الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - من حكايات جدتي ... الأربعون

من حكايات جدتي ... الأربعون

                                                    

                            بدري نوئيل يوسف


الرجل الفقير والعجوز والقطع الذهبية

عادت جدتي منزعجة من منزل جارنا ابو البنات وعندما سألتاها عن السبب قالت: نقلا عن زوجته أم البنات أن زوجها اراد ان يدق مسمار على الحائط وطلب من ابنته ان تذهب الى منزل جارهم أبو تغريد، وتطلب منهم جاكوج (مطرقة) ،

عادت البنت وأعلمته ان أبو تغريد لا يعرف إين وضعه ، طلب من ابنته للمرة الثانية ان تذهب الى جارتهم أم مشتاق وعندما عادت اعلمته بنته أن أبو مشتاق اخذه معه، وطلب للمرة الثالثة من ابنته ان تذهب الى أبو فريال جارهم الثالث، عادت البنت وأعلمته ان جاكوجهم مكسور، هز رأسه أبو البنات منزعجا وغضب غضبا شديدا، وشتم وسب جيرانه لأنهم لم يقدموا له أي مساعدة واتهمهم بالبخل والغيرة وأنهم يحسدونه ، وقال لابنته بعصبية : (بنتي جاكوجنا بالصندوق جيبه).
بعدها حدثتنا جدتي حكايتها اليومية قائلة:

كان هناك رجلاً فقيراً تزوج من امرأة وأنجبا طفلاً، فقرر الرجل السفر لطلب العيش، فاتفق مع امرأته على عشرين عاماً من السفر، وإذا زادت يوماً واحداً فإن المرأة حرة طليقة تفعل ما تشاء، وعدته زوجته بذلك فسافر وتركها وولده الذي لم يبلغ شهراً واحداً، سافر الرجل إلى إحدى البلدان حيث عمل في طاحونة قمح لدى رجل طيب وسر منه صاحب الطاحونة لنشاطه.
بعد عشرين عاماً قال لصاحب الطاحونة: لقد قررت العودة إلى البيت لأن امرأتي وعدتني بأن تنتظرني عشرين عاماً وأريد أن أرى ما الذي يجري هناك.
قال له صاحب الطاحونة: اشتغل عندي عاماً آخر أرجوك فقد تعودت عليك كما يتعود الأب على ابنه، لكن الرجل قال: لا أستطيع لقد طلبت الدار أهلها وحان الوقت كي أعود فقد مضى على غيابي عشرون سنة، وإذا لم أعد إلى البيت هذا العام ستتركه زوجتي، أعطاه صاحب الطاحونة ثلاث قطع ذهبية وقال له: هذا كل ما أملك من الذهب، خذها فهي ليست بكثيرة عليك، أخذ الرجل القطع الذهبية الثلاث واتجه نحو قريته، وفي طريقه إلى القرية التقى به ثلاثة من المارة كان اثنان من الشباب والثالث رجل عجوز.
تعارفوا وبدؤوا بالحديث بينما الرجل العجوز لم يتكلم ولا كلمة، بل كان ينظر إلى العصافير ويضحك فسأل الرجل: من هذا الرجل العجوز؟ أجاب الشابان: إنه والدنا، قال الرجل: لماذا يضحك هكذا؟ أجاب الشابان: إنه يعرف لغة الطيور وينصت إلى نقاشها المسلي والمرح، فسأل الرجل: لماذا لا يتكلم أبداً ؟ أجاب الشابان: لأن كل كلمة من كلامه لها قيمة ثمينة وحكمة،  قال الرجل: وكم يأخذ؟ أجاب الشابان: يأخذ قطعة ذهبية مقابل كل جملة.
تساءل الرجل في نفسه: إنني إنسان فقير هل سأصبح أشد فقراً؟ إذا ما أعطيت هذا العجوز قطعة ذهبية واحدة كفاني اسمع ما يقول، فأخرج من جيبه قطعة ذهبية ومدها إلى العجوز، فقال العجوز: لا تدخل في النهر العاصف وصمت وتابعوا مسيرتهم.
قال الرجل في نفسه: عجوز فظيع يعرف لغة الطيور ومقابل كلمتين أو ثلاثة يأخذ قطعة ذهبية ، ترى ماذا سيقول لي لو أعطيته القطعة الثانية؟
مرة أخرى تسللت يده إلى جيبه وأخرج القطعة الذهبية الثانية وأعطاها للعجوز، قال العجوز عندها: في الوقت الذي ترى فيه نسوراً تحوم اذهب واعرف ما الذي يجري، وصمت وتابعوا مسيرتهم.
قال الرجل في نفسه: اتعجب بماذا يقول، كم من مرة رأيت نسوراً تحوم ولم أتوقف ولو لمرة واحدة  لأعرف ما المشكلة! سأعطي لهذا العجوز القطعة الثالثة، بهذه القطعة ومن دونها لن تتغير الأحوال.
للمرة الثالثة تسللت يده إلى جيبه وأمسك بالقطعة الأخيرة وأعطاها للعجوز، أخذ العجوز القطعة الذهبية وقال: قبل أن تقدم على فعل أي شيء عد في عقلك حتى خمسة وعشرون، وصمت، وتابع الجميع المسير ثم ودعوا بعضهم وافترقوا، اتجهى الرجل إلى قريته، وفي الطريق وصل إلى حافة نهر وكان النهر يعصف ويجر في تياره الأغصان والأشجار تذكر الرجل أول نصيحة أعطاها العجوز له لا تحاول دخول النهر، جلس على ضفة النهر وأخرج من حقيبته خبزاً وبدأ يأكل، في هذه اللحظات سمع صوتاً وإذ به يرى فارساً وحصاناً أبيضاً، سأله الفارس: لماذا لا تعبر النهر؟ أجاب الرجل: لا أستطيع أن أعبر هذا النهر الهائج، فرد عليه الفارس: انظر إلي كيف أعبر هذا النهر البسيط، وما إن دخل الحصان النهر حتى جرفه التيار مع فارسه، كانت الدوامات تدور بهم وغرق الفارس، أما الحصان فقد تابع السباحة من حيث نزل وعاد الى جهة الرجل، أمسك الرجل الحصان وركبه وبدأ البحث عن جسر للعبور، ولما وجده عبر إلى الضفة المقابلة ثم اتجه نحو قريته، في طريقه يمر بالقرب من شجيرات كثيفة رأى ثلاثة نسور كبيرة تحوم.
كلمَ الرجل نفسه: سأرى ماذا هناك، ترجل عن الحصان واختفى بين الأشجار وهناك رأى ثلاث جثث هامدة وبالقرب منها حقيبة من الجلد، تقرب من الجثث واخذ الحقيبة ولما فتحها وجدها مليئة بالقطع الذهبية، كانت الجثث لقطاع طرق سرقوا في أثناء الليل أحد المارة ثم جاؤوا إلى هنا ليتقاسموا الغنيمة فيما بينهم، ولكنهم اختلفوا في الأمر وقتلوا بعضهم بعضاً بالمسدسات، أخذ الرجل النقود ووضع على جنبه مسدس وتابع سيره، وفي المساء وصل إلى بيته وفتح الباب الخارجي ووصل إلى ساحة الدار وقال في نفسه: سأنظر من النافذة لأرى ماذا تفعل زوجتي.
كانت النافذة مفتوحة والغرفة مضاءة، نظر من الشباك فرأى طاولة وسط الغرفة وقد غطتها المأكولات وجلس إليها اثنان الزوجة ورجل لم يعرفه كان ظهره للشباك، فارتعد من هول المفاجأة وقال في نفسه: أيتها الخائنة لقد أقسمت لي بأن لا تتزوجين غيري وتنتظريني حتى أعود، والآن تعيشين في بيتي وتخونيني مع رجل آخر!
أمسك على قبضة مسدسه وصوب لداخل البيت ولكنه تذكر نصيحة العجوز الثالثة أن يعد حتى الخمسة والعشرين،
قال الرجل في نفسه: سأعد حتى الخمسة والعشرين وبعد ذلك سأطلق النار، وبدأ بالعد، في هذه الأثناء كان الفتى يتحدث مع الزوجة ويقول: يا والدتي سأذهب غداً في هذا العالم الواسع لأبحث عن والدي، يصعب أن أعيش بدونه يا أمي.ثم سأل: كم سنة مرت على ذهابه؟ أجابت الأم: عشرون سنة يا ولدي، عندما سافر أبوك كان عمرك شهراً واحداً فقط.ندم الرجل وقال في نفسه: لو لم أعد لارتكبت مصيبة وتعذبت عليها أبد الدهر، وصاح من النافذة: يا ولدي، يا زوجتي، اخرجوا واستقبلوا الضيف الذي طالما انتظرتموه.
وختمت جدتي حديثها قائلة: ﻗﺪ ﺗﻜﻮﻥ القصة ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ أو ﻣﻦ ﻣﺤﺾ الخيال ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻤﻬﻢ ﻫﻮ ﻋﻠﻴﻨﺎ أن ﻧﻔﻜﺮ ﻗﺒﻞ ﻋﻤﻞ أي شيء نريده ﻟﻜﻰ ﻻ نندم ﻓﻰ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ.
المصدر : من التراث الشعبي العراقي

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

314 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع