الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - من حكايات جدتي ... التاسعة والثلاثين

من حكايات جدتي ... التاسعة والثلاثين

                                                         

                                 بدري نوئيل يوسف

                 
              حكاية القطاه والغزالة والحمار

في هذا اليوم كانت جدتي مشغولة بتحضير طاسه الحنة (الحناء)، فخلطت الحنة والوسمة ( نص بنص) وعجنتها بماء الشاي الخدران حتى يكون اللون غامقا وثابتا وهذه الخلطة للمتقدمات بالعمر، وتنتظر جدتي جارتنا التي ستقوم بصبغ شعرها بهذه الخلطة، والعادة تجلس جدتي امام جارتنا التي تقوم بوضع الحنة على شعرها وتلبس دشداشة قديمة لا يهمها صبغها او تلوثها بالحناء، فتبدأ الجارة بوضع الحناء على شعر جدتي (خصلة .. خصلة) وبعد الانتهاء من صبغ الشعر كله،تعصبه بقطعة قماش من الملابس القديمة التي احتفظت بها جدتي لمثل هذه المناسبة ، وكلما ظلت الحنة على الشعر مدة اطول تعطي لون اجمل، ومرات تبات جدتي والحنة على شعرها، وفي صباح اليوم التالي تذهب الى الحمام. والغاية من صبغ شعرها في هذا اليوم لأنها سترافق جارتنا للذهاب لخطوبة صبية لابنها ولكي تكسب شعرها اللون الاحمر المرغوب عندها، ومرات تستعمل الحنة لتقوية شعرها حيث تخلط الحناء بقشور الرمان او الدباغ أو تخلط الحناء بصفار البيض مع مسحوق الكزبرة وورق التفاح اليابس، أما جارتنا لها وصفة خاصة تخلط الكركم مع الحناء حتى يميل لون شعرها الى الاصفرار لإشباع رغبتها في اختيار اللون الذي تميل اليه، ومرات إذا ارادت ان يكون شعرها (بني طوخ) خلطت الحناء بالقهوة المطحونة او عجنها بماء الشاي (الخدران).
في المساء تجمعنا حول جدتي وحدثتنا :
كان ما كان وعلى الله التكلان كل من عنده ذنب يقول التوبة واستغفر الله، يحكى ان قطايه (قطا) وغزالة وحمارا قد اجتمعوا في البرية وبعد ان تم التعارف بينهم، واخذ كل واحد منهم يشكو ظلم ابن الإنسان وقوته على الحيوانات خصوصا عليهم الثلاثة . فقالت القطاية: كلما رآني صادني وذبحني وأكلني من دون ان يرحم أطفالي .
وقالت الغزالة: أما انا فلا يكتفي بأكل لحمي بل بسلخ جلدي ويستعمله بسطا .
وقال الحمار: أما انا يشغلني من الصبح الى المساء حتى إذا أنهكت قواي شدني ووضع أمامي قبضة من الحشيش والتبن لاتسمن ولا تغني من جوع ، أكل منه الضرب الموجع ويخزني أحيانا بالعصى فيخرج الدم مني، وأنا صابر على هذا الجور ، فأي حياة هذه التي نحياها مع الانسان ؟.
وبعد اخذ ورد وشرح وبكاء وتوجع قرروا أن لا عيشة لهم مع بني البشر بعد الآن، وان عليهم ان يجدوا محلا بعيدا لا تصلهم يده ليعيشوا، حتى يأتيهم هادم اللذات ومفرق الجماعات وقرروا ان يختاروا محلا بعيدا يزرعون فيه ويفلحون ويأكلون على ما يشتهون، فتطير القطاية الى القرى تلتقط الحب من بيدرها حنطة أم شعيرا وتأتي بها الى أرضهم لتنثرها .
أما الغزالة فتولى مهمة بذر الحبوب لسرعتها وكثرة جريها، أما الحمار فيقوم بحرث الارض وهي مهنته بالأصل ، وبعد ان تم العهد والميثاق على ذلك ذهبوا الى المحل الموعود، واختاروا لهم بقعة خالية بعيدة عن العمران بمسافة شهر، فقام الأخير وهو الحمار يحرث الارض وعزقها، وطارت القطاية الى القرى والبلدان والحقول لجلب البذور ، وقامت الغزالة بالبذر، وانتهت أعمالهم خلال شهرين من الزمان وسقطت الأمطار الغزيرة على مزرعتهم وطلع الزرع وكبرت السنابل، وكانوا يجتمعون كل يوم في المزرعة للسمر والحديث حتى إذا تأخر الوقت بهم قام الكل، فأوت القطاية الى عشها والغزالة الى كنها والحمار الى أخوره .
وفي احد الايام تمارض الحمار واستلقى ووضع جنبه بالأرض ويتلوى ويتألم متحايلا، وبعد ان غادرت القطاية والغزالة الحقل انتصب على رجليه ودخل الحقل واخذ يلتهم الزرع، دخل فيه من راس وخرج من راس ولم يبق شيئا وعاد الى محله الاول، كما هي عادته غط في نوم عميق ويصدر عَنْهُ صَوْتٌ فِي نَوْمِهِ مِنْ حَلْقِهِ وَأَنْفِهِ، حتى اقبل الصباح جاءت الغزالة والقطاه الى الحقل كعادتهما فوجدتا لم يبق من الزرع شيء وقد خلا من كل السنابل ، فأخذهما العجب وقصدا الحمار وايقضاه واخبراه بالموضوع كله فقال :
إني مريض ولم أقم من مكاني، ولم اعرف ماذا جرى ؟ منذ تركتماني البارحة.
وبعد جدال وعراك اخذ الواحد منهم يتهم الآخر، وأخيرا اتفقوا فيما بينهم ان يحلفوا يمينا على عدم أكله الزرع أمام بئر، فتوجهوا إليه يحثون الخطى، وكان أول من تقدم الى البئر لأداء القسم القطاية فبعد ان استغفرت الله على ما تقدم من ذنوبها وما تأخر، قالت بصوت رقيق: قط… قط… انا القطيط ،  قط…قط… أكلي اللقيط،  قط… قط… يا بير ، قط… قط… إن كان أكلت، اطمس ما اطلع . قالت هذا وقفزت الى البئر من جانب وطلعت من الجانب الثاني ، وبعدها تقدمت الغزالة من البئر واستغفرت الله على ما تقدم من ذنوبها وما تأخر ثم قال بصوت رخيم : غز… غز… انا الغزيل ، غز غز… أكلي الزرير ، غز… غز… يا بير ، غز… غز… إن كان أكلت ، اطمس ما اطلع .
ثم قفزت من جهة من البئر وغطست وخرجت من الجهة الثانية ، ثم تقدم الحمار الى البئر وصلى واستغفر على ما تقدم من ذنوبه وما تأخر ، ثم قال بصوت غليظ : حم … حم انا الحمير، حم… حم أكلي الشعير ، حم… حم… يا بير ، حم… حم، إن كان أكلت ،حم… حم… اطمس ما اطلع. قال هذا وقفز الى البئر قفزة عظيمة فسقط في الأسفل ومات .
( كنا عدكم وجينا لو كان عندي حمل زبيب لوزعته على المستمعين)
المصدر : من التراث الشعبي العراقي

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

367 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع