الدكتور نزار السامرائي العائد من ارض الموت أسئلة الحرب وبرهان الأمل قراءة أولية...

                                          

                          د. عبد الستار الراوي

             
 
 (13)
اللحظة الفاصلة بين الكرامة وضياعها لعشرين عاما، كان ذلك في 24/3/1982،ففي ذلك الضحى الدامي والأسود،

كنّا نتقدم برتلٍ الواحد وراء الأخر، كان عددنا في تلك البقعة حوالي أربعين شخصا، بين صبي لا يتجاوز عمره الرابعة عشرة من العمر، وبين شيخ تعدى عمره الستين، كان الجنود الإيرانيون، أو حرس الثورة يتكلمون بلا انقطاع، وكنّا كلما تقدمنا إلى المجهول التحق بنا آخرون من سيئي الحظ والمنكودين، وفجأة علا الصياح من الحراس الإيرانيين، ثم انطلقت رشقة رصاص من بندقية آلية من نوع ج3، سقط ضابط عراقي مضرجا بدمه وفارق الحياة على الفور، دون أنْ يبكيه أحد،لأنّ الجميع هو مشروع لميتة مماثلة، كان الرجل نسي في أجواء اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، نزع مسدسه من حزامه، ولأنّه كان ضابطا، وحينما كان يتحرك رافعا يديه، كما هو حال الجميع، عاجله أحد الحراس الإيرانيين بزخةٍ من رصاص بندقيته الآلية.
(14)
تمتمت بالشهادتين وتساوت عندي كل الاحتمالات، وتوكلت على الله، وتقدمت يسبقني قليلون ويعقبني كثيرون، ولكنّ اللحظة التي نقلتني من عز الحياة، إلى ذلها، مرت كما أراد الله لها، وتداعت في مخيلتي صور السفر الملغى، بدأ الألم في يدي اليسرى ترتفع حدته مع الوقت، ولكنّ ألم الظرف الناشئ كان يتصارع في داخلي مع ألم كفي، أحسست وكأنّ مسيرة الضياع قد بدأت، حينها بدأت أسترجع شريط حياتي، وهذا شأن كل من يقع في مصيبة تزلزل كيانه، وخاصة في المراحل الحرجة وهي الدقائق والساعات والأيام الأولى، أول ما ينتاب من هو بوضعي، هو شريط الماضي بحلوه ومره يمر سريعا، وتتداخل فيه الصور، في بعضها ألم لما حصل، وهذا شأن كل من يمر بمحنة كهذه وأية محنة، ترى كيف ستتلقى والدتي النبأ، وهل تطيق ذلك؟
والدتي التي فقدت ألكثير من أولادها، مثنى، ونافع، وعبد الودود، ثم عليّا ابن الثانية عشرة من العمر، فهل سيلتحق نزار بقائمة من رحل؟
لا بدّ أنّها تساءلت مع نفسها أو بصوت عال مع نشيج مرير، ولابد أنّها ستسأل عما إذا كان سيعود؟ومتى يعود؟أماأبي هذا الشيخ الصبور، الذي يأبى عليه إيمانه أنْ يظهر حزنه، كيف سيغالب مشاعره لحظة سماعه النبأ؟
وهو الذي قدم للحرب أربعة من أبنائه ما زالوا يقاتلون بلا ملل، ومن ظنه أبعدهم عن أهوالها، إذا به أول ضحاياها، من بين الأبناء،
وما هو وقع الحادث على زوجتي؟وقد تركتها وحيدة في الدار،
كانت أسئلتي كثيرة وعميقة، بعمق الصدمة وحجم الدهشة، أحقا أنا أسير؟وإلى أين أسير؟أم أنا في حلم مرعب؟أمدّ يدي لأتلمس الجرح، فيتلاشى ألمه مع ألم رحلة العذاب التي لم يدر بخلد أكثرنا تشاؤما أنّها ستطول إلى الزمن الذي بلغته، لم يذق منّا طعم النوم منذ أكثر من أربع وعشرين ساعة، وما نمته قبل ذلك كان يختلط بدوي القنابل.
(15)
كان ذلك في الثامن عشر من كانون الثاني / يناير 2002، وبدأت عمليات تدوين الأسماء على قوائم رسمية، يستدعى كل أسير وحسب الحروف الهجائية لتثبيت اسمه الكامل، ويتم تبليغه بالتعليمات الصارمة التي عليه التقيد بها، وإلا سيفقد فرصته حتى لو أعيد من الحدود، نعم هكذا كانوا يحذروننا، ولم نكن في أي يوم من أيام الأسر التي بلغت سبعة آلاف ومائتين وخمسة وأربعين يوما،
غادرنا مشهد صباح يوم 20 / 1 / 2002،كان كل متر نقطعه الآن على الطريق يقربنا مترا من العراق، كانت الثلوج ما تزال تتساقط، والطريق كان محفوفا بمخاطر جمة، كانت وجهتنا الحدود الشرقية للعراق، ونقطة المنذرية بالذات ولكنْ من نقطة خسروي الإيرانية وعبر قصر شيرين، آخر قصور آيات الله، ولذا كان علينا أنْ نصل محافظة كرمنشاه مساء يوم 22/1/2002، هذه المحافظة تم تبديل اسمها إلى باختران، ولكنّها استعادت اسمها القديم من دون إعطاء سبب للتغيير أو إعادة الاسم القديم، وسارت القافلة محفوفة بأدعية الأسرى المتلهفين للوصول قبل أنْ يغير الإيرانيون موقفهم.
 
(16)
عاد نزار من رحلة الموت، وفي قلبه برهان الأمل؛فحينما اقترب من الحدود العراقية بالحافلات الإيرانية، وشاهد عن بعد حشود العراقيين على ضفتي الطريق جاءوا لاستقبال العائدين من أرض الموت، هنا وفي هذه اللحظة الغارقة بالحنين إلى الوطن؛ يقول السامرائي (تزاحمت الأفكار في الرؤوس، كم تعددت الصور أمام العين، ولكنّ الحقيقة كانت أكبر من كل خيال، وأجمل من كل الأحلام، حينما سلمني الجندي الإيراني للجندي العراقي، توقفت عن الحركة من دون إرادة مني، وهاج بحر الأسرى وماج غضبهم بالصياح تقدم يا نزار، ولكنّني تسمرت في مكاني وبهدوء وبآلية قفزت إلى رأسي عند تلك اللحظة الحاسمة، بدأت أفتح خيط حذائي الإيراني، ونزعته عن رجلي كليهما، ووسط صياح متعال، عبرت الحدود حافيا، بعد أنْ قدمت قدمي اليمنى، لأنّ أبي رحمه الله أوصاني بأنْ أقدم رجلي اليمنى حينما أدخل مكانا طاهرا ، ولأنّ الحذاء كان إيرانيا فقد وجدت من المستحيل أنْ أدخل أرض العراق الطاهرة بحذاء إيراني).
 
ملاحظات:
قبيل أن أختم الحلقة الاولى من هذا السفر الوثائقي؛ فأني أرى أن (ان زيارة السامرائي إلى قصور آيات الله) تحولت بكثافة معلوماتها من المذكرات اليومية إلى دراسة معمقة تضاف إلى أدبيات القانون الدولي الانساني بوصفها وثيقةإنسانية تنتمي إلى روح اتفاقية جنيف الاربع وملحقاتها الإضافية، فالكتاب كما نوهت سالفا ليس مجرد سرد ليوميات الاسرى، بل يذهب إلى ماوراء الاقفاص والسجون والزنازين .. انه يكشف الكثير من الحقائق الغائبة من بينها:
1ـ العقيدة العسكرية القتالية للجيش الايراني
2ـ ايديولوجيا ولاية الفقيه بكل فصولها واهدافها ومراميها
3ـ موقف التجربة الإيرانية من الوطن العربي بلدا بلدا
4ـ بعض ملامح الشخصيةالإيرانية في نموذجها اللاهوتي المهيمن
5ـ الكتاب يصلح ان يكون مادة معرفية في مناهج الاكاديميات العسكرية العربية وفي دول الخليج العربي على وجه الخصوص.
 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1012 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع