الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - من دفتر الذكريات كذبة نيسان وتطير الافيال

من دفتر الذكريات كذبة نيسان وتطير الافيال

                                                              

                                 بدري نوئيل يوسف ـ السويد

في احدى الامسيات وأثناء زيارتي لصديقي الشيخ ، سألته ما الفرق بين كذبة نيسان وتطير الافيال حسب اللهجة العراقية ، ضحك ملء شدقيه ثم ورث سيجارته واخذ نفسا عميقاً وقال بهدوء :

في احد الايام كان القديس توما الإكويني مع اصدقائه في قاعة كبيرة ، وكان أحد هؤلاء الاصدقاء يقف بجوار نافذة يطل منها للخارج ، ثم وجه كلامه للقديس توما الذي كان يجلس بعيدا عن النافذة ، قائلا له :تعال انظر ما اراه ، فرد عليه الإكويني مستفسرا والدهشة تملأ وجهه ماذا ترى من النافذة ، أجابه الصديق انني ارى بقرة تطير في السماء ! ولم يُكَذب الإكويني خبرا ، قام متجها نحو النافذة لعله يرى تلك البقرة التي تطير في السماء ، وراح يتطلع من النافذة في كل اتجاه وفي السماء ، فلم يكن هناك بقر أمامه على الأرض ولا في الفضاء تطير ، التفت القديس الإكويني إلى صديقه يسأله عن مكان البقرة التي أخبره انها تطير ، فضحك الصديق ساخرا من الإكويني وسأله : هل صدقت يا قديس أن بقرا يمكن أن يطير . رد القديس الإكويني بعبارة هي المقصودة بمعناها وهذا هو الأهم من وراء الحكاية كلها إذ قال موجها كلامه إلى صديقه في حزن عميق : إنني يا صديقي أتصور بقرا يطير ، ولا أتصور أبدا رجلا يكذب !   
ثم استمر الشيخ بالكلام قائلا : صديقي ، الحديث عن هذه المقارنة يحتاج الى وقت وجهد ومجلدات تدون فيها أنواع الاكاذيب ، فكذبة نيسان يحتفل العالم اليوم بمرور 451 عامًا على ظهورها في فرنسا عام 1564 ، وتحولت إلى نوع من الاحتفالات الساخرة لنشر الأخبار الكاذبة على سبيل المرح والمزح والضحك ليس إلا ، وفي كل عام حيث ينتظر العالم شهر نيسان لاختراع كذبة تضفي الفرح عوضاً عن الأحداث المؤسفة على الساحة الدولية. هذه الكذبة لا تكون محزنة ولا تخدش صاحبها وضحيتها لأنها لها طعم خاص وأصبحت تقليعة متداولة بين الشعوب وانتقلت الى العراق لتكون احدى الممارسات الاجتماعية ، جاءت للتوازن بين الجد والهزل في ظروف مليئة بالصعاب وتفقد دهشتها بسبب وسائل التواصل الاجتماعي لأنها تنتشر بسرعة ويضيف لها تعليقات تغير مضمونها وفكرتها .
الأول من نيسان يوم مقدس في اسبانيا ، وفي المانيا يصادف يوم مولد الزعيم بسمارك ولهذا يحاول الشعب الالماني والاسباني الابتعاد عن كذبة نيسان لكن اغراء الكذبة يسيل لعاب الذين يفضلون المرح والضحك .
والعالم العربي يحتفل أيضًا بكذبة نيسان على سبيل المثال اطلق في السعودية عام 2009 كذبة على وجود الزئبق الاحمر في ماكينات الخياطة نوع سنجر القديمة وأصبح الجميع يبحثون عنها ووصل سعرها عالي وهذه كذبة ونوع من المزح وراح ضحيتها الكثير من الذين اشتروا المكائن بأسعار عالية !
أما تطير الافيال فقد جاءت من عالم ديزني بعد اختراع افلام الرسوم المتحركة ، علمنا ان تلك الحيوانات الكبيرة والضخمة  أصبحت طائرة ، وتعريف تطير الافيال يعني كذبة من العيار الثقيل اطلقت بين الناس واستطاع الساسة الغربيون ان يطيروا لنا الافيال وتلقفها الساسة العراقيون وتدربوا عليها وهكذا نشأت فكرة طيران الافيال وأصبحت ارض العراق من اكبر المطارات التي تهبط عليها الافيال ومن ثقلها تهدمت وخربت حضارة وثقافة وآثار ومصانع وشوارع وبيوت العراق .
تعددت الافيال الطائرة فمنها تحمل على ظهرها الطائفية والأخرى تحمل السياسة والحياة الاجتماعية والثقافية والتجارية والآثار ، وكلما تفتح التلفزيون نشاهد مَنْ يطير الافيال في الكهرباء وتوزيع الاراضي والمستشفيات ومنهم من يبث بشرى سارة أن فيل سيهبط لزيادة الرواتب وإنشاء شبكة للمجاري وتصدير الكهرباء والقضاء على الفساد الاداري وإصدار قوانين لخدمة المواطنين ، و...و!  
نحن الان في زمن سيء فقدت فيه الخصال الحميدة وحل محلها خصال قبيحة سيئة وأهمها الكذب ، لقد انتهى زمن الحق فالكذب والنفاق قد استشرى في جسد الوطن حتى النخاع ، اصبح الكذب سياسة وصناعة فكل يوم نسمع بالكذب الابيض والكذب السلبي والكذب الايجابي والكل يعلم أن الكذب حرمه الله في وصاياه للإنسان ، وأصبح الكذب آفة تنخر كل المؤسسات الحكومية ودوائر الدولة والجامعات ، وإذا جمع ما قدم من كذب وأفيال طائرة سوف لا تسعه مجلدات ولهذا كانت الافيال الطائرة سبباً في تأخير في بناء البلد .
لقد تحولت كل مؤسسات الدولة الى مصانع تنتج افيال طائرة (كذب) يديرها منتفعون ومنافقون والذين يرددون كل يوم نحن العدل والمساواة نفكر بالمصلحة العامة والوطن ، مدعين حبهم لمساعدة المواطن وتحت امرته وبخدمته،وكل من يعمل بهذا المؤسسات دربهم المسئول الكاذب على فنون الكذب والنفاق وتطيرالافيال.
هناك مسئولون في وضح النهار يطيرون افيال على الناس ، وتمر افيالهم ( كذبتهم)  من دون رقيب أو محاسبة ، ويبقى المساكين المواطنين يتذكرون الافيال الطائرة ومن يديرها بحسرة وألم ، اصبحوا خبراء في تضليل العقول لا فرق بين كذب الاقوال و كذب الافعال والكذبتين عبث بالأهواء وخذلان الحق واستعلاء الباطل ، فقد يخترع الكاذب كل يوم كذبة حتى يحافظ على الكذبة الاصلية ولا يدرك قدر الورطة التي يقع فيها فلن يكون الكاذب مطير الافيال ناجحا لأنه لا يحتفظ بذاكرة قوية يتذكر افياله الطائرة ، فهؤلاء يعملون بالمثل القائل الكذب (المصفط) أحسن من الحجي (المخربط) ، أي أن الرواية المتماسكة لو كانت كذبا اقوى من الراوية الصادقة الغير متماسكة .
يقول معروف الرصافي : أصبحتُ لا أقيم للتاريخ وزناً ولا أحسب له حساباً لأني رأيته بيت الكذب ومناخ الضلال ومتشجم أهواء الناس . وصدق القديس الإكويني عندما قال أتصور بقرا يطير ، ولا أتصور أبدا رجلا يكذب .


الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

323 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع