جقماقجي

           

                  

                              

            إعداد و إشراف / إيمان البستاني

        

                 

لم يدر في خلد المرحوم الحاج فتحي چقماقچي ان هوايته في جمع اسطوانات الغناء المتداولة بشكل محدود آنذاك، ستصبح في يوم ما واحدة من أهم مصادر التراث الموسيقي والغنائي العراقي، فلم يكن الشاب فتحي موسيقيا أو مطربا، بل مجرد مصلح أسلحة لا تعدو عن كونها بنادق بدائية قديمة مصنوعة في اسطنبول كان يستخدمها الجيش العثماني آنذاك، وقد سعى لامتلاك احد (الكرامافونات) التي تعمل بالكوك كونه هاويا لسماع الموسيقى والغناء، فترسخت الهواية لديه وهاجر إلى بغداد وأسس أول شركة اسطوانات في العراق والمنطقة، وظل لقب الجقماقجي الذي حصل عليه من اسطنبول ملازما له حتى وفاته

                         
 
اذ جاءت التسمية من صوت البندقية عند حشوها خلال عملية التصليح وتجربتها قبل تسليمها إلى الزبون، فهي عندما تفتح تصدر صوت (چق) وعندما تغلق (ماق) وعند إطلاقها (چي) وكان الناس يسمون مصلح الأسلحة في تركيا جقماقجي ككلمة شعبية دارجة على من يعمل في تصليح البنادق في الأسواق وليس في الجيش فقط، في ذلك الوقت كانت الأغنيات تسجل على الاسطوانات الحجرية التي تعمل على الكرامافون اليدوي، فعمد الجقماقجي بتأسيس أستوديو تسجيل خاص بالشركة التي أسسها، وبدأ بتسـجيل حفــلات المطربين الخاصة، في وقت لم يكن أي أستوديو تسجيل في العراق، عدا استوديو الإذاعة اللاسلكية، إذ كانوا يستضيفون المطرب والفرقة الموسيقية والكورس معا، ثم ترسل نسخة التسجيل إلى معامل صناعة الاسطوانات الحجرية في اليونان ليتم استنساخها حسب العدد المطلوب لتعاد بعدها الى العراق فتتولى الشركة تسويقها، وقد راجت عملية تداول الاسطوانات في الأسواق وخاصة بعد أن أصبحت تصنع من مادة البلاستيك، من ابرز المطربين الذين سجلت أغانيهم على اسطوانات الشركة، داخل حسن، ومسعود العمار تلي، وحضيري أبو عزيز، وناظم الغزالي وبقية المطربين والمطربات
 أسس الحاج فتحي جقماقجي شركته "شركة جقماقجي" عام 1918م، وكانت الانطلاقة من شارع غازي في الموصل واقتصرت البداية على استيراد الأجهزة الكهربائية وبصورة خاصة التلفزيونات والكرامافونات، وساعده فيما بعد ابنه الأكبر محمد عارف حتى عام 1940م

     

أم كلثوم في محلات أسطوانات جفمقجي / ١٩٣٢


وفي سنة 1940 انتقل الأبن الأكبر محمد عارف إلى بغداد وفتح له فرع لشركة جقماقجي في منطقة ساحة الغريري، وفي عام 1942 انتقلت العائلة إلى بغداد والتحقت بابنهم الأكبر وتولى مسؤولية إدارة الشركة في الموصل (الأبن الثاني) المرحوم عبد الله بالتعاون مع ابن عمه وصهره محمد النجم (ابو صلاح). وبعد سنتين التحق هو الآخر بالعائلة في بغداد
وفي عام 1944 فتح الأبن الثاني عبد الله فرعا للشركة في منطقة الحيدر خانة (مقابل مقهى خليل) في منتصف شارع الرشيد، ثم توسعت وفتح الأبن الثالث سامي، الذي كان طالبا في كلية التجارة، فرعاً آخر في الباب الشرقي عام 1951 عند مدخل شارع الرشيد بالإضافة الى فرع الحيدر خانة في حين سافر محمد واجد الى انكلترا لغرض الدراسة
تميز المرحوم عبد الله بالتركيز على هوايته المفضلة وهي التسجيلات والمسجلات وكان يهتم بتسجيل حفلات المطربين العرب والعراقيين.

       

عبدالحليم حافظ مع سامي جقمقجي صاحب اسطوانات جقمقجي في سينما النصر/ ١٩٦٤

في حين ركز المرحوم سامي على تسجيل الأسطوانات وتطويرها وتصنيعها في السويد والباكستان بالإضافة الى مد جسور تواصل مع الفنانين العرب، مثل: أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، ومحرم فؤاد، وصباح وفائزة أحمد...الخ ومع الفنانين العراقيين، مثل:

     

ناظم الغزالي، وحضيري ابو عزيز، وزهور حسين، وسليمة مراد، طاهر توفيق ، ومحمد عارف جزراوي ، حسن جزراوي ، رسول گردي ...وغيرها

      

واحتفظ عبد الله بنسخ أصلية لتسجيلات نادرة كانت تغلط فيها ام كلثوم فتعيد التسجيل أكثر من مرة وهي جزء من مكتبة صوتية ضخمة فيها أكثر من تسجيل للأغنية الواحدة، بالإضافة إلى الأشرطة التي تسجل الإحداث والوقائع النادرة، وهي مازالت موجودة لدى أحفاده، وقد عرضت الحكومة الكويتية عرضا لشرائها في سبعينيات القرن الماضي، الا ان حفيد چقماقچي رفض بيعها رغم المبالغ الكبيرة التي دفعها الكويتيون اذ اعتبرها ثروة وطنية ثمينة وجزءا من تاريخ الشركة والتراث العراقي

     
  اتخذت محال چقماقچي في بداية شارع الرشيد من جهة الباب الشرقي موقعا متميزا منذ سبعينيات القرن المنصرم اذ كانت مرجعا لطلبة معاهد الموسيقى والغناء في بغداد والمحافظات، وكذلك لجميع هواة الموسيقى والغناء، آلاف الاسطوانات وأشـرطة الكاسيت لمختلف المطربين العراقيين والعرب المشهورين وغير المعروفين وفي كثير من الأحيان كانت الإذاعة والتلفزيون تستعين بتسجيلات القماقچي لتقديم بعض البرامج الفنية التي لا تجد لها أرشيفا في مكتبتها الحكومية، وكباقي الرموز التراثية التي اندثرت بسبب الإهمال وعدم الاهتمام من قبل المؤسسات الرسمية المعنية، لم تستطع آخر بقايا أول شركة تسجيل في العراق من مقاومة رياح التجدد في تقنيات علم التسجيل والسماع وبروز أقراص السي دي وأنظمة البلوتوث وغيرهما من الوسائل الاخرى، لكن السبب الحقيقي و الرئيس في تلاشي شركة الجقماقجي للتسجيلات هو لامبالاة القائمين على المؤسسات التراثية وتركها لوحدها تواجه مختلف التجاوزات والمضايقات ما جعلها تغلق أبوابها في منتصف التسعينيات ولم يبق منها سوى الاسم الذي مازال عالقا في أذهان محبي الموسيقى والغناء
المصدر - مقال في جريدة الزوراء العراقية
مقالة آل جقماقجي في الكاردينيا....أول شركة تسجيل في العراق.... بقلم/سهام سامي جقماقجي
  

             

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

391 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع