إفقار الحياة بغياب السياسة

                                           

                       د. علي محمد فخرو


 إفقار الحياة بغياب السياسة

بعدما حدث لحراكات وثورات الربيع العربي من مؤامرات وانتكاسات وثورات مضادَّة ومحاولات انتهازية لركوب موجاتها ومن ثمَ حرفها عن شعاراتها الكبرى، يشعر الإنسان بأن هناك رغبات، ظاهرة وخفيَة، لإماتة السياسة في كل بلاد العرب.

ما عاد الهدف يقتصر على الفكر السياسي، وذلك من خلال الإصرار الدائم على موت الإيديولوجيات والأهداف الكبرى، واستبدالها بالدعوة إلى اختزال الفكر السياسي في شعارت صغيرة، تهدف إلى تحقيق أهداف صغيرة، من أجل تغيير واقع المجتمعات بجرعات وعناوين هي الأخرى صغيرة.
ما عاد تشويه وتقزيم الفكر السياسي مطلباً كافياً. فالمطلوب أيضاً هو نحر السياسة تنظيماً وممارسة وتحشيداً لطاقات المجتمع، أي نحرها كفعل في الواقع في موازاة نحرها كنظريات وتأملات وأحلام إنسانية مشروعة. فاذا كانت قيثارة ثقافة العولمة تعزف لحن الفردانية المطلقة التي تقود الإنسان إلى عبادة ذاته الأنانية الجشعة المستهلكة لكل شيء بنهم واستحواذ، فان بيانو العرب يتناغم مع تلك القيثارة ليعزف لحن ضمور الحسًّ والالتزام والتعاضد الإنساني المجتمعي. عند ذاك، اية ثنائية موسيقية رائعة ستخلق ليسمعها الفرد العربي ليل نهار، مشدوهاً مخدًّراً ونعسانا، من أجل أن يعيش حياة التفاهة والصمت الذليل والإرادة السياسية المتناهية في صغرها إلى حدود التًّلاشي.
تلك هي الأهداف المريضة التي يراد تحقيقها وتجذيرها في حياة هذه الأمة وفي حياة إنسانها. لكنها أهداف غير قابلة للنجاح، إذ انها ضد فطرة الإنسان وصحوات ضميره من جهة وأنها غير قابلة للتطبيق في الواقع العربي من جهة أخرى. دعنا نذكُر من يمارسون مثل هذا العبث بجوانب بالغة الأهمية بالنسبة لهذا الموضوع.
فأولاً، لا يمكن للمجتمعات أن تعيش في سلام ووئام إلا عن طريق السياسة التي تعرف بأنها مزاولة توزيع القوة والثروة في المجتمع وذلك من خلال اتخاذ القرارات التي تطبَق على جميع أفراد المجتمع.
لكن المختلف حوله هي وسائل تطبيق ذلك التعريف في الواقع: فرض رأي واحد، أم تفاوض بين الأطراف، أم إصدار قوانين، أم استعمال القوة والغلبة والحرب؟
نظام الحكم العاقل هو الذي يختار وسيلة التفاوض، ليعقبها إصدار القوانين المشروعة الحاكمة للنزاعات، لتصبح ممارسة السياسة برداً وسلاماً على الجميع. منذ القدم، وعلى الأخص منذ الفيلسوفين أفلاطون وأرسطو في اليونان والحكيم كونفوشيوس في الصين، مروراً بعشرات الفلاسفة والحكماء، والعالم يفتش عن تعاريف للسياسة وعن وسائل لممارسة السياسة، حتى وصلنا إلى ذلك التعريف وتلك الوسائل.
ملخص الأمر أن أي نظام سياسي لن يكون شرعياً ومقبولاً إلا إذا قام على توافق بين مجتمع وسلطة دولة. والمجتمع لا يمكن أن يسهم من خلال كل فرد، فهذا غير ممكن عملياً، ولكنه يسهم من خلال مؤسسات مثل التنظيمات السياسية المدنية، ومثل وسائل الإعلام الحرة المستقلة الموضوعية، ومثل المجالس النيابية المنتخبة التي تعبًّر عن مشاعر ومطالب من انتخبوها. وحدهم الفوضيون الذين يرفضون العمل السياسي المنظم ويسعون لتدمير الأسس السياسية التي تقوم عليها الدولة. فهل تريد مؤسسات الحكم في بلاد العرب أن تنتمي إلى فكر الفوضيون وأن تشذًّ بذلك عن الطريق الذي تسلكه البشرية المتحضًّرة بشأن السياسة، فكراً وممارسة؟ نحن على دراية بما يعتري حقل السياسة من نواقص. وهي نواقص قادت الكاتب البريطاني فيرا بريتين لأن يصف السياسة بأنها» تنفيذ معبر عن عدم نضج الإنسان»، وقادت الكاتب الفرنسي ألبرت كامو إلى القول باستهزاء بأن « الذين يملكون عظمة في داخلهم لا يدخلون السياسة»، وأدت بمفكر متزن في الاقتصاد مثل جيلبريث الأميركي ان يصرخ يائساً « السياسة ليست فن الممكن، وإنما هي الاختيار بين ما هو مصيبة وما هو مر الطعم»، أو أن يقول المثقف المعروف رئيس دولة التشيك بمرارة من أن «السياسة يمكن أن تكون فن غير الممكن، أي فنُ تحسين أنفسنا وعالمنا». لكن ذلك الذم، وهو كثير، لم يدفع بالدول العاقلة إلى محاولة إماتة السياسة في مجتمعاتها. ذلك أنها أدركت أن بديل السياسة تكون الحروب والصًّراعات العبثية الدامية.
ولذا، فثانياً، فان ما نراه اليوم من دمار ومذابح في عدة أقطار ما هو إلا حصيلة محاولات إماتة السياسة أو إيصالها إلى حدود العدم وقلة الحيلة.
في وطن العرب، نحن الآن بين أمرين: فإما أن نسلك طريق إنضاج السياسة والسمو بممارستها، وذلك بتصويب أخطائها من خلال تحكيم القانون العادل المنصف، وإما أن نسلك طريق إماتتها عن طريق القوانين الجائرة واستعمال القوة المفرطة. عند ذاك لن نحصد إلا الندم والبكاء على ملك لم نحافظ عليه كبشر عاقلين، فموت السياسة هو أقصر طريق لموت المجتمعات والدول، والتاريخ يشهد على ذلك.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

407 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع