الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - من حكايات جدتي الثانية والخمسين

من حكايات جدتي الثانية والخمسين

                                            

                        بدري نوئيل يوسف

من حكايات جدتي الثانية والخمسين

لغز أثقل الثقيل

تروي لنا جدتي حكاية قصيرة حدثت في يوم من الايام، إنه سطى أحد اللصوص على احد البیوت في محلة من المحلات، في لیلة من لیالي الصیف التي ينام فيها الناس فوق السطوح، واستيقظ أهل البیت على صوت وحرکة داخل البیت بالصياح، مستنجدين بالجیران حرامي .. حرامي .. حرامي .. وهنا استيقظ الجيران وأطلوا من سطوحهم على الطريق لیشاهدوا الحرامي وهو یرکض مذعوراً، فبدأت النساء والأطفال بالصراخ والعیاط والولولة .. یبو .. یبو .. یبو حرامي،سليمة تكرفك على هل الدكه الكشرة، نزول نزلك.
وفي هذه الاثناء تناول احد الجیران تنگة من على التيغة وقذف بها الحرامي، وعندما أخطأته أحدثت صوتاً عاليا بارتطامها بالأرض کصوت المفرقعات، فما کان من الحرامي إلا ان یلتفت صوب الشخص الذي رماه بالتنگة، (وجابه بزيك قوي) (صوت اصدره من شفتيه)، فعندما سمع أهل الدربونة ذلك الصوت، تحول صیاحهم وعیاطهم الى ضحك في وسط الليل، الامر الذي جلب انتباه الچرغچي الذي كان قريبا منهم، ولحق الحرامي والقى القبض عليه وهو يضربه ضرباً موجعاً بحزامه، ثم ويقوده الى القوللغ ویشفي غلیل الناس الذين نهضوا وفزوا مخروعين من نومهم تلك اللیلة .
في هذه الليلة حدثتنا جدتي عن حكاية (لغز أثقل الثقيل) تقول :كان في قديم الزمان أمير قبيلة مشهورة بين القبائل، ولها مكانتها وقدرها بين العربان، وكان الأمير شاباً وسيماً شهما وكريماً، ولم يتزوج بعد، في يوم من الأيام بينما كان يتمشى الأمير بين المضارب شاهد فتاة جميلة قامتها ممشوقة عيناها ساحرتين، فأحبها من أول نظرة وملكت عليه قلبه، فسأل عنها وعن أهلها وقبيلتها، وإذ هي بنت شيخ قبيلة (الهفتان) وهي قبيلة وضيعة بين القبائل، ليس لها شأن بين العربان، لكنه أحبها وصمّم أن يخطبها ويتزوجها مهما كلّف الأمر.
في بداية الأمر تضايق الأمير، وتردّد قليلاً في الخطبة لكن حب الفتاة تغلّب على تردّده وحيرته، وحزم أمره وشكل وفداً من كبار وجهاء القبيلة، وذهب إلى قبيلة الهفتان ليخطب ابنتهم، ففرح أهل القبيلة وأهل العروس، وطار عقلهم أن يناسبهم هذا الأمير صاحب المقام الكبير بين القبائل، فوافقوا فوراً ويقدموا له الفتاة هدية ما من وراءها عطية. أقام الأمير حفلة عظيمة وذبح الذبائح وعمل الولائم، وعاد إلى دياره بموكب كبير ومعه عروسه إلى أن وصل قبيلته، فجدّد الأفراح ثلاثة أيام، وجد زوجته من أطيب النساء وأحسنها خلقاً، وعندما اختلى بعروسه اشترط عليها شرطاً قاسياً هو ألا تفكّر بأهلها بعد الآن، ولا تذهب لزيارتهم مهما حصل، فوافقت الزوجة إرضاءً لزوجها الأمير وعاشت مسرورة، ووفرت لزوجها السعادة والراحة والاطمئنان، وأنجبت له ثلاثة أولاد من أجمل الصبيان، وسمتهم (صلاح وفلاح ونجاح)، فرعتهم وربتهم أحسن رعاية، فنشئوا على الأخلاق الحميدة والعلم، والحكمة والفهم والشجاعة واشتهروا بين فرسان القبيلة .
في أحد الأيام دخل الأمير على زوجته، فوجدها حزينة مريضة وقد شحب لونها وهزل جسدها، فسألها عن حالها ؟ فقالت له: لقد أطعتك بما تريد يا أمير، وأصبح لي أكثر من عشرين عاماً لم أرى أهلي، وقد سمعت أن والدي مريض وأخشى أن يموت ولا أراه، فأرجو أن تسمح لي بزيارته هذه المرّة فقط لأودّعه الوداع الأخير.
فكّر الأمير قليلاً وقد حنّ قلبه على زوجته، ثم قال لها: سأسمح لك بزيارة والدك، لكن سأحمّلك لغزاً إليه، فإن أجاب عليه تعودين إلى بيتك، وتزورين أهلك متى تشائين، وإن لم يجب عليه تبقين في بيت أهلك، ولا تعودين إلى ديارنا أبداً .
وافقت الزوجة وطلبت منه اللغز، فقال لها: أريد من والدك أن يعرف ما هو أثقل الثقيل ؟ وما هو أخفّ الخفيف ؟ فحملت هذا اللغز وسافرت إلى ديار أهلها .
سمع نجاح أصغر أخوته الحديث الذي دار بين والده وأمه، فخاف على أمه كثيراً وهو يعلم أن جدّه، وقبيلته جميعها لا يعرفون جواب هذا اللغز، فطلب من والده بعد أيام أن يذهب إلى قبيلة أخواله ليعيد أمه إلى ديارهم، فمنعه من ذلك وقال: دع أخوالك يعيدونها. صار نجاح صباح كل يوم يخرج إلى مشارف القبيلة، ليقابل أمه قبل أن تدخل إلى القبيلة إلى أن رآها قادمة ذات يوم مع أخواله، فاستقبلها وسألها: إن أتت بحل اللغز ؟ وما هو ؟ فأجابته: نعم سألت
جدّك، فقال: بسيطة أثقل الثقيل هو الحديد وأخفّ الخفيف هو التبن.
ضحك نجاح وقال: لقد عرفت أن جدّي لن يعرف الجواب الصحيح، لذلك انتظرتك لأراك قبل أن يسألكِ والدي، فإذا سألك والدي عن حل اللغز قولي له: إن أثقل الثقيل هو العفن وأخف الخفيف عشرة الزين، ولا تقولي لأبي أنك قابلتني وتحدّثت معي، ثم تركها وسبقها إلى المضارب .
استقبلها زوجها ورحّب بها ثم أجلسها، وسألها عن حلّ اللغز فأجابته كما علّمها ابنها، فاستغرب الامير جوابها واندهش كيف عرفت هذا الجواب، وهو يعلم يقيناً أن لا أحد من قبيلتها يعرف مثل هذا الجواب، فشكّ في أحد من أولاده وخاصة في نجاح، فسألها إن قابلت أحداً من الأولاد قبل أن تدخل مضارب القبيلة، فأنكرت ذلك .
جلس الامير يفكّر في الأمر وفي طريقة يكتشف فيها الحقيقة، فطلب من أحد رجاله أن يدخل عليه المضارب وهو يصرخ بأعلى صوته: الغوث الغوث وأن الغزو دهم القبيلة وأسروا نجاح، ففعل كما أمره، وعندما سمعت زوجته هذا الكلام طار عقلها ولم تصدّق فصرخت: يا ويلي الآن قابلت نجاح على مشارف القبيلة، وقد سبقني إليها فأين قابله الغزو وكيف أسروه ؟ .
سمع الأمير كلام زوجته، فعرف السر لكنه أسرّه في نفسه، وعند المساء تأخّر نجاح في الحضور إلى مجلس والده خوفاً من بطشه وغضبه بعد أن علم أن أمره افتضح، فأرسل الأمير ولديه لإحضار نجاح فوراً، ذهب صلاح وفلاح ملهوفين لا يعرفون ما السر؟ وأبلغاه طلب والده بالحضور إليه فوراً دون تأخير، وأن والده غاضب والشرر يتطاير من عينيه، وأنه مضطجع والسيف إلى جانبه، فخاف نجاح من بطش والده، وأخبر شقيقيه بالقصة كاملة، وأنه سيرحل في الحال من القبيلة هرباً من عقاب والده، ولما عرف الأخوان حقيقة الأمر قرّرا أن يذهبا معه أيضاً، فأسرجوا الأحصنة وغادروا القبيلة مسرعين، ليبتعدوا عن مضاربهم أكبر مسافة ممكنة قبل أن يكتشف والدهم أمر هروبهم.
افتقدت فرس الأمير زميلاتها في الحظيرة، فأخذت تصهل بشدّة فسمع الأمير صهيلها، فنهض إلى الحظيرة ليتفقدها، فلم يجد أحصنة أولاده، فعرف ما حدث، ركب الأمير مع بعض الفرسان وبدأ بمطاردة أولاده عدة ساعات حتّى لحق بصلاح، فأعطاه الأمان وطلب منه أن يعود إلى القبيلة، وتابع المطاردة حتى لحق بالولد الثاني فلاح، فأعطاه الأمان وأعاده إلى القبيلة، ثم تابع وجدّ السير وراء نجاح حتى لحق به .
كان نجاح قد قطع النهر وجلس على الضفة الأخرى، ليستريح قليلاً عندما لحق به والده، فأراد أن يقطع النهر فأبت فرسه أن تخوض في النهر، فوقف على الضفة المقابلة وصاح بولده: ما دمت خبيراً بحل الألغاز يا نجاح سأسألك ثلاثة أسئلة، فإن أجبت عليها سأعطيك الأمان أنت ووالدتك، وتعود إلى القبيلة، وإن لم تجب عليها تذهب ودمك مهدور، وافق نجاح ووقف أمام والده ليسمع أسئلة والده باهتمام بالغ، وفتح ذهنه وعقله ليجيب بالجواب الصحيح. سأله الأمير السؤال الأول: إن جاءك يا نجاح رجلين ( عفنين ) يتشارعان عندك فكيف تحكم بينهم ؟.
فأجاب نجاح: أعط الاثنين حقهم من جيبي، وأرضهم لأن ( العفنين ) لا يرضون بأي حكم كان.
فقال: صدقت، ثم سأله السؤال الثاني: إن جاءك رجلين واحد ( عفن ) وواحد ( زين ) كيف تحكم بينهم ؟ .
قال: آخذ من حق ( الزين )، وأعطي( العفن ) حتى يرضى، لأن الزين كريم ولا يسأل عن حقه ويتنازل عنه لحل المشكلة، بعكس ( العفن ) .
قال: صدقت. وسأله السؤال الثالث: إن جاءك رجلين ( زينين ) فكيف تحكم بينهم ؟ .
أجاب: يا والدي الزينين لا يختلفون ويحلّون المشكلة فيما بينهم، فلا يحتاجون للشرع .
أعجب الأمير بأجوبة ابنه، وفرح به وقال له: عليك الأمان عد إلى القبيلة وستكون ولي عهدي في مشيخة القبيلة منذ الآن، فعاد الجميع إلى الديار وعاشوا بالفرح والسرور والسعادة والحبور.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

293 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع