"ساعة جامع ابو حنيفة النعمان ابداع عراقي، يستحق مصممها وصانعها عبد الرزاق محسوب الى تكريم ووفاء لما انجزه"

         

" ساعة جامع ابو حنيفة النعمان ابداع عراقي، يستحق مصممها وصانعها عبد الرزاق محسوب الى تكريم ووفاء لما انجزه"

     

     

       

في جلسة مع الصديق الطبيب الاستشاري عامر الهاشمي، كما هي عادتنا حين نلتقي، تمر بنا الذكريات بما لها وما عليها، وتفيض ذاكرة ابو محمد، بالعلم والسياسة والادب والرياضة، وتحدثنا حول شخصيات بلدنا واوضاعنا ايام الخير، ولكم رأينا وقت التحدي والتجويع الحضاري للشعب العراقي، وكيف كانت عقول وسواعد وارادات الكفائات العراقية تناخت وابدعت ولم تبقى اية قطعة ارض مهما كانت مساحتها إلا وزرعتها السواعد  لتجنيب اذلال الشعب العراقي من خلال تجويعه، وبعد ان يأس العدوانيون اعداء التقدم والأنسانية، وقاموا بتكتيل دول بلغ عددها اكثر من اربعين دولة وجيوشها بشن العدوان الهمجي الغادر على دولة العراق بعد ان عجزوا عن تركيع الشعب العراق من خلال الحصار الجائر، فإستخدوا اسلوب الحرب الشاملة، ولعل اهم ما تمتاز بها جلساته هي الروح الانسانية التي تحسها تصدر عنه،

           

ومع هذه الجلسة الجميلة رجعت بنا الذكرى الى الاعظمية التي نفتخر بها لشواخصها الشامخة بوجود مرقد وجامع ابو حذيفة النعمان وطيبة ومكانة اهلها، والمقبرة الملكية ودور العلم والفقه، والتي هي نابعة من فخرنا الدائم لوطننا الغالي العراق، وتطرقنا باستفاضة الى احد معالمها الا وهي ساعة الاعظمية التي صممها وصنعها جد الدكتور عامر لامه، أغواني الدكتور عامر بما افصح عنه، والذي يتجاوب مع تراثنا الغني، ولانه ينطوي على القيمة الانسانية التي تصلنا به،  حينها بدأ القلم يخط ويرسم صورة بهية لهذه الشخصية العبقرية التي استطاعت ان تصمم وتصنع ساعة عراقية شامخة في احدى جهات جامع الامام الاعظم، ولكي يسطر القلم الكلمات لا بد وان نستذكر منطقتنا وان نغوص في تراث بغداد وساعاتها.
 يعود تأريخ الأعظمية، الى عهد الخليفة المنصور وقد سميت المدينة نسبة الى الفقيه الامام الأعظم أبي حنيفة النعمان (رضي)، ودفن بها، ودفنت فيها الياقوتة بنت المهدي وقد نسبت المقبرة للخيزران لأنها زوجة الخليفة ووالدة خليفتين..، لقبر أبي حنيفة حظوة عظيمة من الوجهة التخطيطية( الطوبوغرافية) وذلك لأنه من المواقع القليلة التي لازالت باقية في بغداد الشرقية، الم يتغزل الشاعر علي بن جهيم في عهد الخليفة العباسي المتوكل بالله بترف الحياة في بغداد من فوق جسرها العتيق في الاعظمية قرب الجامع  الذي يربطها بمدينة الكاظمية والذي كان واحدا من أقدم جسور بغداد العائمة في ذلك الزمان، حين قال: (عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري).
تتبوأ الاعظمية مكانة مرموقة من جميع النواحي الاجتماعية لذا سرعان ما اتسعت ونمت نموا ملحوظا واتساعا ملموسا فغصت بالمنازل والأسواق والعمارات والقصور الجميلة والمساجد الفخمة التي تناطح مآذنها السحاب، وبالبساتين التي تطل على نهر دجلة،

       

والمقبرة الملكية لما تتميز به من بناء راق وقبة جميلة وحدائق تحيط بها جعلتها مكانا سياحيا جاذباً للعديد من الافراد والعوائل، والحدائق والساحات ودورالثقافة والمكتبات العامة فضلاً عن اتخاذها مركز القيادة للحركة الاسلامية العربية، وبسماء مطرزة بالبلابل والحمام.
لم ينس الحاج عبد الرزاق محسوب الاعظمي العبيدي ابدا تلك المحلة التي ابصر النور فيها وهي محلة الشيوخ في عام 1882، حيث عاش حياته في هذا الحي البغدادي الذي سكنه علية البغداديون من الفقهاء، وابرز الشخصيات التي اسهمت في بناء النهضة والعلم والثقافة والادب والجيش والرياضة للعراق الحديث، في هذا الحي اكمل دراسته الابتدائية في كتاتيب المدارس التركية واجاد في صنعته كميكانيكي ومنها برع وصنع اول ساعة بغدادية نصبت في برج جميل في جامع الامام ابو حنيفة النعمان، بهذا تحقق حلمه وفاءً لرمز الاعظمية ابو حنيفة النعمان.
ابتكر البابليين  المزولة أو الساعة الشمسية لمعرفة الوقت وهي عبارة عن دائرة عليها علامات تبيّن الساعات فيما بين شروق الشمس وغروبها وقد تطورت الأقراص الشمسية معتمدة على حركة الأرض مقابل الشمس وتقدير الظل المتكون على القرص المدرَّج، ويؤكّد المؤرّخون أن أول ساعة في التاريخ صنعها السومريون قبل حوالي ستة آلاف سنة تقريباً موجودة حالياً في أحد المتاحف العالمية في أوروبا، بعدها أدرك الإنسان الحاجة لإيجاد آلات تقيس الوقت دون الحاجة لوجود الشمس، فاستخدم الساعات المائية لقياس وقته. هذه الساعات وإن اختلفت بمظهرها وطريقة صنعها إلا أنها تعتمد كلها على ملء وتفريغ الماء من إناء أو مجموعة أوان بزمن اصطلاحي معين، ثم تمت الاستفادة من الماء المفرغ لتحريك قطع تدل على الساعة، ونذكر هنا، ويذكر العالم كله، دور العرب والمسلمين في تطور صناعة الساعات المائية والرمل والزئبق والأثقال المختلفة، واخترعوا الساعات الشمسية النقالة وساعة الرحلة والساعة الشمسية المنبهة، ففي  مدرسة المستنصرية كانت تقوم، وقبل ما يقرب من ألف عام اول ساعة مائية في العالم، وما يزال مخططها موجودا حتى اليوم، والساعة المائية التي حيرت العلماء المعاصرين عندما ارادوا اعادة الحياة لها فلم يتمكنوا، هي عبارة عن طائرين متقابلين يحركان رأسيهما كأنهما يلتقطان حبات القمح، وهذه الحركة كانت تتم كل دقيقة، وكل ساعة يبيض احد الطائرين، وخلال اليوم تكون هناك 24 بيضة، وتعتبر الساعة النحاسية التي أهداها الخليفة هارون الرشيد  عام (807م) الى الملك  شارلمان، الأضخم والأعجب والأندر في العالم ، الأكثر من ذلك، أن الساعة لم تكن معروفة في ذلك العصر، وخاصة للأوربيين الذين كانوا أيام ذاك ينظرون إلينا، كما نحن ننظر إليهم اليوم مُقَلِدين مُقتدين، كانت ساعة ضخمة بارتفاع حائط الغرفة، وغرف ذلك الزمان كانت ترتفع بحوائطها،  حتّى الأمتار الخمسة وربما أكثر من ذلك، بالقوة المائية كانت تتحرك،  وعند تمام كل ساعة، يسقط منها عدد من الكرات المعدنية الكبيرة،  فوق قاعدة نحاسية مفرغة، فيُسمع لها رنين موسيقى جذاب في جميع أنحاء القصر، وفي ذات الوقت، يفتح باب من الأبواب الأثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة، والتي تُمثل ساعات النهار والليل بعد النهار، ويخرج منها فارس يدور حول الساعة ثم يعود من حيث خرج، فإذا حانت الساعة الثانية عشرة، يخرج من الأبواب اثنا عشر فارساً مرة واحدة، ويدورون حول محيط الساعة دورة كاملة، ثم يعودون ليدخل كل واحد من حيث خرج، وتغلق الأبواب بعد ذلك وراءهم، والأوربيون أنفسهم كتبوا في تمجيد هذه الساعة وأسهبوا في وصفها، واعتبروها أعجوبة ذلك الزمان وأعجوبة من أعاجيب هذا الزمان، وإذا كانت تلك الساعة قد أثارت إعجاب شارلمان إنما أرعبته، كما أرعبت الحاشية وخاصة منها الرهبان، فقالوا لشارلمان أنها مسكونة بالشيطان، أرسلها الخليفة هارون الرشيد هدية، ليقضي عليه، وليسلب منه ملكه، و ليثبت الرهبان جهلهم بذلك، أخذوا فؤوسهم وحطموا الساعة، ليخرجوا منها الشيطان، ولكنهم لم يجدوه، فقالوا للإمبراطور، أنه هرب منهم لأنهم رهبان الرب، وكذلك ساعة المسجد الأموي بدمشق، مما اوردناه انها تحفاً علميةً غاية في الدقة وقمة في الصنعة.
 ومن صانعي الساعات العرب المشهورين نذكر ابن الشاطر ومحمد بن نصر القسراني والمهذب بن النقاش وأبا العز الجزري.

               

بعد قرون من افول الدولة العباسية ومجد بغداد وتحديداً في القرن الثامن عشر، شيد الوالي العثماني  مدحت باشا  اول مرة في تاريخ بغداد برجاً لينصب في اعلاه ساعة القشلة المهداة من ملك بريطانيا جورج الخامس، وكان ذلك حدثا مهما في بغداد وذلك عام 1869م،

        

وكان ذلك بعد عشرة اعوام من نصب ساعة (بك بن) الشهيرة والتي تعلو مبنى مجلس العموم البريطاني في العاصمة لندن،

    

إذ كانت أغلب ساعات وجهاء واعيان وطبقة المثقفين والشيوخ ذات سلاسل توضع في الجيوب، أو ساعات جدارية في بيوتاتهم، ثم توالى نصب الساعات ذات الابراج في بغداد بعد ساعة القشلة فكانت ساعة الكاظمين عام (1882م) ثم ساعة الحضرة الكيلانية عام (1898م) فالساعة الاعظمية عام (1930م)

       

وساعة المحطة العالمية عام(1955)، ، وتعمل ساعة القشلة بنظام يختلف عن نظام الساعات المنوه عنها، إذ تحتوي ماكينتها على 6 مسننات، أما الساعات الأخرى فتحتوي على 30 ـ 35 مسنناً، انها ساعات كبيرة، شامخة، <<معمرة>>.. غدت بمرور الزمن تحفا معمارية نادرة، تربط بين الماضي والحاضر، وصارت في آن معا شاهدا على حقبة من القرن الثامن عشر، وجزءا من من القرن العشرين، وتعمل ساعة القشلة بنظام يختلف عن نظام الساعات القديمة، خاصة البغدادية منها، إذ تحتوي ماكينتها على 6 مسننات، أما الساعات الأخرى فتحتوي على 30 - 35 مسنناً.

      

بدأ الحاج عبد الرزاق حياته العملية بعد ان تدرب في العمل الميكانيكي، فافتتح  معملا لصناعة النواعير حيث لم تكن هناك مكائن زراعيه وابدع في هذه المهنه، وحين اندلاع الحرب العالميه الأولى انخرط في الجيش العثماني في فوج المجاهدين لمقاتلة الأنكليز واشترك في معركة الحويزه وفيها انتصر الأتراك على الأنكليز، واغتنم الاتراك منهم مدفعآ كبيرآ كان الأنكليز يستخدموه مع كميه كبيره من العتاد، وحينها قام المجاهدون من فرط فرحتهم بتكسير المدفع وتعطيل أليته، تشكلت لجنه من مهندسي الجيش العثماني، حينها قررت اللجنه تسقيط المدفع لعدم صلاحيته للخدمه، وهنا اخذت الحميه الدينيه والوطنيه بعبدالرزاق محسوب الذي  كان يحمل عقليه علميه وهندسيه بالفطره، ان يتقدم بطلب لأصلاح المدفع متحملأ عقوبه الأعدام في حالة  فشله وبعد المده التى حددها تم اصلاحه لذلك المدفع بحضور القاده الأتراك وحشود البغدادين وتهاليلهم وتكبيراتهم بالدفوف والاعلام، وهذا المدفع والاعتدة الاخرى وحشود المجاهدين مع القوات العثمانية السبب في انتصار القوات العثمانية على القوات البريطانية، حيث بدأت المعركة بحصار الجيش العثماني للقوات البريطانية والحلفاء في بلدة الكوت الواقعة على ضفاف نهر دجلة جنوب شرقي العراق، وانتهت بسيطرة العثمانيين على الكوت واستسلام كامل الجيش البريطاني.

  

ابتدأ حلم الحاج عبد الرزاق محسوب مع الساعة الاعظمية في عام (1919م)، يوم اهديت الساعة الكبيرة ذات الوجهين والتي كانت منصوبة في الحضرة الكيلانية لتصليحها ونصبها في جامع الامام الاعظم، غير ان هذه الساعة كانت قديمة وقد تلف الكثير من اجزائها اثناء رفعها، فطلبت مديرية الاوقاف العامة الى بعض المتعهدين إصلاحها واعنلت عن ذلك في الصحف المحلية فتقدم اليها الحاج عبد الرزاق محسوب الاعظمي وفحصها فوجدها غير صالحة، ثم رادوته فكرة القيام بصنع ساعة تليق بوجودها في جامع الامام الاعظم، وكانت فكرة رائعة تحكمت في احاسيسه ومشاعره حتى اقضت مضجعه في الليل واستنزفت الكثير من وقته في النهار، فراح يرسم خطوطها الرئيسية منذ تلك اللحظة  بنشاط غير اعتيادي في معمله، وفي ذهنه تصميم لصنع ساعة كبيرة مع هيكلها الخاص ذات اربعة اوجه بدلا من تلك الساعة ذات الوجهين، وهكذا واصل  عمله المضني في صنع هذه الساعة بمساعدة ولديه السيدين محمد رشيد وعبد الهادي حتى اتم صنعها في عام (1930م) وبعد الانتهاء من تنظيمها واجراء بعض التجارب، مستفيداً، من اخترع الفيزيائي الإنجليزي روبيرت هوك شاكوش الساعة الذي أتاح استخدام بندول ذي قوس تذبذب صغير طول الرقاص وقيمة عجلة التثاقل لضبط الوقت، وبعد عدة فحوص عليها امام جمهرة من اهل الخبرة وشاهدي العيان طلب من ادارة الاوقاف تسلمها هبة منه وبدون عوض لتوضع بدلا من تلك الساعة التالفة في جامع الامام الاعظم، الا ان العقليات القاصرة وغير المدركة في الاوقاف حينذاك تشككت في صنعها فأخذت تماطل في ذلك. واخيرا رفضت تسلمها فاحتفظ بها ونصبها في سطح معمله،وقد تجاوزت آفاقه اصداء دقات تلك الساعة وهي تعلن عن الوقت بانتظام، في 8/11/1931 زار الملك فيصل الأول كلية دار العلوم الدينية والعربية في الأعظمية وكان معه رئيس التشريفات تحسين قدري ومدير الأوقاف العام نوري القاضي وبعد أن أتموا زيارة الكلية اقترح عليهم عميد الكلية الحاج نعمان الأعظمي زيارة معمل محسوب للاطلاع على الساعة فذهبوا إلى المعمل وكان معهم أيضاً بعض وجوه الأعظمية، حيث صعد الملك ومن معه إلى سطح المعمل الذي نصبت فوقه الساعة وبعد أن اطلع على الساعة ودقائق صناعتها وأعجب بها وخاطب صانع الساعة بقوله: لعل عبد الرزاق لا يطلب لها ثمناً باهضاً !، فأجابه انه قام بصناعتها خدمة للوطن وانه لذلك متبرع بها ولا يرجو سوى الأجر الأخروي والثواب، فشكره الملك ووعده بقبولها ونصبها في موضعها في الوقت المناسب، واقترح الحاج نعمان الأعظمي أن تنصب الساعة في ساحة باب المعظم أمام مكتبة الأوقاف العامة، ثم بعد ذلك ذهب الملك ومن معه إلى بيت الحاج عبد الرزاق المجاور للمعمل حيث تناولوا طعام الغذاء،

          

اقيم المعرض الزراعي الصناعي في حدائق باب المعظم في بغداد في 7 نيسان 1932م في عهد الملك فيصل الاول، كانت هذه الساعة الشامخة شاخصة حيث فازت بحق وجدارة بالجائزة الاولى من ابرز المعروضات واجدرها باهتمام الجمهور، وليس ادل على مبلغ ما استأثرت به هذه الساعة من اهتمام رواد المعرض الزراعي الصناعي عراقيين واجانب ما اورده (امين الريحاني) في كتابه (فيصل الاول )، وهو يصف المشهد الرائع والحدث المهم في تاريخ النهضة العراقية: «وكان الناس محتشدين حول الساعة العظيمة، الاعظمية، التي صنعها احد ابناء البلدة المشرفة باسم الامام الاعظم وبحجرته لتعرض في معرض الزراعة والصناعة ببغداد، وكانت الساعة قائمة في باحة المعرض الكبرى فوق قاعدة عالية من الحديد، وهي تردد نبأ الزمان ـ والناس متلوعون، والعيون منهم محدقة بهذا الاثر الصناعي العربي البغدادي الاعظمي، والكل معجبون به، هذه الساعة مفخرة المعرض، والله بل مفخرة للعراق والعرب، ومن ذا الذي يقول ان العقل العربي عقيم لا يحسن الاختراع انها بيت القصيد في هذا المعرض، وقد قال احدهم: قد يكون صانعها من سلالة ذلك العربي الذي صنع الساعة التي اهداها الخليفة هارون الرشيد الى عاهل الفرنجة الامبراطور شارلمان،كما ساهم الاعلام وبعض من الشخصيات البغدادية المعروفة بهذا الانجاز وموهبة مصممها وصانعها فقد:كتبت جريدة (العراق) عن الساعة في 30/3/1933 مشيدة بالجهود التي بذلها صانع الساعة ووجوب الاهتمام بموضوعها ونصبها في جامع الإمام أبي حنيفة. كما كتبت جريدة (بغداد) في 13/4/1933 في نفس الموضوع والطلب إلى مديرية الأوقاف لنصب الساعة في جامع الإمام أبي حنيفة الذي لا توجد فيه ساعة. كما نشر الأستاذ عبد اللطيف حبيب في جريدة (البلاد) بتاريخ 5/11/1956 موضوعاً عن (قصة الساعة الأعظمية) بين فيه خصائص هذه الساعة والجهود التي بذلها صانعها في سبيل صنعها وأهميتها كمظهر من التقدم الصناعي في البلد وقد ختمها بالعبارات التالية:(أحمل هذا الريبورتاج إلى سعادة مدير الأوقاف العام، في انتظار الأصداء، وما يأتي به الغد، نحو مخترع عراقي، جاهد لإخراج باكورة أعماله، وبذل الغالي والرخيص ومات قبل أن يخرج اختراعه إلى النور الأسطع. إن الساعة الأعظمية تكريم للاختراع العراقي، تكريم للصانع العراقي، فلنكرم أنفسنا) كما نشر الأستاذ المحامي والاديب والرحالة والساعاتي المشهور في جريدة (الشعب) بتاريخ 3/2/1958 مقالاً بعنوان (الساعة البغدادية) مع صورة لصانع الساعة وإحدى واجهاتها، بدأه بقوله: (يحق لي كعراقي أن أفتخر وأناصر كل عمل يقوم به بنو وطني في الحقل الصناعي مما يكشف عن قابلياتهم ويجلو مواهبهم وينهض دليلاً قاطعاً على النبوغ والإبداع لا يختصان ببلد دون الآخر أو ينفرد بهما شعب دون سائر الشعوب ودعى إلى ضرورة الاهتمام بموضوع الساعة وإقامة البرج لنصبها فيه). وذكر كل ذلك أيضاً في كتابه (قصة الوقت). 
 وبعد هذا الفوز الساحق على غيرها من المعروضات وافقت الاوقاف على تسلمها وتسلمتها بالفعل لا لتوضع في جامع الامام الاعظم بناء على رغبة الحاج عبد الرزاق، وانما لتوضع رهن التوقيف والحجز في احد مخازنها فداهمها الصدأ وكادت ان تتلف.
وفي سنة 1952 شعر الحاج عبد الرزاق وقد أقعده المرض بدنو أجله وذهاب أمنياته عبثاً في تحقيق نصب الساعة وضياع وتشتت أدواتها من بعده فطلب إلى ابنه الدكتور صالح مراجعة دائرة الأوقاف لخزن أدوات الساعة في إحدى غرف جامع الإمام أبي حنيفة لحين يكتب لها فيه النصب في الجامع المذكور في المستقبل، وفي 7/11/1953 ذهب المرحوم الحاج عبد الرزاق إلى جوار ربه وفي نفسه حسرة لأن ساعته التي صرف من أجلها كل اهتمامه وكل ماله من طاقة فكرية ومالية، لم تر النور ولم تنصب في جامع أبي حنيفة والتي كانت أغلى أمنياته، استمر الدكتور صالح  بالرغم من انشغالاته الوظيفية في طرق كافة الابواب ومنها طلب الى دائرة الاوقاف، لم يكن لطلب الدكتور ومراجعاته المتعددة أية نتيجة، حينها استشار الدكتور صالح اخويه، عندما رأى الجهود المبذولة من والده وأخويه ما يقارب من عشر سنوات في صناعة هذه الساعة والأماني والتشبثات التي استمرت ما يقارب من ثمانية وعشرين سنة في موضوع نصب هذه الساعة إن كل ذلك ذهب أدراج الرياح. وان كل هذه الآلات سيأكلها الصدأ والتراب وعبث الآخرين بمرور الوقت. وعليه قرر أن يأخذ الموضوع على عاتقه ويقوم بإنشاء برج للساعة على نفقته وبما آل إليه من ارث من أبيه بلغ ما يقرب من خمسة آلاف دينار. وذلك في الساحة الواقعة أمام الجامع.

            

وجاء الفرج في عام 1959 حيث وصل الى د. صالح كتاب من ديوان مجلس الوزراء فيه الموافقة على بناء برج للساعة، ولهذه الموافقة قصة استقصيناها وهي كما يلي، ان رجلاً اسمه علي أصغر وهو مصلح ساعات، كانت له صداقة بالفريق"محمد نجيب الربيعي" رئيس مجلس السيادة، ويزوره بين الحين والآخر، وفي يوم كان عنده فجاء الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء، فتحدثا حول تشجيع الصناعة الوطنية، فذكر لهم علي أصغر الساعة التي صنعها محسوب فتحمسا لها، وهكذا تحققت المعجزة ، حينها سارع الدكتور صالح واخوته بتصليح ما اتلف نتيجة الخزن وتم ازالة الصدأ الذي اصابها واجرى الدكتور عليها بعض التحسينات بما يلائم عملها بالقدرة الكهربائية، اما مسألة الناقوس التي واجهت د. صالح، فأنه لم يجد من يصنعه في العراق، فأرسل الى الشركات الإنكليزية وغيرها، فحصل على عرض جيد،

                

ولكنه فوجئ بكتاب من وزارة الأشغال تخبره فيها بأن رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم اوعز بانه مادامت الساعة عراقية فيجب ان يكون الناقوس كذلك، فانكب دكتور صالح يقرأ ويتحرى عن طريقة صنع الناقوس، وبالفعل تم صنع الناقوس الذي كان وزنه 750كغم وقطر دائرته متر واحد في  معمل الشالجية التابع للسكك.
في ضوء قرار مجلس الوزراء الصادر عام 1958  بأن تستخرج الساعة من الأوقاف بعد معاينتها وصلاحيتها، ونصبها على برج يناسبها في جامع الامام الاعظم على ان تقوم به وزارة الاسكان، وبعد وضع التصاميم والخرائط من قبل المعماري المبدع هشام منير، اتجهت النية الى بناء الابواب الرئيسية وسياج الجامع مع برج الساعة. وقد يؤشر بالعمل بأشراف المهندس الغيور ابن الاعظمية محب الطائي،

                 

ونفذ بناء البرج بالكونكريت المسلح على شكل اسطواني وبارتفاع (25)مترا ومحله قرب الباب الرئيسة من جهة الغرب ثم كسي البرج بالفسيفساء الايطالي ذي اللون الازرق والابيض، كما بنيت الابواب على شكل اقواس ثلاثة بالكونكريت المسلح ايضا كما كسيت بنفس النوع من الفسيفساء، وبعد اكمال بناء البرج سنة (1958م) نصبت الساعة المذكورة اعلاه وهي قائمة تعمل بانتظام وبدقة عام1961،
اما عن وصف هذه الساعة فقد بلغ ارتفاعها ثمانية اقدام، وهي ذات وجوه اربعة، وقطر كل وجه منها متران، وعلى كل وجه ثلاثة عقارب، اثنان منها يشيران الى الدقائق والساعات والثالث يشير الى الايام، وصممت هذه الساعة على مبدأ الثقل حيث يتدلى منها ثلاثة اثقال تحرك ثلاثة مكائن ويقع موقع الثقل الاول في الوسط وهو الذي ينظم حركة العقارب وموقع الثاني من الجهة اليمنى وهو الذي ينظم دقات ارباع الساعة، وموقع الثالث في الجهة اليسرى وهو الذي يعلن بدقات قوية عن الوقت، ويبلغ وزنها ثمانية اطنان.
بعد ان بدأت دقات ساعة الجامع نغمتها التي لم تكن اعتيادية بالنسبة لنا ونحن بين الطفولة والشباب، تكسونا ملامح البراءة والارتباط الوجداني بأشياء نعجب بشكلها الخارجي أو وقعها الرنان المميز على أذننا، لتكن العلامة المميزة لمنطقة الاعظمية وكأنها تدرك أن صوت رنينها الواثق من نفسه يجبرنا على الانصياع له وتمني القرب منه، ليصبح وجودنا أمامها والاقتراب منها من أسباب  دخولنا مع الآخرين من سكنة المنطقة والزوار الى جامع ابو حنيفة ببهيته الشامخة.
قال فيها الشاعر عطا الحاج حمدي الأعظمي:
 يد محسوب يدٌ ماهرة
صنعت للجامع المعمور ساعة
جاورت قبر إمام أعظم
منه ترجى ساعة الحشر شفاعة
كلما دقت ذكرنا فضله
وسألنا الله أن يجزي اختراعه
وسألنا الله أن يرحمه
إن ّ شكر الله من شكر الجماعة

وفي سنة 1973م، قامت الاوقاف بإكساء البرج بصفائح من معدن الالمنيوم المضلع ذي اللون الذهبي فزاد ذلك من روعة منظره.

       

وبقيت الساعة منتظمة العمل حتى عام 2003م حينما غزا الأميركان العراق واحتلوا بغداد ودمروا بندول الساعة يوم 10نيسان 2003م،
انتخى وجهاء الاعظمية وأهلها بالدعوة الى تصليح الساعة والبرج،  ويناءً على ذلك قام ديوان الوقف السني وعدد من الشركات بإعادة ترميم البرج، فيما قام ثلاثة من عائلة محسوب هم (د.صالح عبد الرزاق، فؤاد رشيد عبد الرزاق، وحذيفة سالم عبد الهادي عبد الرزاق ) وعلى مدى اشهر عدة بإعادة ترميم وتشغيل ماكنة الساعة وتصليح اجزائها المتضررة وتم نصبها من جديد عام 2005م.
توارث اولاد الحاج عبد الرزاق مهنة تصنيع وادامة وتصليح الساعات، وتعلموها تدريجياً وأتقنوها بعد أن علمهم معلمهم ابوهم  سرها وأسرارها مع مرور الوقت،وبهذا شاركوا في نصب الساعة وادامتها، و تعلموا في الجامعة وتخرجوا منها باختصاصات مختلفة، واحدهم هو الدكتور صالح احد قضاة العراق المتميزين والباحثين القانونيين والحاصل على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي في سويسرا وحصل على الدكتوراه، وارتقوا مناصب في السلم الاداري للدولة، واحتفظوا بورش صغيرة في بيوتاتهم فيها كل الأدوات الدقيقة  "كالمفك والقطّاعة والمجهر الصغير الذي يوضع على العين" وغيرها، لعمل وتصليح الساعات واصبحت هذه المهنة الدقيقة بمثابة الانيس والمؤنس والهواية لهم، والدكتور صالح هوايته الغوص في عوالم الساعة الدقيقة التي يعرف الطريق إليها بحرفة عالية، أنامله المبدعة تعيد الروح لدقات الساعة إلى سابق عهدها وهذا ماحدث معه وندرج ثلاثة من أكثر القصص التي يتذكرها الدكتور عامر في هذا الصدد:
تصليح ساعة المانية ثمينة للهر كروبر الخبير الالماني بعد ان عجز المصلحون من ايجاد علتها.
اثناء دراسته في سويسرا عطلت ساعة استاذه الثمينة بعد ان عجز المصلحون من ايجاد علتها الحقيقية،
تصليح ساعة ثمينة للدكتور سالم الحيدري مدير مستشفى الحيدري والتي كان يعتز بها، ونتيجة لذلك الانجاز اهدى الدكتور الحيدري له ساعة وثبت بأنها اثمن من ساعة الحيدري.
جميع ما يصلحه الدكتور صالح كان بدون ثمن.
في عام 1972 نال جائزة أولى في مسابقة علمية على ابتكاره ساعة مائية قام بصنعها على غرار ساعة الجامعة المستنصرية القديمة، وهي تعمل بالطاقة المائية، وبهذا الانجاز تحقق حلمه باعادة فكرة احياء الساعة المائية للمدرسة المستنصرية التي نصبت في عهد الخلافة العباسية، وقد نوهت بها الصحف المحلية، كما نوه عنها الاستاذ ناجي جواد الساعاتي بكتابه صناعة الوقت.
لعل التاريخ سينصف في يوم ما  لهذا العصامي والمضحي بالوقت والمال، ومن ناحيتي اجد من الصعب استعراض مابذله في سطور متواضعة هذه، لكني شاركت مع كل العيون التي رأت عقارب الساعة التي لا تريد الانسلاخ من الماضي، وهي تحكي لنا الماضي بعنفوان الشباب، والآذان التي سمعت دقاتها، ولهذا فالجميع  يدرك جيداً الثقل الكبير لهذا الرجل المبدع، الذي برهن نبوغ العقل العراقي وابداعه في جميع الميادين في الفكر والعلم والفن والصناعة والزراعة..، وكذلك يعلم الجميع  صفات العراقي الاصيل هو الوفاء والعطاء، وهذا ما عرفناه عن الحاج عبد الرزاق، وإزاء ذلك، وتكريماً لهذا الإنسان، مصمم وصانع ساعة الاعظمية، والذي تخرج على يديه العديد من مبدعي تصليح وتصميم ساعات اخرى كأولاده ومنهم الدكتور صالح، ليس كثيراً عليه أبداً إذا تم تكريمه من خلال نصب وإقامة تمثال له في الساحة المقابلة للأمام ابو حنيفة النعمان، وكم سيكون جميلاً لو كان هذا التمثال بالزي العربي البغدادي الذي لم يفارقه  كعرفاننا لكل ماقدمهُ لأهل العظمية ورمزه ابو حنيفة النعمان ولبغداد والعراق، وان يتبنى ذلك وجهاء الاعظمية وكبار رجالاتها في الداخل والخارج ومن الله التوفيق.
سرور ميرزا محمود

 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

863 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع