الله) وكذلك الشاعر وأستاذ اللغة العربية (ذو النون الشهاب - رحمه الله) .
أذكر ملياً وإخوتي معي ، أنه عندما حلت كارثة فيضان الموصل عام (1974) ، كان رحمه الله وبشكل مستعجل وقلق يقوم بحمل الكتب من (الرهرة) والصعود بها إلى الطابق الأرضي وكان يطلب منا (رجال ونساء) الاستعجال فيناول أحدنا الآخر ما يحمله من كتب وتدّخل الجيران وقتئذ للمساعدة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه منها ، وكان قد طلب منا رحمه الله نقل وإنقاذ الكتب فقط وترك جميع المواد الغذائية والسجاد الموجود وغيرها من مستلزمات البيت التي كانت مركونة في الرهرة ، وما أن وصل مستوى المياه فيها إلى الدرج الرابع والخامس صعوداً حتى صعب الخوض لحمل المزيد من الكتب ، فاذا بالكتب تطفو فوق المياه ، فقام رحمه الله بسحب الكتب مستخدمًا عود من الخشب طويل (كان مخصصًا لقطف الثمار من حديقة البيت) ويقوم بوضعها وهي مبللة في مكان آمن ويقطر الماء منها ومعالم الحزن والألم الشديد تقطر من جبينه وتظهر في محياه .
قام رحمه الله بعدها بإعادة ترتيب الكتب ووضعها في محلها الجديد في غرفة الضيوف (الخطار) وقام بإعادة تجليد المتضرر منها وإعادة ترميزها وترقيمها وكنا نساعده ، وكان يقوم بقراءة القران بجوارها وكان يطلب مني الجلوس بجانبه والأصغاء اليه ، واعاد الكثير مما فقده من كتب خلال الفيضان قبيل وفاته عام (1976) ، ويُعلل الكثيرين أن ذلك الحدث المؤلم المتمثل بخسارته للكتب جراء الفيضان هو ما تسبب في بدء مرضه حتى وفاته من شدة حزنه وتأثره عليها ، وبقيت الكتب في مكانها هذا الى أن تم نقلها الى مكتبة جامعه الموصل عام (2006) .
له رحمه الله من الأولاد كل من أحمد (مهندس إستشاري - معماري ) ومحمد (مقدم فني في الجيش) وحسن ( مهندس إستشاري – كهرباء - وهو كاتب هذه السطور) ، عملوا جميعاً على المحافظة على مكتبة والدهم (والتي يعود تاريخها إلى قرن من الزمان ) طيلة (30) عاماً خلت ، ونتيجة للظروف التي آلت إليها الأوضاع عام (2003) وما تعرضت له مكتباتنا القيمة ، فقد قاموا عام (2006) بالتبرع بهذه المكتبة المُعمّرة إلى المكتبة المركزية في جامعة الموصل والتي عمل فيها المغفور له إلى أن وافته المنية كوقف شخصي عائد له .
توفي رحمهُ الله يوم (9/ آب/1976) على أثر نوبة قلبية وهو في سيارة خالي (عبد السلام الكركجي رحمه الله) عندما كانا متجهين إلى محل (ريفولي) في شارع غازي بعد أن خرجا سويةً من اليوم الثالث لمجلس عزاء جارنا العزيز الجد (عبد المجيد العمري- رحمه الله) من دارهم اللصيق لدارنا ، وأوصلني وإخوتي إلى محل العم (عبد الوهاب حفظه الله) في منطقة سوق الشعاريين ، وبعد أقل من ساعتين من الافتراق ، رن جرس الهاتف وأتصل الخال ليخبر العم بضرورة الاستعجال واللحاق به إلى المستشفى التي وصلها والدي مفارقًا الحياة بعد شعوره بألم مفاجئ في صدره ، واصطحبنا العم (عبد الجواد رحمه الله) إلى البيت بصحبة والدتي رحمها الله في تلك الليلة الظلماء ، وجرى له مراسيم تشييع ومجلس عزاء كبير ، حضره أعداد غفيرة من منتسبي الجامعة والمسؤولين فيها ومسؤولي المحافظة واصدقائه وزملائه وكتبت عنه الصحف والجرائد في اصداراتها وبأعداد مختلفة ، حيث نعته جامعة الموصل وجمعية التراث العربي ونشرت مجلة الجامعة خبر وفاته و نبذة عن سيرته بعددها في (تشرين الأول عام 1976) (مرفق نعي الجامعة) ، ثم أقامت جمعية التراث العربي حفلاً تأبينياً بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاته وألقيت فيه العديد من الكلمات والقصائد التي أشادت بالمغفور له وبدوره في مدينة الموصل ، فقد ألقى (الأستاذ الدكتور أحمد قاسم الجمعة - حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية) كلمة جامعة الموصل ، ثم أعقبه (الدكتور محمد نايف الدليمي - رحمه الله) بإلقاء كلمة جمعية التراث العربي ، ثم ألقى بعدها الأستاذ الشاعر (صلاح الدين عزيز - رحمه الله) قصيدة رثاء بعنوان ((أمن يذوب الخوف في محرابه)) ، وألقى الأستاذ (زهير صالح جلميران حفظه الله) كلمته بهذه المناسبة ، وختم العم العزيز (عبد الجواد صالح الأمين – رحمه الله) كلمته متوجهًا بالشكر والتقدير للقائمين على هذا التأبين وللحاضرين والمشاركين في كلماتهم (مرفق نص الكلمات) .
وبعد الأحداث الأليمة التي شهدتها مدينتا العزيزة – الموصل – وما تعرضت له مكتباتنا الغراء عام (2003) وعملاً بالحديث النبوي الشريف (اذا مات الأنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) وشعوراً منا بالذنب الكبير في احتكار الكم الهائل من أمهات الكتب التي تركها والدي العزيز رحمه الله في مكتبته الشخصية وحجبها عن الآخرين ، والتي بقيتُ أحافظ عليها وأعتني بها مع أخوتي (أحمد ومحمد) ما يزيد عن (30) عامًا خلت ، ولأهمية المكتبات وضرورة رفدها والإسهام في إعادة رونقها وبريقها ، ففي العام (2006) قمت بمراجعه المكتبة العامة في الموصل ، حيث أن له خزانه لبعض من الكتب هناك والتي كان رحمه الله قد أهداها لتلك المكتبة في حياته ، وقمت أيضًا بمراجعه مكتبة الأوقاف العامة في الموصل والوقوف على خزانته الشخصية المودعة هناك وقمت بمراجعتها وإضافة لمسات عليها وتحديث المعلومات عنها وتقديم صورة شخصية له للإدارة لوضعها بجوار الكتب (بناء على طلبهم) ، بعدها قمت بمراجعه المكتبة المركزية لجامعه الموصل ولقاء السيد أمين المكتبة وقتئذ (الدكتور ناصر الملا جاسم) وبعد سلسلة من اللقاءات ، تم الاتفاق مع الجامعة بعد لقائي بالسيد رئيس الجامعة (الدكتور أبي الديوه جي) على قيامي بإهداء المكتبة الشخصية لوالدي (كوقف شخصي عائد له رحمه الله) ، وكنا قد رفضنا جميع العروض التي طُرحت لغرض شراء الكتب وتحويل ملكيتها سواءً الى أسم المكتبة المركزية في الجامعة أو لأشخاص ومؤسسات أخرى ، وتم الاتفاق مع رئيس الجامعة وأمين المكتبة على افتتاح قاعه باسم قاعه (المرحوم ميسر صالح الأمين) والإعلان عن ذلك في مجلة الجامعة التي كانت تصدر في حينها وفي باقي الصحف والمجلات وكذلك في قناة الموصلية وقتئذ واجراء احتفال ترعاه الجامعة بمناسبة الافتتاح ، وبعد الشروع بالتنفيذ وتخصيص القاعة المنوه عنها انهالت العديد من العوائل لتحذو حذونا في رفد المكتبة المركزية بالكتب الشخصية وإيداعها في نفس القاعة المخصصة للمرحوم والدي ، الأمر الذي أضطر إدارة المكتبة المركزية إلى افتتاح شعبة وليست قاعه فقط سميت بإسم (شعبة الخزانات الشخصية) مقسمة على رفوف وأجنحة تتصدرها المكتبة العائدة لوالدي رحمه الله ، وطلبت مني الجامعة إعداد ملف شخصي لوالدي يُودع بجوار الكتب فيها عن سيرته وأعماله فقمت بإعداد كتاب عن والدي رحمه الله مع عمل جدارية كبيرة مع صوره له ووضعها بجوار الكتب وأصبحت سُنة حسنة يعمل بها الآخرون الذي تبرعوا بالكتب من بعدي ، (مرفق نص الرسالة) المعنونة الى السيد أمين عام الكتبة المركزية في جامعة الموصل بتاريخ (2006/1/5) بخصوص إهداء المكتبة .
أما عن الكتب التي كان رحمه الله يروم بطبعها وحالت المنية دون ذلك فهي موجودة وبالحفظ والصون وعملتُ جاهداً مع إخوتي بالحفاظ عليها وحاولت مراراً وتكراراً أن أقوم بطبعها ولكن حالت الظروف دون ذلك فقد تركت الموصل عام (2006) لأسباب لا تخفى على القارئ الكريم ومعلومة لديكم ، ولنا كامل الرغبة والطموح الشديد في مواصلة ما أنتهى منه الوالد العزيز وأن نقوم بطبع هذه الكتب الثلاثة ، فبعد محاولات العمين العزيزين (عبد الجواد صالح الأمين رحمه الله و عبد الوهاب صالح الأمين حفظه الله ) في القيام بذلك واستكمال جهود الوالد بعد وفاته مباشرة ، كانت لظروف الطباعة وشروط النشر وقتئذ عائقًا في تحقيق ذلك ومن بعدها الدخول في دوامة تشابه العناوين وتوافر الكتب المماثلة والترشيق في طباعة الكتب والاقتصار على الورقيات وغيرها من الأسباب وصولًا الى التعذر بسبب الورثة والقاصرين فتركت الكتب الثلاثة على حالها في قلب المكتبة الشخصية في الدار كما تركها الوالد رحمه الله .
نشر الأستاذ الدكتور (ابراهيم العلاف حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية) في مدونته في العام (2009) وفي موقع مركز النور للدراسات والأبحاث ، مقالًا عن والدي تحت عنوان (ميسر صالح الأمين والتراث العلمي والأدبي في الموصل) قال فيه : (((حين كتبت بحثي (جمعية التراث العربي 1973 – 1984 ، فصل من تاريخ الموصل الثقافي) والمنشور في مجلة أوراق موصلية بعد حصولي على وثائق وأوراق هذه الجمعية من الأستاذ الكبير (يوسف ذنون) ، استذكرت معه ومع بعض الأصدقاء المرحوم الأستاذ (ميسر صالح الأمين) وتراثه العلمي والأدبي ، فالأمين كان واحدًا من مؤسسي هذه الجمعية بل وضلعًا رئيسيًا فيها ، وقد أكد لي الأستاذ يوسف أنه والأمين كانا وراء فكرة تأسيس الجمعية ولا أبالغ إذا قلت إنني حين علمت بوفاة المرحوم الأمين يوم (9 آب 1976) حزنت كثيرًا ، فالرجل كان في عز عطائه وحيويته ، فلقد خدم جامعة الموصل ، وكان أحد أبرز موظفيها اللامعين كما كان باحثا ومثقفا من الطراز الأول .
عرفت المرحوم الأمين مطالعا متميزا ، ومتتبعا دقيقا لآثار وتراث الموصل وقد اهتم مع زميله يوسف ذنون ، بالمخطوطات وكون مكتبة عامرة زاخرة بالمخطوطات التي أهداها فيما بعد إلى مكتبة الأوقاف ، سمعت بأنه يَعّدُ معجما للكتاب والمؤلفين الموصليين وقد أعطاني شخصيًا استمارة معلومات ذاتية وعلمية لكي أقوم بملئها تمهيدًا لإدخالي في هذا المعجم ولكن المنية لم تمهله طويلا .
قرأت له مقالات وبحوثاً عديدة في مجلة الجامعة التي كانت تصدرها جامعة الموصل وآخر مقال كتبه بعنوان (نظرات في لهجة الموصل على هدى لغة التراث) وكانت له مقالات أخرى في صحف ومجلات موصلية ، كتب عن (أدباء الموصل) و (أعلام المؤلفين في الموصل) و (تاريخ ولاة الموصل منذ العهد العثماني حتى الاحتلال البريطاني) ، لكن ما كتب لايزال مخطوطًا وحبذا لو تقوم بعض المؤسسات العلمية بنشر تلك النتاجات ، كان غيورًا على تاريخ الموصل وعلى تراث الموصل ، ويغتنم كل فرصة لكي يخدم هذه المدينة المعطاء ، رحمه الله وجزاه الله خيرا على كل ما قدمه - انتهى المقال))) ، ومرفق طيا رسالة الشكر التي ارسلتها الى الدكتور ابراهيم العلاف بهذا الخصوص .
ثم نشر الأستاذ الدكتور (ابراهيم العلاف) بتاريخ (2015/11/21) مقالًا آخر عن والدي العزيز ضمن موضوع المكتبات الشخصية قال فيه :
(((ومن مكتبات الموصل أو قل من الكتاب والأدباء الذين اهتموا بتكوين مكتبات شخصية ، الصديق المرحوم الأستاذ (ميسر صالح الأمين- توفي 1976) ، وكان من المهتمين بتاريخ وتراث الموصل وأتذكر جيدا أنه كان يحرص على أن يكون في مكتبته أي مصدر ومرجع عن تاريخ الموصل وشعر الموصل وأدب الموصل ولي عن الأستاذ (ميسر صالح الأمين) مقال منشور في النت وأنا أنشر سلسلة المقالات عن المكتبات الشخصية وأُذكر بها وأدعو إلى القراءة وحسن اقتناء الكتب تسلمت رسالة من الأخ المهندس (حسن ميسر صالح الأمين) يقول فيها أن ورثة الأستاذ (ميسر صالح الامين) تبرعوا بمكتبته الى المكتبة المركزية العامة في جامعة الموصل وأن خزانة خاصة باسمه قد ضمتها كما هو الحال في المكتبة العامة في الموصل وفي ما يلي نص الرسالة مع عدد من الصور ومنها الصورة المنشورة الى جانب هذه السطور :
((السلام عليكم دكتور ابراهيم وحفظكم الله من كل سوء وبارك الله بك فيما تكتب وتنشر وتتابع للأحداث وتسعى بكل ما أوتيت من جهد لتوثيق الحقائق الصادقة بصدق كلامكم وحسكم القيم وفي ذلك تبصير لكل من حلت عليه الغشاوة أو تغاشى عمدًا جحودًا ونكرانًا ، وأنا أتصفح وأتابع وبصوره يوميه نتاجكم وإبداعكم غير المحدود أستوقفني ما سردته في مقالتكم القيمة عن المكتبات الشخصية وأهميتها وما تحويه من أمهات الكتب والمصادر فوجدت نفسي في دائرة الإلحاح وفي عجل من أمري لأذكر لجنابكم الكريم أنه وفي مطلع عام (2006) أقدم الدكتور (ناصر عبد الرزاق الملا جاسم) (أمين المكتبة المركزية في جامعه الموصل – آنذاك) على استحصال موافقة رئاسة جامعة الموصل (الأستاذ الدكتور أبي الديوه جي) على افتتاح قاعه خاصة ب (المكتبات الشخصية) العائدة لشخصيات أدبية وثقافيه من أهالي مدينة الموصل ، وقد بذلتُ والدكتور ناصر جهودا مضنية في الإعداد والترتيب والتنسيق حتى تم إيداع المكتبة الشخصية للمرحوم والدي (ميسر صالح الأمين- رحمه الله ) , فقد تم تسليم المكتبة ما مجموعه (1254) كتابًا متنوعًا وبواقع (721) عنوان وأن جميع الكتب بحالة جيدة جداً وجميعها تعود إلى ما قبل عام (1976) ( سنة وفاة الوالد رحمه الله ) ومنها ما تم تأليفة قبل قرن أو أكثر من الآن – وكنا وقتئذ في سباق للبدء في إيداع الكتب وإعداد السيرة الذاتية لأصحابها – ولقد سبقتني في ذلك عائلة المرحوم الأستاذ (حازم الصراف) حيث كانت مكتبته مرتبة وجاهزة للنقل ثم مكتبة والدي (ميسر صالح الأمين) وتلتها مكتبة المرحوم الأستاذ (منهل جبر - مدير آثار نينوى) ثم مكتبة المرحوم الأستاذ (عبد الحميد التحافي) واعقب ذلك مكتبة الدكتور المرحوم (فخري الدباغ) – رحمهم الله جميعاً - وقد عاقت بعض الظروف أمر اجراء مراسيم الافتتاح الرسمي لهذا القاعة والإعلان عنها وحسب الاتفاق مع الدكتور ناصر وقتئذ – بعدها بشهر تركتُ الموصل وكنت ُعلى تواصل دائم مع الدكتور (ناصر الملا جاسم) وكان يغدق علي بالمعلومات عنها ويرسل صورًا توثيقية لحالها مع أخواتها الأخريات .
سيدي الفاضل – مرات عديدة تشير في مقالاتكم النيرة على أسماء بعض الكتب وأعود فوراً الى الفهرس الخاص بالكتب المسلمة للمكتبة المركزية فأجد أسم الكتاب ومؤلفه من ضمن هذه الكتب فينتابني الشعور بالفرح والسرور ، ولقد أسدى لنا الكثير بالنصح في بيعها أو الإتجار بها ، لكنني آثرت وأخوتي أن تكون تحت اسم الوالد وفي مكان يليق بها فكان له أسم في مكتبة الأوقاف العامة ، وكذلك في المكتبة العامة بالموصل ، فكان قرارنا بأن تكون في المكتبة المركزية لجامعه الموصل وهي دائرة عمله ووظيفته حين توفاه الله عام (1976) .
مرفق صور عدد (4) للمكتبة الشخصية لوالدي والتي أرسلها لي الدكتور (ناصر الملا جاسم) في أحد الإيميلات المتبادلة بيننا ، عذرا سيدي الكريم عن الإطالة وأتمنى منك الإشارة إلى قاعة المكتبات الشخصية في المكتبة المركزية لتأخذ استحقاقها في النشر ولتعم الغاية المرجوة في إيداعها هناك ولك مني وافر الإحترام والتقدير .
( توقيع : المهندس حسن ميسر صالح الأمين ، دبي في 2015/11/15 - انتهى المقال والرسالة)) .
وقد عقب الأستاذ الدكتور (ابراهيم العلاف) قائلًا : (وأنا أقول للصديق والأخ المهندس الأستاذ حسن ميسر صالح الأمين أن المكتبة بالحفظ والصون وهي مرجع للباحثين وطلبة الدراسات العليا والحمد لله وبارك الله به وبكل من يقدم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية ...ابراهيم العلاف - انتهى الاقتباس))) .
ويسرني أن أرفق صور لعدد من الإيميلات المتبادلة مع الدكتور (ناصر الملا جاسم) مع الصور المرسلة منه بهذا الخصوص ولسنوات متعاقبة ، حيث كنت على تواصل دائم مع المكتبة المركزية في جامعه الموصل للاطمئنان على حالة الكتب وفي كل زياراتي للموصل كنت أقوم بالذهاب الى المكتبة ومشاهدتها والسؤال عنها .
وعقب الأستاذ الدكتور (أحمد الحسو - حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية) لدى مشاركته مقال الدكتور العلاف أعلاه على صفحته الفيسبوكية قائلًا :
(((أعدنا أدناه نشر ما كتبه الأستاذ الدكتور ابراهيم العلاف في مدونته عن مكتبة المرحوم ميسر صالح الأمين ، ويسرنا هنا أن نقدم للقراء صورة لهذه الشخصية الموصلية الكريمة التي لا تنسى ، يقول الأستاذ الدكتور أحمد الحسو عن المرحوم ميسر : ((هناك من الشخصيات من لا يفارقك أثره ولا تغيب عنك ملامحه ، هادئ لا يعرف تصنعًا ، عارف لا يتوقف عمّا يزيده علمًا ، يعمل صامتًا ولا يطيق عن العمل بعدًا ، تصغي إليه فلا تستمع منه إلا خيرا ، يفيض وفاءً في كل جوانب حياته ، بيد أن وفاءه للموصل التي أحب ولتراثها كان هو الأكثر فيضًا ، كان صديقًا حميمًا جمعتنا وأياه مقاعد الدراسة وذكريات مرحلة أتسمت بحيويتها ، عشق المرحوم ميسر المعرفة وأمم حياته لها وأحب الكتاب فلم يغادر عوالمه ، عاش في ظل مكتبة عامرة في بيته وكان أكثر ما تراه اذا ما غادر بيته متجها الى مكتبة أو خارجًا منها يختلط بعلمائها وأدبائها ولعل أجمل ما احتفظنا به - نحن أصدقاءه - كيف كان يجلس بحميمية مع كتاب أو مخطوط يحنو أحدهما على الآخر ، بل أن حبه لمكتبات أم الربيعين جعله يضع في كل منها مكتبة (خزانة) باسمه ، تحية إجلال وإكبار الى رجل غاب عنا مبكرًا وهو في قمة عطائه .. كان آخر لقاء لي معه قبل وفاته وقد أطلعني إبَّانَهُ على ثلاثة كتب له كنا نفكر سوية بضرورة نشرها ، وقد أعلمني نجله المهندس الفاضل حسن ميسر أنها لمّا تزل بعد غير مطبوعة ، عسى أن نرى نتاجات الرجل الطيب منشورة يوما ، تغمد الله الصديق العزيز الأستاذ ميسر صالح الأمين بالرحمة والرضوان) .
وأدلى الأخ العزيز الأستاذ (محمد فرقد جميل) بالتعليق الكريم التالي لدى مشاركته أصل المقال على صفحته الفيسبوكية قائلًا : (((إنه من جيل الطيبين والأصلاء الرائعين من أبناء موصل الحضارة والتاريخ والأدب والتراث الخالد العريق من الذين أعلوا أنفسهم وأبنائهم ومن عاشرهم وكذلك مدينتهم بمفاخر الثقافة والعلوم وبسيادة المحبة والألفة وبحب التنور من مناهل الكتب فكانوا منائر للخير والرقي وإنه لمن دواعي فخرنا واعتزازنا أن نكتب بحق أناس قد نكون لم نعرفهم عن قرب بحكم الزمن ولكن عرفنا نتاجاتهم المثمرة ومن خلال معرفتنا بأبنائهم النجباء والمخلصين من أمثال صديقي العزيز الأخ الفاضل الأستاذ (حسن ميسر صالح الأمين) الذي هو خير خلف لخير سلف وعرفنا بهم أقرانهم من الأوفياء الشرفاء أمثال الدكتور الفاضل (أحمد الحسو) والدكتور (إبراهيم العلاف) وبذلك ساهما في التنويه إلى قامة ثقافية واجتماعية راقية أنارت دروب الحياة في مدينتنا في ذلك الزمن الجميل الذي كان ، رحم الله الأستاذ الفاضل (ميسر صالح الأمين) الذي كان صديقا لعمي المرحوم (كوكب علي الجميل) وأسكنه فسيح جناته وجزاه الله خيرا على حبه للخير والثقافة والآداب وعلى حسن سيرته النقية وجعل البركة والعمر المديد في أبناءه الكرماء ليسيروا على دربه ومكنهم الله من أن ينشروا تراثه وعبق أصالته بما يحملون من قيم وأخلاق ومعان طيبة))) .
وعقب الدكتور (جاسم محمد جرجيس ) قائلًا : ((رحمه الله وأسكنه فسيح جناته – كان قامة موصلية سامقة)) .
وأدلى الأستاذ الدكتور (عبد الوهاب العدواني) بالقول : ((أتذكره جيدًا رحمه الله ، صديقنا القديم في الموصل وجامعتها (ميسر صالح الأمين الموصلي) ، كان مؤرخًا موصليًا ضليعًا ، وعارفًا بأعلام الموصل ومصنفاتهم – رحمه الله) .
وعلق الأستاذ الفاضل (معن عبد القادر زكريا) بالقول : ((رحمه الله تعالى و أسكنه فسيح جناته ، لقد عملتُ مع المرحوم أبي أحمد حوالي (5) سنوات في دائرة واحدة ، وفي غرفة واحدة ، لقد كان رجلاً مُخلصاً في عمله ، هادئاً رزيناً ، باحثاً يحاولُ الوصول إلى نتائج في بحثه ، ويملُكُ من الصبر الشيء الكثير ، لقد أدى واجباً وطنياً وأخلاقياً في هذه الحياة ، قام بواجبه التديني خير قيام ، غفر الله له ما تقدم وهو خير الراحمين)) .
وعقب الأستاذ الدكتور (سمير بشير حديد) قائلًا : ((ألف رحمة على روح الأستاذ ميسر صالح الأمين الذي أقترن اسمه بالكتب والمخطوطات لما كان يوليه من حب وشغف القراءة والثقافة واقتنائه أمهات الكتب والمخطوطات النادرة والتي أهداها الى المكتبة الشهيدة في جامعة الموصل ، شكرًا الى الأستاذ الدكتور احمد الحسو ، لهذا التوثيق المهم في هذه المرحلة الصعبة والمهمة ونرجو من جميع المؤرخين والكتاب التوثيق ثم التوثيق ، وحفظ الله نجله المهندس حسن ميسر الذي يسير على نهج والده) .
وقال الأستاذ الدكتور (حسيب الياس حديد) في تعليقة : ((الأستاذ الفاضل ميسر صالح الأمين رحمه الله من الكواكب التي أفلت من عائلة الأمين وهو الذي أفنى حياته في سبيل هذه المدينة العريقة)) ، وغيرها الكثير .
بتاريخ (2017/1/17) نشرتُ مقالًا يتضمن اعادة نشر نص الرسالة التي سَلمتُ بموجبها المكتبة الشخصية لوالدي العزيز رحمه الله في العام (2006) أي بعد (30) عاماً عن وفاته ، ومن الحفاظ عليها ومراعاتها والخوف عليها من أن يمسها اي سوء ، قائلًا في هذا المقال : (((واليوم أعيد نشرها ، رثاءً لها ولأمهاتها من الكتب بعد أن نالها ما نال المكتبة الأم في جامعة الموصل ، التي احتضنتها وشقيقاتها من المكتبات الشخصية التي تبرع بها البعض من عوائل الموصل تسنناً بما صنعتُ في حينها وتم وضعها في قسم خاص أُطلق عليه قسم الخزانات الشخصية وتعيين كادر متخصص لإدارة شؤونها إدارياً وتنظيمياً وحسبنا الله ونعم الوكيل على الأوباش الدواعش الأنجاس وعلى كل من كان السبب فيما جرى ويجري لمدينتنا العزيزة ، وحفظ الله الموصل وأهلها وعجل بالفرج القريب والتحرير الكامل لها وحمى ونصر قوات الجيش الباسلة التي تتولى التحرير الآن ، ولا عدوان إلا على الظالمين ونفوض أمرنا إلى الله إن الله سميع بصير والسلام عليكم))) .
وقد أجبت الأستاذ الفاضل (طارق متعب الجبوري) على مقترحه القيم في تعليقه عندما قال ((رحمة الله على والدك وأجرهُ من الله مستمر والبركة بكم وسيعوض الله خيرًا وأنا سأقترح علنا أن توضع على أبواب المكتبة الجديدة بأذن الله ، لوحة شرف لكل من كان لديه مكتبه وأحرقها الأنذال مع هذه شهادتك)) ، بالتالي : (بارك الله بك أستاذ طارق متعب على مشاطرتنا الحزن التي لا يعلمه إلا الله الذي انتابني لجل ما حصل لمدينتي العزيزة الموصل ولرجالاتها وإرثها وأمجداها فكانت مصيبة المكتبة آخرها ، ونسال الله أن تكون خاتمة الأحزان على الموصل ، والله يا سيدي الفاضل لو تعلم كم تم مساومتي على بيعها بأموال باهظة كما فعل الآخرون أو التصرف بها منذ عام (1986) ولحد تاريخ إهدائها للمكتبة المركزية في جامعة الموصل عام (2006) ولكن ارتأيت إبقاءها تحمل أسم الوالد كصدقة جاريه رغم كل المغريات والعروض من أشخاصٍ وجهات حكومية شتى ، مقترحك الوجيه على العين والراس علماً أنني قد وضعت جدارية كبيرة بقياس ( 120*80 سم) وتحمل صورة شخصية للوالد رحمه الله مع سيرة حياته وتم وضعها بجوار الكتب في قاعه الخزانات الشخصية ، رحم الله والديك وأمواتك وحفظكم والأهل ومن تحبون من كل مكروه وتقبل تحياتي وشكري) .
وقال الأستاذ المحامي (علي الديوه جي) في تعقيبه ((ليس غريبًا ما فعلتموه أخي حسن وليس غريبًا عليكم التأثر بما حصل من حرق ولو أنني على ثقة تامة بأن محتويات المكتبة قد سرقت وأن الحرق كان لأجل إخفاء معالم الجريمة رحم الله والدكم وما فعلتموه أنتم هو من باب البر بوالدكم وجعلتم مكتبته صدقة جارية له وهذا أيضا ما فعلوه والدي وأعمامي مع مكتبة المرحوم جدي وإن شاء الله سنقوم أنت وأنا وغيرنا بتزويد المكتبة وإعادة أسماء آبائنا وأجدادنا وستبقى أسمائهم كما كانت ، دمت بخير)) ، وكان لي الرد التالي : (جزاك الله خيراً أستاذ علي الديوه جي على مواساتنا بهذه الكلمات المؤثرة النابعة من تفهم مُعمق لمجريات الأمور والأحداث وما تلاها وجله سوادٌ في سوادٍ في سوادِ ، نسأل الله أن يُعجل بالفرج والنصر والتحرير لنتمكن سوية مع الخيرين أمثالك في إعادة الصروح الهاوية التي دمرها الأوباش الدواعش الأنجاس ونالت البشر والحجر والطير والشجر والكتاب والعلم والثقافة والأدب ودمت سالماً معافى وتقبل تحياتي وتقديري وسلامي للوالد الكريم وحفظكم الله جميعاً) .
وعلق الأستاذ الفاضل (معتصم ممدوح الغضنفري) بالقول : ((الحزن حق لنا جميعا و لكن ، إن من طبع الأصلاء وأنت وعائلتك الكريمة منهم ، أن نقابل التحدي بتحدي أكبر ، أن نحارب الجهل بالعلم والسطحية بالثقافة ، والنسيان بالتذكر ، لذا واقعنا بات واقعا فهو التحدي ، وعلينا مواجهته بقوة وسرعة ، سنعيد شراء الكتب واستنساخها بشكل يبين وجه أهل الموصل الحقيقي والناصع ، وسنعيد أسماء الشخوص ومنهم والدك الكريم ، لان صراعنا بعد الصراع العسكري هو الصراع الفكري والثقافي وكلنا له ، أدامك الله أصيلا وقامة ، ونبيلا وقمة ، وشريفا وقيمة أستاذنا حسن ميسر صالح )) ، وكان لي التعقيب التالي : (الله يبارك بك أستاذ معتصم ممدوح الغضنفري على كلامك المعبر على تصورك الكبير لحجم الحزن الذي انتابني من جراء هذا الفعل الهمجي ، كلماتك يا سيدي كانت بلسماً يحاكي الألم لجراح على ماضي بعيد ممتد إلى الآن فما بين هذا وهذا جهود مضنيه بذلت وكانت نشاطات دؤوبة لغرض رفد المكتبة المركزية بما يسد النقص الحاصل نتيجة ما حصل لها في عام (2003) وكان التوفيق من الله فجعلتها وقفاً شخصياً وتحت اسم الوالد رحمه الله ليبقى اسمه بين أورقتها وتبقى الكتب صدقة جاريه يُنتفع بها رغم الكثير من اللوم والعتاب الكبير على تصرفي هذا حيث أمتنعت وأخوتي على بيعها أو الإتجار بها كما فعل الكثير رغم المغريات التي قدمت وقتئذ وما سبق ، بوجودكم ونفسكم الوطني العراقي الأصيل والغيور ستكون الأيادي متكاتفة والقلوب صافيه والأصوات صادحة وسيعلو البناء والعمران وسنعيد للموصل بهاءها ورونقها وستشهد عصرًا ثقافياً وعمرانياً بكافة الإتجاهات والاختصاصات بأذن الله تعالى وعونه وقبل هذا لابد من تنظيف الموصل من مخلفات ما حدث وإزالة أسباب الحدوث ولا يصح إلا الصحيح ومن الله التوفيق والسداد ، جزيل الشكر على إطرائك الجميل وأنتم الأحسن في الوفاء والمحبة للموصل ولكم نشهد ، دمت سالماً معافى وتقبل احترامي وتقديري) .
وكان الأستاذ الدكتور (أحمد الحسّو) الأمين العام لمكتبات جامعة الموصل سابقاً ومؤسس مكتبة الجامعة المركزية في مرحلة تحديثها ثم انتقالها إلى المبنى الجديد بين سنتي (1980 -1973) ، قد نشر وأعلن بتاريخ (2017/1/20) الحداد في أعقاب ما أصاب المكتبة المركزية من خطب جسيم ، وقد وعد في صفحته على الفيس بوك (النافذة الحرة) بنشر كل ما يخص تاريخ هذه المكتبة وقام باستحداث صفحة جديدة باسم (مكتبات الموصل الأكاديمية والعامة والشخصية) بإشرافه وبمشاركة مكتبيين ممن عمًلوا في المكتبة المركزية ، وقد ابتدأ بنشر حلقات عن الخزانات الخاصة بهذه المكتبة لتلك الأسر الموصلية ألتي حملت أمانة الثقافة والمعرفة وحرصت على أن تسهم في رفد المكتبة وبناء مجاميعها على أثر ما أصابها عام (2003) ، وقد خُصصت الحلقة الأولى عن مكتبة المرحوم (ميسر صالح الأمين) (والدي العزيز رحمه الله) مع السيرة الشخصية له وبعضًا من المراسلات والكتب الرسمية في هذا الصدد ، وقال في مقدمته القيمة عن الموضوع ((لم تكن المكتبة المركزية لجامعة الموصل تقدم خدماتها لطلبة الجامعة فحسب ، بل كانت على تواصل مع أدباء المدينة ومفكريها والطبقة المثقفة بشكل عام ، من هنا فقد تسارعت الأسر الموصلية لاستحداث خزانات خاصة بها وبخاصة في أعقاب تعرضها لأعمال تخريبية كالذي حصل سنة (2003 م) ، وسناتي في مقالات تالية على ما أسهمت به أسر موصلية عديدة في هذا المجال ، وها نحن نبدأ بخزانة المرحوم الأديب (ميسر صالح الأمين)) ، وقد كان لي التعقيب التالي ضمن فقرات الكلام لدى مشاركة المقال على صفحتي الفيسبوكية : (أقول صادقاً أنني كنت أتمنى أن يكون إسمي محفوظًا بجوارها مع اسم الوالد رحمه الله وتتعاقبه الأجيال والأحفاد فيما بعد كصدقة جارية وعلماً يُنتفع به ولكن شاءت الأقدار أن الصدقة الجارية منها تتوقف وأن العلم الذي ينتفع به يُحرق ، وبقي الولد الذي أتمنى أن يكون صالحًا ، وأنه ليَعد بأن يرفد المكتبة بمصادر وكتب علمية تعوض عن بعض مما فقدته ، فوالله أقولها بملء الفم والمشاعر يا ليتني رحلت وبقت المكتبة تَدرُ نفعاً على الآخرين ولله الحمد أن فهرس أسماء الكتب وتفاصيلها محفوظ عندي الآن وسأقوم بنشرها تباعاً وفي الوقت المناسب لها وأشهد الله أن أربعه شهور من الجهود المضنية والتنسيق المتواصل مع الأستاذ الدكتور (ناصر الملا جاسم) ، (أمين عام المكتبة المركزية في حينها) والتي آتت أُكلها وأفضت نتيجتها بافتتاح هذا القسم في المكتبة المركزية قبل ما يزيد عن أحد عشراً عاماً وهو قسم الخزانات الشخصية فكان الباب مفتوحاً لباقي العوائل في السير على النهج ذاته وأثبتت المكتبة مكانتها المرموقة بفترة زمنية قليلة فكانت معينًا غَدقاً لطلبة الدراسات ورواد المكتبات وطالبي العلم والثقافة ، أنا على يقين مطلق أن الجامعة التي أنشأت المكتبة والأسر التي ساهمت ببناء مجاميعها المكتبية وأسرتنا وأنا منهم ، قادرون على إعادة بناء المكتبة من جديد واننا والجامعة قبلنا سنفعل مُتحّدين الظروف جاعلين ما ألمَ بنا دافعاً لنا لتقديم المزيد ، لقد كنت على تواصل ومتابعة مستمرة لها وعن أحوالها ولغايه أحدات انقطاع الاتصالات في الموصل الذي فرضة الدواعش ، اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى وحسبنا الله ونعم الوكيل على كل من كان السبب فيما جرى وتجري به المقادير) .
ورد إسم الوالد رحمه الله في العديد من الكتب والمقالات المنشورة منها على سبيل المثال لا الحصر : (الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط – عن مؤسسة آل البيت) ، (مخطوطات الموصل والمصير المجهول بعد داعش – مهند مبيضين – جريدة الحياة) ، (كتاب - السير البهية لشخصيات موصلية – تأليف الدكتور ابراهيم العلاف عام 2008) ، (موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين – تأليف الأستاذ الدكتور عمر الطالب) ، (موسوعة الأسر والعائلات الموصلية – تأليف الأستاذ أزهر العبيدي) ، مقال عن (مخطوطات العراق و أحداث الإحتلال : دراسة استكشافية - الدكتور ماهر ياسين الفحل) ، (نفائس المخطوطات في فهرس المخطوطات لأوقاف الموصل – محمد بن حسن العراقي) ، (فهرس مخطوطات مكتبة الأوقاف في الموصل – المرحوم سالم عبد الرزاق الطائي) ، (كتاب المخطوطات المفقودة في مكتبة الأوقاف بالموصل – الدكتور رائد الراشد) ، (مقال عن الحملة العالمية على الموصل – تدمير المخطوطات والنوادر - دراسة مشرقية) ، (كتاب المكتبة الوقفية – تأليف الأستاذ عمر القطان) ، (مقال أدركوا مكتبة الأوقاف في الموصل - صرخة يطلقها الشاعر وليد الصراف – موقع شاعر المليون) ، (موقع ويكيبيديا ، الموسوعة الحره) ،( مقال – المكتبات بعد تدمير داعش لها – موقع البوابة نيوز) ، (مقال - ديوان جامعة الموصل – الدكتور ابراهيم العلاف ) ، مقال عن جمعية التراث العربي في الموصل – الدكتور ابراهيم العلاف) ، مقال عن التنزيلات الموصلية – الدكتور ابراهيم العلاف) ، (مقال عن كتاب - رحمة الأمة في اختلاف الأئمة – سلطان بن هده السويدي - الإمارات العربية المتحدة ) وغيرها الكثير .
سادتي الأكارم ، لا بد لي من أذكر واحدًا من التعليقات الكريمة والعديدة الذي أدلى بها الأستاذ الدكتور (أحمد الحسو) على مقالة الدعاء للموصل ولأهلنا هناك والمنشورة في الفيس بوك ، والذي غمرني فيه ببالغ الاعتزاز والسرور في شهادته القيمة حين قال في تعليقه ((الأخ العزيز الأستاذ حسن : عندما قرات كلماتك تجاه الموصل في يوم محنتها ، تذكرت والدك الكريم الصديق والاخ والزميل والذي كان مجبولًا بحب الموصل وحب المعرفة ، ووجدتك فيه ووجدته فيك ووجدتكما في حبكما لمدينة الوصل ، حفظك الله ورحم والدك مع شكري لك وتقديري أ.د. احمد الحَسُّو)) ، وأحمدُ الله وأشكرهُ الذي أنعم علّي ومكنني من الوصول إلى معظم أصدقاء الوالد رحمه الله وزملائه في حياته والتعرف إليهم والجلوس معهم (أطال الله في عمرهم جميعًا) أو أبنائهم لمن رحل منهم (رحمهم الله) ، ومنهم من هو تاج على الرأس وقدوة ومثل عليا من أصدقاء الفيس بوك ومنهم كذلك في خارجه ولا بد لي من ذكر بعض المواقف التي تعكس بوضوح تام لا لبس فيه مدى ما ينعمون به من وفاء لا نظير له حيث أن منهم من أرسل على الخاص مستفسرًا (هل أنت أبن فلان الذي كان يعمل في جامعة الموصل) ، ليصبح أخًا كبيرًا وعمًا غاليًا وصديقًا عزيزًا فيما بعد وهم كثر وبارك الله بهم جميعًا ، وفي شهادة أخرى عن المكتبة المهداة وظروفها وقتئذ ، هي رسالة التعريف التي ارسلتها مشكورًا الأستاذ الفاضل الشاعر (حسين رحيم) على الخاص عند ارساله طلب الصداقة حين قال : (اخي حسن ، انا اعمل في المكتبة المركزية وكنت اول من استقبل مكتبة والدك المرحوم ميسر الأمين ، قرأت سيرته في الجناح الخاص به في المكتبة وتمنيت لو كنت قد التقيت به رحمه الله ، اخبرني الدكتور ناصر الملا جاسم عنك وعن والدك وعن الكتاب الذي قمتَ بإعداده ، وتحدث عن اخلاقكم وتعاملكم الجميل مع المكتبة ، انا كنت مشرفًا على جناح المكتبات الخاصة ، اعلم انه كان هناك احتفال بافتتاح المكتبة لكنه اجل بسبب الظروف) .
أما الأمور التي لعبت الصدفة فيها الدور الكبير في لقاء أشخاص أعربوا عن فرحهم وسرورهم بلقائي وقاموا بذكر الوالد حُسنًا وطيبًا ولا بد لي من ذكرها توثيقًا لجميلهم وملقاتهم ووفاءً مني تجاههم وتجاه أصدقاء الوالد الأجلاء فهي :
في العام (1986) ، كنت أعاني من ألم في الرأس (صداع مستمر) فقمت بمراجعة (الدكتور عبد الهادي صالح ) في عيادته في شارع نينوى بالموصل ، وبعد الحجز ودفع المبلغ (5 دنانير) الى السكرتيرة وأخذ رقم بالدخول ، وبعد أن دخلت الى الدكتور وقام بالفحص والتشخيص ، أخرج قلمه ليكتب لي وصفة الدواء فسألني عن الأسم فقلت له (حسن ميسر صالح) ، والله العظيم ترك القلم وأخذ يتمعن بي ويستذكر شريط الذكريات ، ثم مد يده في جيبه الخلفي وأخرج (5 دنانير) وأعادها لي وقال لي بالحرف الواحد ((أنت إبن أخي ألف رحمه على روحه) ، كنا ندرس الطب سوية في إسطنبول وتكلم كثيراً عن والدي وأستدعى السكرتيرة وقال لها متى ما يأتي يدخل فوراً دون انتظار وبدون دفع أي مبلغ .
وفي العام (1998) ، دخلت الى مطبعه الموصل في المجموعة الثقافية ، لاستنساخ بعض الأوراق هناك وكان إسمي مدرجاً عليها ، وإذا (بالأستاذ أحمد الصبحة) ينتزع نظارته من عينيه ويقول لي والله كأن والدك واقف أمامي الآن ، أنت أخي وابن أخي ، رحم الله أباك لقد كان كذا وكذا وأثرى وأطرى ومدح الوالد كثيراً وأقسم لي أن والدي كان في كل مره يستلم فيها الراتب الشهري يذهبا سويةً أو بمفرده لشراء الكتب والمجلدات الأدبية والثقافية ومن ثم العودة الى البيت .
وفي العام (1999) ، كنت مسافراً الى بغداد وما أن صعدت في الحافلة وإذا (بالأستاذ يوسف ذنون حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية) ، جالساً فيها ولم يكن المقعد الذي بجواره شاغراً فجلست الى الخلف منه ، وعند وصول الشخص لجمع الفلوس وإذا به يقول لي أن ذلك الشخص قد دفع عنك ثمن الأجرة وأشار الى الأستاذ (يوسف ذنون) وما أن وصلنا وتركنا الحافلة وإذا به ينتظرني وتوجهت له بالشكر وقال لي (أبن اخوي أنت كنت صغيراً وتفتح لي الباب عندما كنت أزور والدك الله يرحمه) وتكلم عن والدي وترحم عليه كثيراً وسألني عن أخوتي (أحمد ومحمد) ودعاني لنتناول الإفطار سويةً إلا أنني كنت على عجل في وقتها .
ذات مرة كنت في منطقة الجامعة (أمام مقهى الكرم) وإذا ( بالأستاذ معن عبد القادر زكريا ) يذكر اسم والدي أمام أحد الأشخاص حيث كانا جالسين بالمقهى خارجًا ، فسلمت عليه وقلت له أنا (حسن ميسر صالح الأمين) وإذا به يقبلني وبكل فرح وسرور بلقائي وقال لي لقد كنتُ أنا ووالدك أخوة وتكلم وترحم كثيراً على والدي وأعطاني معلومة قد سردها في كتابة ألا وهي ((أنه ووالدي رحمه الله قد كتبا رسالة بريديه الى الرئيس جمال عبد الناصر وقد رد عليها بالشكر والتقدير) وهي موثقة في كتابه ، وطلب مني لقاءه في اليوم التالي وفيه أهداني كتاب (بيوتات موصليه) ، وقد نشر الرسالة المنوه عنها على صفحته الفيسبوكية لاحقُا ومرفق صورة منها .
وفي العام (1999) ، وبعد تسليم دفتر امتحان الكفاءة للغة الإنكليزية تمهيداً لدراسة الماجستير ، قام المراقب آنذاك بتفحص الاسم والمعلومات وإذا به يطوي الدفتر ويقول لي أنت أبن أخي وكيفك وكيف أخوتك ، لقد كان والدك من أعز اصدقائي وعملنا سويةً فترة طويله وتكلم طيبًا عن والدي كثيراً ، انه (الدكتور ربيع ياسين) .
وفي العام (2002) ، أثناء مكوث والدتي رحمها الله في مستشفى نينوى الأهلي للعلاج من مرضها ، ذكر (الدكتور عاصم الجلبي) الكثير عن والدي رحمه الله الذي يعرفه جيداً منذ دراستهم في تركيا .
وفي العام (2006) في الإمارات العربية المتحدة ، دعاني أحد الأصدقاء لزيارة جامعه عجمان للعلوم والتكنلوجيا وهناك قام بتقديمي للحاضرين عند السلام عليهم وقت الدخول ، وإذا (بالدكتور نشوان الجادرجي) يمتدح والدي كثيراً أمام الحاضرين وقال لقد كان كذا وكذا .
وفي العام (2012) ، في الإمارات العربية المتحدة ، كنا مدعوين إلى الغداء من قبل أحد الأصدقاء وبعد الانتهاء وتبادل الحديث فيما بيننا سألني أحد الحضور عن إسمي الكامل ، فأجبته فإذا به ينهض من مكانه ويصافحني بشدة ويعانقني بفرح وسرور وقال لي أنت أبن أخي وكان والدك كذا وكذا ، وينادي على زوجته التي كانت جالسة مع باقي النساء وعلى مقربة منا ويقول لها هذا أبن المرحوم ميسر صالح ، إنه (الأستاذ مولود مخلص) ، المشرف التربوي وصديق العم عبد الجواد صالح الأمين (رحمه الله) .
وكيف لي ان أنسى ذلك العناق الحار والإحتضان الشديد والقبلات المتكررة وبكل فرح وسرور عام (1982) والتي قبلني اياها الأستاذ الفاضل (محمد نايف الدليمي رحمه الله) عندما كنت برفقة العم الغالي (عبد الجواد صالح الأمين رحمه الله) في دائرة الاشراف التربوي وقال له مشيرًا باتجاهي ، هذا ابن ميسر - رحمهم الله جميعًا .
وأخيرًا وليس آخرًا ، تأبى الذاكرة أن تمحو أو تتناسى تلك الصورة البهية واللحظات السعيدة لعديد المرات التي كان يرن فيها جرس البيت وإذا بالأستاذ الدكتور (أحمد الحسو) واقفًا أمام الدار ببدلته السوداء (الكحلية) حاملًا حقيبته اليدوية واضعًا أياها تحت كتفه ، مسلمًا على أهل الدار ومستفسرًا عن أحوالنا صغارًا وكبارًا ومطمئنًا على الجميع .
سادتي الأفاضل ، ندرك جيدًا أهمية الكتب التي كان رحمه الله يروم بطباعتها وإلى الحاجة إلى طبعها دون أن تذهب جهود الوالد والعمّين العزيزين من بعده سدى ، وبغية الاستفادة منها وحسب ما أسدى إلينا الأصدقاء وأشاروا اليها في مقالاتكم العديدة وحثنا وتشجيعنا للقيام بطبعها ، أود أن أشير أنه كانت لي ولأخوتي أكثر من محاولة على مدى أكثر من (15) سنة الماضية دون جدوى تذكر حيث ما كل ما يتمنى المرء يدركه وأود أن أذكر ، أنني حاولت الحصول على الموافقة على طبعها خارج العراق في أحدى دور النشر العالمية المعروفة وعلى نفقتي الخاصة فباءت المحاولة الأولى دون الموافقة وأعقبتها بتكرار المحاولة مع أكثر من دار نشر علاوةً على الأولى وﻷكثر من (3) مرات وعلى مدى (3) سنوات تخللتها دخولي في دوامة مشاكل خاصة ألمت بي في بلاد الغربة كانت السبب الأكبر في التأخير والتأجيل ، وبعد جهد مضن وتعب شاق وتكبد مصاريف ليست بالهينة حصلت على ما أصبو إليه بشكل شبه نهائي (موافقة مبدئية) بفضل الله تعالى ، ولغرض استكمال شروط ومتطلبات النشر واجهتني مشكلة لم تكن بالحسبان أبدًا وتتمثل في صعوبة الوصول إلى الكتب الثلاثة لإيصالها إلى دار النشر أو إرسال نسخة الكترونية عنها بسبب انقطاع الاتصالات مع إخوتي في الموصل أبان احتلالها ، ولا تزال المحاولات مستمرة (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده) ، (إن مع العسر يسرا) .
أما عن المخطوطات التي أهداها رحمه الله إلى مكتبة الأوقاف ، فقد كانت موجوده في مكتبة الأوقاف مع سيرة حياته وصورته الشخصية وكنت متابعًا لها بين فترة وأخرى حتى عام (1995) ، بعدها (والعهدة على الموظف الراوي في دائرة الأوقاف في الموصل) تم اتخاذ القرار من ديوان الرئاسة بنقلها والاحتفاظ بها في المكتبة الوطنية لديوان الرئاسة (الأرشيف الوطني – دار صدام آنذاك) ، بعد أن امتدت إليها أيادٍ خبيثة في محاولة بائسة لسرقتها والإتجار بها ، حيث شهدت المكتبة إهمالاً في حقبة الحصار المفروض على العراق بعد عام (1990) إذ سرق منها عام (1995) نحو (463 مخطوطاً و3 إسطرلابات نحاسية و 3 شمعدانات تعود للعصر المملوكي) ، حيث أودع الفاعلين السجن في مديرية المخابرات آنذاك وأودعت المخطوطات المسروقة جميعها في ديوان الرئاسة منذ ذلك العام ، وكنت في متابعة مستمرة لأحوالها حتى زلزلت الأرض زلزالها في عام (2003) ، وأرسلتُ مرات عدة مستفسرًا عنها وماذا حل بها في بغداد ولم ألق مجيبًا سوى ما يشير إلى سلامتها بعد أحداث (2003) وأنها في مكان آمن دون معلومات تفصيلية ، وكذلك لا علم لي عمّا حصل لخزانته من الكتب والمخطوطات (خزانة 39) في مكتبة الأوقاف العامة في الموصل آبان احتلالها من الدواعش الأوباش ، وصولًا إلى ما نشره الدكتور رائد الراشد على موقع (أكاديمية التعليم) والذي أفاد بوجود عدد (32) مخطوطة مع عدد (15) من مجاميع المخطوطات ليكون المجموع الكلي (47) مخطوطة من مخطوطات الوالد فقط تحت اسمه في مكتبة الأوقاف العامة في الموصل ، وهناك (مخطوطتان مع ثلاث مجاميع من المخطوطات) مفقودة (قد تم سرقتها) بالاستناد إلى آخر جرد لموجودات المكتبة قبيل الاحتلال عام (2003) ، وبهذا يكتمل عدد المخطوطات ال (50) المهداة الى مكتبة اوقاف الموصل ، وأن باقي مخطوطات الوالد لا تزال في بغداد ، ولا أعلم عنها شيئًا يذكر .
وللأمانة التاريخية وأشهد الله على قولي ، وليعلم من هو بحاجة لعلم ، أنه قد عرض علينا مرات عدة وخاصة اثناء فترة الحصار ، اموال باهضه من الدولارات مقابل واحدة من المخطوطات دون أن يلقى السائل مُجيبا ، فسلكوا طريقًا ملتويًا وتمكنوا من الوصول إلى أحد العاملين في هذا التخصص في بغداد بمعية من هناك في الموصل ، حيث أقدم على الحضور متعنيًا إلى الموصل والاتصال وطلب اللقاء بي وبحضور شخص مؤثر تربطني به علاقة قوية ، وتم اللقاء في أحد الكافتريات أمام الجامعة ، وهناك حاول إقناعي بائسًا بأنه يمكنني تقديم طلب تحريري إلى الجهة الفلانية ، أطلب فيه سحب عدد من المخطوطات مع ذكر أسمائها وأوصافها معّللاً ذلك برغبتي في الاحتفاظ بها والرجوع إليها في أبحاثي ودراساتي (حجة) وأنه سيتولى الأمر واستحصال الموافقة الرسمية وإعادتها بشكل أصولي ، فرفضت الطلب رغم الإلحاح الشديد والمغريات المادية والمعنوية العالية ، وأسمعته ومن كان من الحاضرين ما لذ وطاب من كلمات يستحقها وبجدارة وأنهيت اللقاء بعد ثلاث ساعات من المحاولات وأعلنت عند مغادرتي المكان بقطع كل أنواع العلاقات مع من كان حاضرًا من الأشخاص .
وفي حادثة مماثلة أخرى ، اتصل بي أحد العاملين في القنصلية التركية في الموصل مرسلًا من قبل أحد المسؤولين في المحافظة وعرض قيامة بشراء الكتاب الذي كان والدي رحمه الله يروم طباعته وهو (تاريخ ولاة الموصل في العهد العثماني منذ سنة (1000 هجرية) حتى الاحتلال البريطاني للعراق) وإيصاله إلى تركيا التي ستتولى طباعته ونشره ، وقد عرض مبلغً مغريًا جدًا من المال ، فقوبل بالرفض الشديد والإصرار العنيد ، بعدها بفترة ليست بالقليلة ، عاود الاتصال بي وأنا في دولة الإمارات العربية المتحدة ، وعرض (4) أضعاف ما عرضة من مال مقابل الموافقة ، فقوبل بالرفض الشديد والإصرار العنيد ب(10) أضعاف محاولته الأولى .
سادتي الكرام : لا بد لي من الإشارة إلى التقرير الخاص والذي أخذ شكل الكتاب المتكامل بعنوان (ميسر صالح الأمين – والدي العزيز - رحمه الله ) والذي قمت بإعداده عام (2006) بناءً على طلب الجامعة وقتئذ ، ويتضمن جميع ما نشره الوالد رحمه الله من مقالات في الصحف والمجلات وكذلك أسماء الكتب المهداة وتفاصيل عن حياته ومماته ، حيث تم إيداعه لدى المكتبة المركزية في جامعة الموصل بجوار الكتب الشخصية العائدة له والتي قمت باهدائها الى المكتبة المركزية وقفاً شخصياً عائداً للوالد رحمه الله بعد (30) عاماً من المحافظة عليها والعناية والاهتمام بها حيث أمتنعت وأخوتي عن إخراج أي كتاب منها خارج البيت ولأي شخص كان وكنا نؤشر على الصفحات والفقرات المطلوبة من هؤلاء الأشخاص ونقوم باستنساخها من قبلنا وإعطاءها لهم بعد يوم أو يومين وهكذا ، وقد قمت بإرسال نسخ منه إلى العديد من الشخصيات والأصدقاء وإيداع نسخ منه في المكتبة العامة ومكتبة الأوقاف في الموصل قبيل مغادرتي الموصل عام (2006) .
هذا الكتاب الذي حمله بيديه الأستاذ (واثق ممدوح الغضنفري – رحمه الله) عند تقديمه لحلقات برنامجه الأسبوعي (بالمصلاوي) والذي تكلم عن والدي وعن مكتباته المُهداة ضمن موضوع مكتبات الموصل حيث طالب الأستاذ (واثق الغضنفري رحمه الله) في بدء هذه الحلقة بضرورة إعادة المخطوطات العائدة لأوقاف الموصل ووجه الدعوة إلى البدء بحملة كبرى للمطالبة بها واعادتها إلى الموصل بغية الحفاظ على تراث وإرث الموصل وممتلكاتها ، ولأهمية ما تضمنته هذه الحلقة من معلومات عن المخطوطات واسماء المتبرعين بها وعن ظروف خزنها والعناية بها ولغرض توثيقها والتذكار بها في هذه الفترة العصيبة ، أرفق التسجيل الخاص بهذه الحلقة .
ولا بد لي من ان اذكر اني قد أهديت هذا العمل (الكتاب) إلى والدتي العزيزة (رحمها الله) بالقول (( إلى روح من ... حقاً عليّ أن أذكرها ... حقاً عليّ أن لا أنسى تعبها ... وهذا ثمرة جهدها ... فكانت الأب والأم ... وَالِدَتيْ الحَنونْ رَحِمَهْا الله)) ، وخاطبت الوالدين الكريمين رحمهما الله في خاتمته قائًلا :
((والـدي العزيز : اليوم وبعد مرور (30) عاماً على وفاتك وأنا اكتب عنك أشياءً سردها لي من عرفك جيداً وأخرى رأيتها متروكةً بين طيات الكتب وأوراق الماضي وتحكي هي الأخرى عنك الكثير ذلك الذي حرمت منه ولم أعيشه أنا وأخوتي أسوةً بالآخرين وعرفنا عنك أشياءً تسر الناظرين وتبعث في نفسي وأخوتي مبعث الفخر والاعتزاز بك وأود أن أؤكد لك أن تلك الحياة التي أبت إلا أن تكون قاسية عليك هي نفسها التي حاولت مراراً وتكراراً أن تنال من أخوتنا ونسيج ترابطنا لتذرنا في مهب ريح عاصف جلبه لنا قدرنا في هذه الحياة إلا أن قوة هذا النسيج وآصرة الأخوة المتينة التي دأبت والدتنا الحنونة أن تزرعها فينا حالت دون أن تدع هذه الحياة تصب شيئاً من قسوتها علينا نحن أيضا ، لقد جمعتنا تحت سقف واحد وبظل خيمة جعلت المحبة فينا والتعاون والأخوة فيما بيننا هي أركان أعمدتها العتيدة ، لقد توفيت والدتي عام (2002) بعد صراع مرير مع المرض ولا يزال عبق رائحتها العطرة تفوح في أرجاء بيتنا ، وشاء الحظ أن يمضي كل إلى غايته وفق سنة وشريعة السماء يصارع خلجات الحياة وإرهاصات الزمن الغادر ويشق طريق حياته مقتبساً نورها من مبادئكم وتربيتكم وتمضي السنون والأيام وستبقى ذكراكم نقطة مضيئة ومشرفةً لنا ولأجيالنا اللاحقة أن شاء الله ، رحمكم الله وأسكنكم الفردوس الأعلى وجزاكم عنا خير الجزاء ، ((فتركوا في سويداء القلب نيرانا ... نذراً علي لإن عادو أو رجعوا ... لأزرعنَّ طريق الشام ريحانا)) .
سادتي الكرام : هذا ما أسعفتني به ذاكرتي عن الوالد رحمه الله وهناك الكثير من الأحداث والذكريات والصور والتي بقت في طيات الماضي ومركونة في بيتنا في الموصل ، آملاً في عملي ومقالي هذا تلبية ولو بالحد الأدنى من حدود بر الوالدين الذي نحن إليه من الساعين ، وسأشرع في القريب العاجل إلى إصدار العمل هذا مع ما سبق في كتاب توثيقي عن الوالد رحمه الله ، واقول في الختام ، دعائي بالرحمه والمغفرة وفسيح الجنان لمن قضى نحبه من الأسماء اللامعة والشخصيات العالية الجناب التي تم ذكرها وتذّكرها في مقالي هذا ، والدعاء بالصحة والعافية والعمل المبارك والعمر المديد لمن ينتظر ، مع الأمنيات الخالصة للخلف من بعدهم ولجيل الشباب الحالي بالسير على نهجهم والإقتداء بهم وأن لا يبدلوا تبديلا ، رحم الله أرواحًا لا تعوض ولا تولد مرة أخرى ، اللهم أغفر لمن عشنا معهم أجمل السنين وهزنا إليهم الحنين ، اللهم اجمعنا بهم في جنتك ، اللهم أغفر لمن غابوا عنا ، رحم الله ضحكات لا تنسى وملامح لا تغيب عن البال وحديثًا اشتقنا لسماعه ، ورحم الله كل روحًا غاليةً تحت الثرى) ، (وَقُلْ رَبِّ إرحَمْهُمّا كَمْا رَبَيانِي َصَغّيرَا) ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وجزاكم الله كل الخير وتقبلوا فائق الشكر والتقدير .
حسن ميسر صالح الأمين .
29/1/2018
* لقراءة المقال والاطلاع على الصور والمرفقات والتعليقات على رابط الفيس بوك التالي :
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=10214668043035943&id=1269245661

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

533 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع