طريفة وقصة واقعية

                                                          

                           نوري جاسم المياحي

 طريفة وقصة واقعية

قد ينتقدني البعض لاختياري الحديث عن حالة ممجوجة في مجتمعنا العراقي ووقعها غير مريح على الاذن والسامع او القارئ ولكن لكل كاتب هدف وهدفي من تناول هذا الموضوع وانا امجه أيضا  كغيري من العراقيين ولكن يشفع لي نيتي المقارنة بين ما كان عيبا وعارا ايام زمان فاصبح اليوم ليس عيبا ..

فالتطرق واستخدام بعض الكلمات المنافية للذوق العام لا يعني تركها او شطبها من معاجم اللغة ولاسيما عندما يستخدمها البعض في القاموس السياسي كفضيحة النائب الذي صرف 59 مليون دينار لاصلاح (مبعره ) باجراء عملية بواسير ..وعلى ميزانية الدولة ومن قوت الفقراء.. ولنترك النائب في حاله علج بحلك الناس ولنعد لحديثنا ..

للبغادة واقصد اهالي بغداد  القدماء والاصليين كانوا يستخدمون كثير من المصطلحات ويعيبون كثير من الافعال وحتى كانوا يركزون في تربية الاطفال على تجنبها ...لأنها عيب ..وفي حينها وللدلالة على قبح العمل ومكروهيته ..كان يحدثون الطفل بقصص طريفة وغريبة كي تنطبع الحادثة في ذهنية الطفل فأما ان يقلدها لأنها افعال محبوبة او يتجنبها  لأنها مكروهة ومنها ( الضرطة ) .. واستميحكم عذرا لاستخدام هذه الكلمة القبيحة فلست انا من اخترعها وانما هي موجودة في معجم لغة العرب ..وصوتها ليس غريبا على من يستخدم المرافق الصحية بعد تناول شوربة العدس او ثريد البامية ...

فكانت  (الضرطة ) تعتبر عيبا لا يغتفر وعار يلحق بمن يفعلها ويعيرونه بها طيلة عمره وينادونه استحقارا ب( ابو ضرطة ) .. اما اليوم فالضراط ما عاد معيبا عند البعض هذه الايام... والكلام عن ايام زمان حلو ومريح واحيانا مفيد وفيه عبر ودروس.للجهلاء

كانت الامهات ايام زمان وعن طريق سرد  القصص للطفل يربونه على التمييز بين الصح والخطأ وبين الصالح والطالح ويشجعونه على عمل الصح  وتجنب الخطأ والعيب ..ومن القصص التي كانت ترويها الامهات على الاطفال ايام زمان ذم واحتقار (الضراط ) امام الناس وخارج التواليت أو (بيت الخلاء او الطهارة كما كانوا يسمونها آنذاك ) وانا اتذكر قصة سمعتها بطفولتي حول هذا الموضوع ..وكانت  القصة لرجل عربي ريفي والذي فضل الموت على ان يضرط

وتجري احداث القصة كما سمعتها في مضيف شيخ العشيرة في احدى القرى العراقية..حيث كان يجتمع ابناء العشيرة واهل القرية في مضيف الشيخ يتسامرون ويتحادثون ..ولساعات طويلة في بعض الاحيان ..وكان من عادة الرجال اثناء جلوسهم والمسامرة كانوا يغزلون الصوف لقضاء الوقت للتلهي وللفائدة لما لخيوط الصوف من استخدامات عديدة واهمها لحياكة عباءة الرجل والمرأة ..

في احد الايام كان ابو مطشر جالس بالمضيف يستمع الى احاديث شيخ العشيرة بانتباه واحترام فاذا به يشعر بالغازات تلف وتدور  وتقرقر في امعائه كأنها تصرخ  وتطلب النجدة وتنادي ..اما من مغيث يغيثني فيسمح لي بالخروج من هذا السجن اللعين ؟؟؟ ولكن صاحبنا ابو مطشر عاند معها واصر على منعها من الخروج حتى لو ضحى بحياته ...وهو يردد مع نفسه ...اما حياة تسر الصديق ..او ممات يغيض العدا ...

فكان صاحبنا ابو مطشر حائرا فلا هو يستطيع ترك المجلس والمحفوظ الشيخ كاعد يسولف لهم عن بطولاته في حرب السفر بر بزمن العثمانيين  ولا هو يتحمل كتم ريح العاصفة  والزوبعة ومنعها من الخروج وفضحه امام العشيرة  ...

فجلس يتالم ويتلوى ويلعن الساعة التي تغدى بثريد البامية لأنه كان سبب توليد هذه الغازات الملعونة .. ففكر وفكر وهداه تفكيره البسيط الى استخدام الصوف في غلق فتحة المخرج قبل ان يفقد السيطرة على عضلات المخرج وعندها تفلت الريح من عقالها وتخرج بصوت عالي معربدة وستقع الفضيحة ويحل به العار...

وبما ان فلاحي ايام زمان كانوا فقراء ولا يرتاحون بل لا يعرفون استخدام السراويل الداخلية وانما يتركون ممتلكاتهم التحتانية تتهوى براحتها على الطبيعة كما هو معروف عن اهل الريف رجالا ونساءا ايام العصملي كما ذكر في اخبار الرحالة ابن طنطونة  ...فلم يكن امامه أي مانع لإدخال  ودحس الصوف في مخرجه دون ان ينتبه له احد الجالسين ... واستمر الحال لمدة ساعتين وبعد ان ادخل كومة الصوف كلها في جوفه بدأ يشعر بان المضيف والحاضرين يلفون ويدورون اما ناظريه وكلمات الشيخ تصل اذنيه مشوشة (شيش بيش )...وفجأة سقط على الارض مغميا عليه ..ولم يوصل الى كوخه الطيني ويسلم الى زوجته المسكينة الا وهو مقضيا عليه وقد فارق الحياة ..

وبعدان شاع سبب وفاته  اصبح ابومطشر بطل العشيرة ومفخرة شبابها لأنه فضل الموت على تحمل عار الضرطة ..فاصبح حديث الناس والعربان وتناقلتها الركبان ...واصبحت مضرب الامثال ودرسا للبنات وللصبيان ..

وشيع جثمانه الى مثواه الاخير تشيعا لم يسبقه فيه انس ولا جان بين نحيب الرجال ولطم النسوان وهوسات الخلان ...ودفن في القرية بأحسن مكان وبني  قبرا عليه ارتفاعه متران ..وبعد سنين تحول قبره الى مزار للنسوان يطلبن  منه الشفاعة والغفران وتنذر له النذور من  ودجاج وخرفان.. وحتى السمك الكطان

ولنعد لاهل بغداد ايام زمان ...فاذا جاءهم شخص وتعهد لهم بإنجاز عمل ما ولم ينجزه ...فيعيروه ويقولون له .. روح ابو ضرطه ..انت مو كدها ..وحتى الشاعر عبود الكرخي يصف كيف اكلو عليه حنطته وعاد بخفي حنين وفاشل ملعوب ومضحوك عليه فيقول في احدى قصائده ( شلون علسوا لي الحنطة ورجعت مثل ابو ضرطة )

لاشك أن الحياء مما يستحي منه الناس في العادة أمر مطلوب ، وأن مراعاة ما اعتاده الناس وتعارفوا عليه هو من محاسن الأخلاق ، وما كان مكروها في عرف الناس ، فهو مذموم ، وما جرت عليه عادة الناس على تقبيحه فهو قبيح –هذا ماكان ايام زمان ..اما ما يحدث هذه الايام فاليكم القصة التالية ..

في احد الايام كان ابو حلبوص جالسا في مقهى المحلة نازع نعاله ومتربعا على التخت ( كرويته خشب ) قديمة ومتهالكة فعندما يجلس عليها المرء توصوص كانها تشكوا لباريها ظلم الانسان لآخية الانسان  ..سارحا في هموم الدنيا ..واذا بصديقه ابو مروان يدخل المقهى مسلما وبصوت عالي على الجالسين في المقهى ...فما كان من ابو حلبوص الا ان حاول النهوض اجلالا واحتراما لصاحبه ..ليرد التحية بأحسن منها  وكما متعارف عليه عند البغداديين..

وفي هذه اللحظة نسي ابو مطشر نفسه ونسي السيطرة على عضلات مخرجه فارتخت ...فخرجت الريح مهلهلة بصوت موسيقى عالي وفرح ...اضحك كل الحضور بالمقهى ..ولكن صاحبنا ابو مطشر وبدلا من ان يخجل من نفسه ويستحي من فعلته ..فاذا به يمسك بتلابيب ابو مروان غاضبا متعاركا صائحا ( لولا سلامك لما وقفت ولما ضرطت ) ... وبالرغم من محاولات الطيبين  من الحاضرين التوسط بينهما واصلاح ذات البين بينهما ولكن ابو مطشر اصر على حل الاشكال عن طريق الفصل العشائري ..

وكما هو معروف هذه الايام كم تكلف احتفالات الفصل العشائري ..جيب الفرشة وودي الفرشة وجيب الليف وخلي الليف ..المهم عقدت جلسة الفصل وبحضور الاجاويد وشيوخ العشائر وتوصلوا الى اتفاق ان يقوم ابو مروان بفصل الضرطة بامرأة ..وهنا تفجر ابو مروان غضبا ..وقال للحضور ( كل عقلكم اني ازوج بنتي لأبو ضرطة ..والله لن يحصل هذا ولو على جثتي ) وساندته عشيرته وقالوا ( احنا ما عدنا مرة تتزوج ابو ضرطة )  ومستعدين للفصل بفلوس .....وهنا ارتفع الجدال وحمى وطيس المناقشات بين المتخاصمين ..واشتغلت التهديدات والتهديدات المضادة الى درجة استخدام الرشاشات المتوسطة والثقيلة وحتى المدفعية والصواريخ ..

وهنا تدخل حكماء وعقلاء  القوم واجاويدها وفي مقدمتهم الشيخ امام جامع القرية بين الطرفين وفصلوا بين المتخاصمين بان يدفع ابو مروان لشيخ عشيرة الضارط ابو مطشر 30 مليون دينار بالتمام والكمال وغلق القضية ..

وبعد رفع الجلسة علق احدهم ..هذا شلون زمان ..فوك ما يضرط والمفروض به يطم روحه بالارض ..ولكنه هو وعشيرته ما يستحون ويطلبون فصل وعن شنو الفصل ؟؟.. وين جنا ووين صرنا ..صدك لو كال ابو المثل ( ان كنت لا تستحي افعل ما شئت ) ..ومن طيح الله حظ هذا الزمان وحظ مثل هاي العشاير ..اللي صارت تدافع عن ابو ضرطة وتنسى الوطن ...

يا عيبة العيبة ..

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

451 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع